العدد الثالث والاربعون - تموز

شبكات العملاء في لبنان - تاريخ اسرائيلي طويل في التجسس

الياس سالم
السبت 18 تموز (يوليو) 2009.
 

خلال شهرين وفجأة، تناوبت الاجهزة الامنية اللبنانية الاعلان عن كشف شبكات تجسس تعمل لصالح العدو الاسرائيلي. قوى الامن الداخلي -فرع المعلومات ومديرية المخابرات في الجيش والمديرية العامة للامن العام اعلنت عن اكتشاف الجواسيس من دون اي رابط بين شبكة كشفها هذا الجهاز واخرى كشفها جهاز اخر. قبل هذه الحملة، اعلن عن كشف عميل هو علي الجراح من منطقة البقاع واخر هو مروان فقيه من منطقة النبطية في الجنوب، واوردت وسائل الاعلام معلومات ان علي الجراح كان مكلفا بمراقبة معبر المصنع على طريق بيروت دمشق وانه اشترى منزلا مطلا على المعبر لهذه الغاية. كما اوردت ان مروان فقيه كان يبيع سيارات تحوي على اجهزة تعقب وتحديد الموقع الجغرافي للسيارة الامر الذي يسهل تعقب صاحبها وعند اللزوم قصفها بالطيران او بالصواريخ الموجهة الى الموقع المحدد اي السيارة. 

تضم قائمة العملاء الموقوفين ضابطين من الجيش في الخدمة الفعلية وضابط متقاعد في الامن العام ورتباء في الامن العام وقوى الامن الداخلي ومدنيين.لم تحمل الانباء المتوافرة معلومات عن شبكات تجسس بل عن اشخاص يتعاملون مع العدو بشكل افرادي او بمعونة زوجة او صديق او اخ، من دون وجود تشعبات لدى اي من العملاء. بمعنى اخر ان الشبكات متوازية في لبنان، ولا تلتقي الا في مكان ما داخل الجهاز الاسرائيلي المشغل. 

ما هي هذه "الشبكات" وما هو الهدف الذي تسعى اليه؟ 

منذ انشاء دولة اسرائيل احاطت القيادة السياسية للعدو اجهزة الاستخبارات اهتماما عاليا وخصوصا جهاز الاستخبارات الخارجية الموساد. ومن الطبيعي ان يركز هذا الجهاز جهوده على مواقع التهديد لدولة اسرائيل  فانصب اهتمامه منذ عام 1948 على الدول العربية المجاورة وخصوصا دول المواجهة مصر وسوريا والعراق ولبنان، فكشف من جواسيس الموساد شولا كوهين في لبنان وايليا كوهين في سوريا وفضيحة لافون وصاحب نادي الخيول كوكس في مصر والطيار منير روفا في العراق.كان وجود اولئك الجواسيس مؤشرا الى نشاط استخباري للموساد في دول الطوق وتركيزا لجهود ذلك الجهاز على الجيوش كونها مكمن الخطر على اسرائيل. بعد 1967 انتقل اهتمام الموساد الى ملاحقة المنظمات الفلسطينية في الدول العربية وفي سائر انحاء العالم وتمكن الموساد من اغتيال عدد كبير من القادة الفلسطينيين وابرزهم خليل الوزير وزهير محسن ومحمود الهمشري وماجد ابو شرار وفتحي الشقاقي وغيرهم. وبعد اتفاقات اوسلو وانشاء السلطة الوطنية الفلسطينية وتصاعد المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله وتحقيقها نجاحات كبيرة اوصلت الى اندحار القوات الاسرائيلية عن لبنان بشكل مذل ودون اية شروط في اول انجاز تحريري في تاريخ الصراع العربي - الاسرائيلي، بعد كل ذلك تحول النشاط الاستخباري للموساد الاسرائيلي لمواجهة الاخطار القادمة من حزب الله وحماس والجهاد الاسلامي.

 وكان الاجتياح الاسرائيلي واحتلال اسرائيل لقسم من الاراضي اللبنانية مناسبة لتقرب العديد من قادة الميليشيات المتعاملة مع اسرائيل من الاجهزة الاسرائيلية وخصوصا الموساد. في تلك الحقبة لم تكن الاجهزة الامنية اللبنانية بوضع تستطيع فيه ملاحقة المتعاملين مع العدو، ذلك ان البعض من هؤلاء المتعاملين جاهر وفاخر على شاشات التلفزيون باتصاله بالعدو .لم يكن الاتصال بالعدو جريمة ولا ذنبا بل كان واقعا ترسخ لدى قسم من اللبنانيين .في مثل هذه البيئة لم يكن الموساد الاسرائيلي بحاجة لجهد كبير في لبنان، فالعلاقات المعلنة وغير المعلنة كافية للحصول على المعلومات المطلوبة وبالتفاصيل الدقيقة من خلال الاتصالات والاجتماعات التي يجريه الجهاز مع عدد من اللبنانيين. 

بعد اتفاق الطائف وتوحيد الجيش اللبناني على اسس وطنية سليمة في مقدمها اعتبار اسرائيل العدو الاساسي والمصيري للبنان وتفرغ المقاومة في الجنوب لمقارعة العدو الاسرائيلي وهجرة الكثيرين ممن تعاملوا مع اسرائيل الى الخارج، والتحول السياسي الذي طرأ على العديد ممن كانوا قد تعاملوا او اتصلوا باسرائيل، بدا ان جعبة الموساد بدأت تفرغ من المعلومات التي كانت تتلقاها من لبنان بشكل كافي اثناء الاحداث فبدأت في التسعينات بتجنيد لبنانيين التقتهم في الخارج، وفي الغالب في اوروبا والولايات المتحدة. وقد اظهرت التحقيقات التي اجريت مع بعض هؤلاء ومنهم عماد الرز ومحمد ابو ملحم ان مشغليهم كانوا يطلبون منهم بالاضافة الى معلومات عن الملاح الجوي المفقود رون اراد ،معلومات عن البيئة السياسية والاقتصادية والمعنوية للبنانيين ومواقفهم الحقيقية من المسائل المطروحة: الوجود السوري ،المقاومة ،جعجع ،عون الخ....

هذا فيما يتعلق بالمعلومات السياسية التي كان يمكنهم مقاطعتها بسهولة مع المعلومات المتوافرة في الاعلام وهي كثيرة وهامة.اما الاستخبارات العملانية فكانت دون شك موجهة ضد حزب الله بصفته قائد المقاومة في لبنان وملهم المقاومة وداعمها في فلسطين والدول العربية. استغل الموساد من دون شك العملاء الذين كانوا يعملون في ميليشيا انطوان لحد وافرج عنهم بعد تنفيذ احكام لمدد قصيرة عملا بمبدأ "من تعرفه افضل ممن تتعرف عليه". فتم التجنيد للعملاء السابقين والهدف: حزب الله. ويمكننا ان نستنتج من العمليات الناجحة لدى العدو التركيز الواضح على حزب الله. صحيح ان اغتيال الامين العام للحزب السيد عباس الموسوي عام 1992 كان بواسطة هجوم من الجو من طائرة هلكوبتر ، لكن ذلك كان يتطلب حتما معلومات استخبارات دقيقة وفرها عملاء للموساد في لبنان. وفي العام 1997 تم اغتيال القائد في حزب الله علي ديب المعروف بابو حسن سلامه في منطقة الهلالية شرقي مدينة صيدا، وتلاه عام 1999 القيادي علي صالح في عمق الضاحية الجنوبية لبيروت ثم جهاد جبريل داخل القسم الغربي لمدينة بيروت، ثم غالب عوالي في الضاحية الجنوبية ايضا، وصولا الى الاخوين مجذوب في صيدا ومؤخرا اغتيال الشهيد عماد مغنية. تدل هذه الاغتيالات على وجود عملاني للموساد في لبنان .لكن التحقيقات اظهرت ان لا ترابط بين الشبكات وان كل عميل يعمل بشكل مستقل . ومن خلال التحقيق مع العميل الموقوف محمود رافع يظهر ان شركاء عملانيين كانوا يتعاونون معه من دون ان يعرفهم بالضرورة، فقد تم ارشاده الى عنوان سكن الشهيدين المجذوب في صيدا دون ان يعرف مكانتهم. وتبين ايضا ان العميل الموقوف العميد المتقاعد في الامن العام اديب العلم كان ممن تعرفوا الى الاخوين الشهيدين مجذوب. 

ان كشف هذه "الشبكات" لا يلغي بقاء العديد منها قيد العمل لاستهداف حزب الله. اما كيف تم كشف هذه الشبكات، فان الروايات حول ذلك عديدة ومختلفة . تم كشف العميل محمود رافع خلال التحقيق بمقتل الشهيدين المجذوب وهو التحقيق الذي لم تكترث له سلطة 14 اذار في حينه باعتبار الشهيدين ينتميان للمقاومة الفلسطينية ولا مصلحة سياسية لها بالمتابعة كما هو عليه الحال لدى شهداء ينتمون الى 14 اذار حيث يكون الهاجس هو الحصول على دليل يورط سوريا ويدعم طروحاتهم السياسية. اما عن التحقيقات مع العملاء الباقين، فقد تحدث مدير عام قوى الامن الداخلي عن الحصول على اجهزة تقنية متطورة مكنت فرع المعلومات من الرصد والمتابعة والملاحقة لحين كشف العملاء .لم يتسرب شيء من مديرية المخابرات حول طريقة كشف الضابطَين لكن جرى التأكيد على ان هناك ادلة دامغة ادت الى توقيفهما، وغالب الظن ان هذه الادلة هي ذات طابع تقني وليست من نوع الاخبار والمراقبة البشرية.

يبقى السؤال: لماذا تمت الان سلسلة الاكتشافات هذه علما ان معظم العملاء تجندوا للعمل مع العدو منذ أكثر من عشرة اعوام؟ ولماذا هذا العدد الكبير من العملاء الذين تم كشفهم والذي تجاوز الستين؟ هل هناك علاقة بين هذا الكشف المفاجىء وانتحار احد ضباط الموساد في مكتبه في اسرائيل والذي تسربت انباء عن علاقته بتجنيد عملاء في الخارج؟

 لم يحدث هذا الكشف الخطير والمهدد لامن البلاد واحتمال ارتباطه بالاغتيالات التي قوضت الاستقرار السياسي واحدثت انقسامات عميقة بين اللبنانيين اهتزازا في البلاد، فيما كان جاسوس واحد في الدول المتقدمة ليحدث زلازل وتقلبات سياسية . لقد رأينا احد السياسيين الكبار في لبنان يجيب على سؤال حول شبكات التجسس المكتشفة بقوله : "شو بدي بالتجسس مش هاممني" . كانت الانتخابات هي همه . هل بات العداء لاسرائيل في البيئة اللبنانية الراهنة او على الاقل في البعض منها، مجرد وجهة نظر. ثم ما هي دلالة رفع سكان احدى البلدات صورة عملاقة لابن بلدتهم الذي اعتر ف بالتعامل مع العدو وحملهم صوره في مواكب سيارة فور اعلان نتائج الانتخابات وخسارة المعارضة اللبنانية في تلك الدائرة الانتخابية؟ هذه المؤشرات تنذر بارتفاع احتمالات تجنيد جواسيس في لبنان لصالح الموساد الاسرائيلي ولاستهداف المقاومة. ولا بد من التصرف فورا بهذا الشأن.