العدد الثالث والاربعون - تموز

نعمة الشك

نجيب نصير
السبت 18 تموز (يوليو) 2009.
 

لم تكن يوما هوية الثقافة أهم من الثقافة نفسها، ولا يمكن لها أن تكون، في حال اعتبرنا انتاجها استحقاقا حياتيا، وليس مجرد منتج جانبي ينبثق عن مجرد العيش. من هنا تبدو مقاربة أدونيس لتوصيف حال الثقافة العربية كاستنهاض للثقافة نفسها أكثر من العناية بهويتها، عبر مقارنتها بمرتسماتها العملية على أرض الواقع، من دون الولوج الى التسمية ومحاولة تفنيدها أو تأكيدها. بينما يبدو فواز الطرابلسي في رده على دعوى أدونيس وكأنه يراهن بتفاؤل ثوري على كمون ثقافي غني وثري، لكنه لم يجد الفرصة للظهور أو الفعل كما يستحق. وبذلك، يضعنا الاثنان أمام مقاربتين مختلفتين في السؤال. واذا كان أدونيس قد طرح رؤيته أولا، فان رد فواز طرابلسي السجالي يبدو ( لنا كقراء مستفيدين) كمن يعمل وفق مبدأ "ناصر أخاك ظالما أو مظلوما" . وهذا يعيدنا الى اسئلة بدئية حول الثقافة وتعريفها ودورها وتمظهرها، وحول الثقافة العربية واسمها ومعناها وأصولها وكيف يراها الانسان الفرد، وكيف تمارسها المجتمعات. اذ يبدو الشك في استقرار المسميات ضروريا، بحيث لا تتحول الى أصنام أو جدران عازلة لا يمكن فهمها ثقافيا أو التعامل مع نتائج هذا الفهم. واذ أننا حين أقررنا أن الأداء الثقافي هو ارتقائي وغير مشروط، فالعقل عندها لا يمكنه السكون لتفكير مشروط النتائج .

فاذا كانت الثقافة (العربية) محتضرة أو منتجة لثقافة سلبية (الطائفية التي "ارتقت" الى مذهبية مثالا ) فمن الأولى مواجهة الأمر كما هو وليس الدفاع بأن الثقافة ( العربية ) تمتلك أحسن من هذا، ولكن لا يسمح لها بالتعبير عن ذاتها، لأنه وبحساب العوامل الأخرى، يكون الذي ضرب ضرب، والذي هرب هرب . كما لا يمكن الدفاع عن ثقافة لا تنتج الهوية بل الهوية أنتجتها مسبقا. وهذه أسئلة علينا مطارحتها الجدل وليس الاقرار واليقين .

اليوم نرى الثقافة (العربية) بوضوح عبر ممارساتها الحياتية وعلى كافة الصعد والبنى والمؤسسات والتحديات الحقيقية، فماذا نرى ؟

يمكننا وصف وتوصيف ما نراه، ومن ثم الشكوى منه والتنديد به، واتهام الآخرين بالتسبب به، من دون أن ننسى تفاؤلنا الثوري بقيامة الثقافة الكامنة والرهان عليها (!!) عبر جمع الأدلة على وجودها وصلاحيتها وخيريتها و و و... وماذا بعد ؟

قد يكون أدونيس رأى أنها ثقافة محتضرة أو حتى بائدة، ولكن ماذا لو كانت هذه الثقافة ثقافة سلبية أو مضرة؟ كيف سيجيب فواز الطرابلسي (مثالا) على هذا الكم الهائل من الطائفية والمذهبية والحروب الأهلية؟ كيف سيجيب عن ثقافة الخلاص الفردي المتجلية بالفساد والمحسوبية والاثراء بالمال العام ، أو اتساخ الشوارع وانتشار العشوائيات ، وعدم المقدرة على تنفيذ نظام للمرور، أو عدم المقدرة على تقبل عقد اجتماعي والخ والخ؟ أوليست كلها ممارسات ناتجة عن ثقافة ؟ سمها الآن ما شئت عربية أو ميكرونيزية ، محتضرة أو ميتة أو نابضة بالحياة. فلتكن ما تكون وهذه هي نتائجها: هل هي صالحة للاستهلاك البشري أم لا؟ هذا هو السؤال الحقيقي .

اليوم لم يعد بالامكان احصاء الثقافة كميا بعدد منتجاتها، بل في جدواها الحضارية بعد تمثل منطوقها العقلي في الممارسة الحياتية للمجتمعات لتتحول الى بنية تحتية قادرة على التغيير ارتقائيا، والا سوف تتحول الى معلومات يستفاد منها في الكلمات المتقاطعة، أو في امتداح جمال الأواني في العصر الفاطمي.