العدد الثالث والاربعون - تموز

الاحزاب اللبنانية : ازمة فكر ام تنظيم " 5 "

" الحزب السوري القومي الاجتماعي "
السبت 18 تموز (يوليو) 2009.
 

"العقيدة القومية" في القرن الحادي والعشرين

عقيدة حيّة نابضة ناهضة

 

 

الاحزاب اللبنانية : ازمة فكر ام تنظيم ، ملف تتناوله مجلة " تحولات " على مدى عدة حلقات في محاولة لفهم الواقع الحزبي المازوم في لبنان ، في الاعداد السابقة تناولنا

كل من "حزب الكتائب " الحزب الشيوعي " والحزب البعث العربي الاشتراكي "

في هذا العدد ، نطلع على " الحزب السوري القومي الاجتماعي " من خلال طرح بعض الاسئلة على عميد الثقافة في الحزب السوري القومي الاجتماعي فهد الباشا .

 

الحزب السوري القومي الإجتماعي، عقيدة ومبادئ فكرية عميقة. هل ما زالت تصلح في ضوء تطوّرات واقع القرن الحادي والعشرين؟ قراءة في فكر الحزب على الواقع.

أقرأ في السؤال، وبالطريقة التي صيغ فيها، رغبةً ترجّح، لدى السائل، الإستحصال على إجابة سلبية نافية، أو مشككةً بصلاحية العقيدة القومية في التعاطي مع التطوّرات التاريخية المستجدة. يرجّح استنتاجي هذا أنه لم يرد في السؤال ذكر مستجدٍّ واحدٍ ينقض حقيقةً في عقيدتنا ويشكل بالتالي مثلاً يبرر صيغة: "هل ما زالت؟"

ومع ذلك، بل من أجل ذلك، أرى مفيداً أن نشير إلى أن سعاده، مؤسس الحزب وزعيمه جاء بعقيدةٍ لنهضةٍ، أي بفكرة وحركة تتناولان حياة أمّةٍ بأسرها، تأسيساً لإخراج المجتمع من التفسخ الروحي ومن البلبلة والشك إلى الوحدة الجامعة، وإلى الوضوح واليقين. لذلك كان دقيقاً في اختيار تعابيره دقة الحريص على إيصال فكره جليّاً، لا غموض فيه ولا التباس، منطلقاً من نظامية فكرية ترى أن اي عوجٍ في التعبير عن المقصد يؤدي إلى فهمٍ خاطئ في المعنى، وبالتالي إلى تدبير خاطئ في كل فعلٍ ورد فعل.

من هنا، نحن حزبٌ له دليله ومعاييره وله من فكره منزلته التي لا تقع بين منزلتين، وليست عقيدتنا حمّالة أوجُه.

وعليه، لكي يصحَّ سؤالك هل مبادئنا الفكرية ما زالت صالحة ام لا، لا بدّ أولاً، من الإطّلاع على حقيقة هذه المبادئ من منبعها، من تراث سعاده ومن حركة الحزب في مجرى تاريخه. وفي السياق عينه، لا بد، تالياً، من استعراض التطورات والمستجدات التي يشير إليها السؤال، وتحديد هويتها وماهيتها على ضوء مبادئنا. إذ ذاك يتبيّن جواب ما إذا كانت هذه المبادئ ما زالت تصلح أم زال عنها الصلاح.

 

الوقائع في الواقع حولنا وفي العالم كله شاهدٌ على مصداقية وصحة استشراف سعاده. ومن يراقب حركة الصيرورة والتحولات، لا بد هو ملاحظٌ أنه، كلّما استفحل ويلٌ، في بلادنا تشعّ العقيدة القومية الإجتماعية دليل خلاص، وتتألّق مبادئنا اليوم، رما أكثر من أي يومٍ سابق، حصوناً فكرية منها يمكن الإنطلاق بإتجاه إطلاق الحلول العقلانية سواء لجهة ما هو شأن قومي أو لجهة ما هو شأن إجتماعي.

علماً أن كلا الشأنين في نظرتنا الفلسفية المدرحية لا ينفصلان. هذه المدرحية التي نقرأ على ضوئها بوضوح تام كل أسباب الويل الناتج تفاقمها أصلاً من مصدر واحد قبل أن تتفرع وتتداخل وتتشابك عناوين وفصولاً.

عنيت فقدان نقطة الإنطلاق: ضياع حقيقة الهوية الذي لم يُفقِدنا أرضاً وموارد فقط بل أضعنا، مع ضياعه، دليلنا إلى سبيلنا وتضعضعنا في معالم العديد من المسائل المتفرّعة.

عقيدتنا كشفت نقطة الإرتكاز الأساسية حين أجابت عن سؤال من نحن؟ من نحن بذاتنا، ومن نحن من محيطنا، ومن نحن ومحيطنا من العالم؟

من نقطة الإرتكاز هذه كان الإتجاه العلمي في تحديد أسباب الويل وفي وصف العلاج الكفيل بإزالة هذه الأسباب.

وإن غياب أوساط من بني شعبنا عن هذه الحقيقة، لأسبابٍ مرتبطة أصلاً بظروف ويلاتٍ تاريخية غذّتها ثقافاتٌ وافدةٌ من الخارج، إن هذا الغياب جعل الويلات تتفاقم وتتناسل مولّدةً ما نشهده اليوم متمثّلاً بأزمة مفاهيم حادة، تقوم عليها وتقيم فيها منتعشةً مصائب شتّى، تشكّل معابر لخارج يترصّدنا، وتتشكّل تحدّيّاً آخر.

خذ أمراً آخر على صحّة إستشراف سعاده، ما هو وارد في الغاية من تأسيس الحزب، لجهة إنشاء جبهة عربيّة تقف سدّاً منيعاً أمام المطامع الأجنبيّة. أليست الأمم المتقاربة جغرافياً في العالم تندفع بفعل التفاعل في ما بينها وبتطوّرات حاجاتها، باتجاه إتحادات إقليميّة، منها ما هو قائم اليوم، كدول الإتحاد الأوروبي ودول الإتحاد الخليجي، ومنها ما يجري السعي حثيثاً لإقامتها، مثلاً ما يحكى عن قيام إتحاد مشرقي.

إن تطوّرات القرن الواحد والعشرين وما تقوم به المجتمعات في التصدّي لها هي ختم مصداق واستجابات متأخّرة لنداءات مبكّرة أطلقها سعاده، مشدّداً أبداً على وجوب تحويل الصراع الى تفاعل متجانس يحيي ويعمّر ويرفع الثقافة ويسير بالحياة نحو أرفع مستوى. نهضتنا لا تعبّر عن حاجاتنا نحن فقط، بل عن حاجات إنسانيّة عامّة.

أضِف الى ذلك مثلاً عن أحد أهمّ التطوّرات الكبرى التي جرت أواخر القرن الماضي وانسحبت جرائرها إلى مستجدّات القرن الواحد والعشرين: سقوط الإتحاد السوفياتي.

ألست ترى في هذا السقوط، مع الأخذ بعين الإعتبار كل الأسباب الخارجية التي تضافرت لإحداثه، سقوطاً لقاعدة الفلسفة الأحادية المادية في النظر إلى الحياة والكون، وفي فشل الحلول الناتجة عن مبتورية هذه النظرة إلى مشاكل المجتمعات الإنسانية؟

وفي المقابل، هل كانت التداعيات الأخيرة للرأسمالية المتوحشة المدّعية أنها قائمة على مبادئ الديموقراطية والحرية، وعلى فلسفةٍ روحية ما، هل كانت في رؤيتها الجزئية إلى الحياة الإنسانية إلّا ترجمةً لروحية الإستكلاب الكسبي (ولو على حساب حريات الشعوب وحقوقها) وهلاك الإستهلاك العبثي؟ ألا يتبيّن إذا قارنّا كلتا النظرتين المدمّرتين للإنسان وللإنسانية بالنظرة الفلسفيّة المدرحية في القومية الإجتماعية، وبالمقارنة، نفي وإثبات، صلاح وفساد؟

وبالإشارة الى المدرحيّة، نذكّر بأن سعاده طرحها لأمتنا وللأمم جمعاء، حيث ورد له في عام 1940: "إن الحركة السورية القومية الإجتماعية لم تأتِ سورية بالمبادئ المحيية، بل أتت العالم بالقاعدة التي يمكن عليها استمرار العمران وارتقاء الثقافة. وهي، بذلك، ترفض الإقرار باتخاذ قاعدة الصراع بين المبدأ المادي (الشيوعي) والمبدأ الروحي (الفاشي) أساساً للحياة الإنسانية".

وهل ما رافق ذلك كله وما تلاه من أطروحات فكرية متمثّلة بهنتنغتون وفوكوياما وأمثالهما في طروحات الصراع بين الحضارات وما جرّته هذه الأفكار من ويلات على الإنسانية وعلى بلادنا ومنطقتنا بنوعٍ خاص، لم تنته تداعياتها بعد، هل هذه الأطروحات، بما رافقها من تطوّرات، تثبت أم تنفي صلاحية القومية الإجتماعية القائلة بالتفاعل الإنساني الموحّد في مواجهة الفكر الطِرح في مقولة صراع الحضارات؟

أخلص إلى أن التطورات تظهر، ليس فقط صلاحية العقيدة القومية الإجتماعية وأهليتها للتعاطي مع جديد القرن الجديد، إنّما أظهرت الأحداث تقدّمها في استشراف الحلول، ولا سيما في مستوى قضيتنا القومية وقضايا عالمنا العربي، حيث أثبتت التجارب ودلّت الوقائع أن مشاريع الحلول الجزئية جميعها ما حملت إلينا إلّا المزيد من التعقيد والويل.

هذا بالإضافة إلى ما قدّمه فعل هذه العقيدة في نفوس المؤمنين بها من أمل ورجاء لغيرهم من أبناء شعبهم وبالمثل الحي والمثال المحيي في معالجة أخطر أمراضنا الداخلية وأشدها فتكاً بصحّة المجتمع والأمة: المرض الطائفي.

في الخلاصة، لا بدّ من الإعتراف أننا، في صراعنا الطويل هذا والمرشّح أن يستمرّ طويلاً، نحتاج إلى تكثيف جهدنا في مواكبة ثورة المعلومات فائقة سرعة التداول، والى رصد ما سوف تتركه من تداعيات لجهة ما تبعثه من حيويّة جديدة في التفاعل الإنساني، أو من حيويّة في مواجهة دعوات التصادم والتنافي، وذلك يستدعي منا إفساح مجال أوسع لربح معركة الأحداث، تمهيداً لدور أكبر يقوم به جيل الشباب في القيادة وفي تطوير آلية عملنا تسهيلاً لإيصال فكرنا وتعميمه في أوساط الشعب كافة.

 

هل يعاني الحزب أزمة فكر أم أزمة صراع تنظيميّة، أي أزمة صراع على السلطة؟ وهل من أزمة في خيارات الحزب الإستراتيجية في ظل واقع سياسي لبناني مأزوم؟

 

أبدأ بالإجابة على الشقّ الأخير من السؤال المتفرّع ثلاثةً، فأقول:

إن كوننا نهضة قومية إجتماعية، أكثر منا حزباً سياسياً بالمعنى التقليدي، يفرض أن الذي يوجّه عملنا السياسي هو نظرتنا القومية الإجتماعية. خياراتنا هي في الشأن التكتي. أما في المسائل الإستراتيجية فوجهتنا واحدة، وبوصلتنا عقيدتنا. والناس "يعلمون بالإختبار في أي مهوىً سحيق تسقط الحركات والأمم التي تفقد عقائدها ومقاصدها".

من هنا ليس عندنا ما يسمّيه السؤال أزمة خيارات، فسواءٌ كان الواقع السياسي مأزوماً أم مسترخياً، في لبنان او في سواه من كيانات الأمّة، فإن ما يملي علينا سياستنا هو مصلحة الامة التي فوق كل مصلحة.

أما ما يتضمنه السؤال عن إحتمال أن يكون الحزب يعاني أزمة فكر أم أزمة صراع تنظيمية، فالواقع يفيد أن ليس من أحدٍ في الحزب يطرح مثل هذا الموضوع.

ليس في الحزب أزمة فكر بالمعنى العقائدي.

وليست صحّة العقيدة موضوع نقاش، وإن كان لا بدّ من ملاحظة تُبدى هنا، فقلّة الاهتمام بشؤون الفكر والإبداع الفكري تسِم الجوّ الثقافي العام في لبنان، وتنسحب بنسب متفاوتة على المثقفين في صفوفنا.

صحيح أن ثمّة مآخذ على بعض الكتابات، والإدلاءات الإعلامية من قبل بعض السياسيين، يقابلها مآخذ من بعض الكتّاب على أداءٍ حزبيٍ معيّن، إلّا أن أحداً لم يطرح فكرةً واحدة يستدلّ منها على جدّية خلافٍ فكريٍّ عقائدي.

أما إذا كان السؤال يشير، بـعبارة "أزمة فكر" إلى معنى الإختلاف في وجهات النظر حول آلية العمل الحزبي في إستنهاض الهمم، فذلك أمرٌ صحي مرغوبٌ فيه بل ومطلوبٌ. والإدارة الحزبية المسؤولة تفتح الأبواب كلها على الأسئلة كلها، ولا يقلقها سوى هذا الغياب الثقيل عن إستحضار أسئلة تستجلي الضباب الذي يتكثّف في آفاقنا.

وإذا كان من إشكالية ما في هذه الناحية يحاول السؤال أن يلامسها بحياء، فيمكن إدراجها تحت عنوان "أزمة مفاهيم". فهي شخصية شخصانية لا أزمة تعاليم عقدية. وهذه الحال مردّها في أغلب الأحيان إلى مستوى منسوب الوعي العقائدي المطلوب في قراءة واقع الأمّة الشديد التعقيد. هذا المنسوب يؤدي نقصانه او شخصنته إلى خللٍ في التشخيص، وبالتالي إلى خللٍ في الأداء، ما يجعل المراقب "بغير دقة" يستنتج كأن هناك أزمة فكر ما. وإذا صحّ فعلاً أن ثمّة أزمة على المستوى الفكري تواجهنا في عملنا، فهي متأتّيةٌ من حدة الحرارة الطائفية والمذهبية المتصاعدة متداخلةً مع إستفحال العلل الكيانية نتيجة ظروف الصراع وتداخلاته الخارجية، سواء في لبنان والمنطقة، أم في مستوى الإرتجاجات الفكرية التي تصحبها أزمات إقتصادية متفجّرة.

مثل هذه الحالة عرفها الحزب أيام الزعيم، حيث أشار في المحاضرة الأولى في 7 كانون الثاني 1948 إلى "الإنحرافات التي نشأت في التعابير التي استعملها فايز صايغ وغسان تويني".

ضمن هذا الحد يقف الأمر هنا. أما ما قد يطرحه بعض المنكفئين عن العمل الإنتظامي، وما يسرّ به، وما يتسرّب منه كأنه أزمة فكرية، فلا يعدو كونه، بإستثناءات رصينة، تعبيراً عن حال الذين أتعبهم طول الطريق فتوقّفوا مستريحين يكفكفون دموعاً لم يذرفوها.

أما ما ورد من صراعٍ على السلطة والقيادة فلا صادر ولا وارد له إلّا في مجرّد السؤال... هل من صراع في السرّ؟

القيادة، ممثلة برئاسة الحزب، دعت وتدعو وترحّب بكل كفاءةٍ قيادية معتكفة إلى معاودة الإنخراط في العمل الجادّ وإلى الحوار والمناقشة في كل ما من شأنه أن يدفع إلى الأفضل في الصراع، بأمانةٍ كلّيةٍ لحقيقة الشعب وقضيّته.