العدد الثالث والاربعون - تموز

المؤتمر القومي العام لـبلاد الشام والعراق

السبت 18 تموز (يوليو) 2009.
 

عُقد في بيروت، في 15 و16 أيار 2009، لقاء تحضيري للمؤتمر القومي العام لبلاد الشام والعراق ضمّ ممثلين عن فلسطين والأردن والعراق والشام ولبنان، تداول خلاله المؤتمرون في الأخطار الخارجية التي تتهدّد مجموع بلاد الشام والعراق والمشكلات الداخلية التي تعصف بكل دولة من دوله على حدة. وخلصوا بنتيجته إلى وجوب إنشاء منظمة باسم "المؤتمر القومي العام لبلاد الشام والعراق" تُعنى بالعمل على تطوير المصالح المشتركة بين دول هذه المجموعة كخطوة أولى على طريق الإتحاد السياسي بينها، وتحديد أُطر سياستها الخارجية- عربياً ومتوسطياً ودولياً- على ضوء أهدافها ومصالحها الحيوية الكبرى.

 

 

وقد حدّد المؤتمرون ثلاثة محاور رئيسة للعمل هي، على التوالي: 

 

في العمل القومي العام:

 

إذا كانت الوحدة القومية غير ممكنة حالياً نظراً لحالة الخلاف المستحكم بين الدول القائمة في بلاد الشام والعراق، وتشبث كل كيان سياسي بحالته الراهنة بوصفة "وطناً نهائياً" في عيون فئة واسعة من أبنائه،

 ونظراً لانعدام وجود نظام سياسي جامع يمكن أن يشكل أو يصلح لأن يشكل قاعدة للعمل القومي المشترك في مواجهة الضغط الدولي على المنطقة، لاسيّما التهديد الأميركي المباشر لها بعد غزو العراق، فإن مهام العمل، على المستوى القومي العام، تقوم على:

1- دفع الحكومات المحلية، على اختلاف اتجاهاتها السياسية، إلى تخفيف القيود المفروضة على حركة انتقال المواطنين بين دولة وأخرى، ووقف العمل بنظام التأشيرات، كخطوة أولى على طريق إلغاء "الحدود" المصطنعة، بشكل نهائي.

2- تشجيع قيام مشاريع مشتركة على صعيد الثروات الوطنية، ومشاريع تنمية زراعية وعلمية وسياحية، وربط الكيانات السياسية بشبكة مواصلات برية واسعة، لا سيما شبكة خطوط حديدية حديثة، لما للمواصلات- على أنواعها- من دور حيوي في ربط مفاصل الدورة الحياتية الإقتصادية الإجتماعية، وفي جبل الجماعات المتباعدة وصهر عقائدها وتقاليدها، على امتداد الوطن كله، وتشكيل مجتمع متجانس، موحّد الأهداف، موحّد المصالح الحيوية، موحّد المصير. 

3- الدعوة الى إنشاء " مجلس التعاون الإقليمي" لمجموعة دول بلاد الشام والعراق على غرار" مجلس التعاون الخليجي" لمجموعة دول الخليج، يقوم برعاية المصالح المشتركة بينها، ويندرج تحت هذا العنوان: إدارة مشتركة للثروات الطبيعية كالمياه والنفط، وهيئة تخطيط عليا للتنمية الإقتصادية، وقوة دفاع مشترك، وعملة موحّدة، و برلمان موحّد إلى جانب البرلمانات المحلية الخاصة بكل كيان، وتمثيل دبلوماسي خارجي موحّد على الصعيد العربي (الجامعة العربية) والمتوسطي(الشراكة المتوسطية) والدولي (جمعية الأمم المتحدة).

4- إطلاق حرية العمل السياسي الديمقراطي، على أوسع نطاق، وضمان حرية الرأي والقول والعمل والتملك والإنتقال، والاحتكام إلى القانون وحده، والفصل بين السلطات وتداولها، الأمر الذي يبعث على إعادة تنظيم الحياة السياسية تنظيماً عصرياً يرتكز إلى قانون جديد للأحوال الشخصية يوحّد القضاء في مسائل الزواج والطلاق والإرث حتى لا تبقى الأحوال الشخصية مقسّمة على المذاهب الدينية، وقانون جديد للأحزاب يمنع نشوء أحزاب طائفية أو عنصرية ويفسح في المجال حرية العمل للأحزاب القومية المركزية التي تتخطى في دعوتها ومبادئها حدود الكيان السياسي القائم، وقانون جديد للانتخاب يقوم على قاعدة: الكيان السياسي دائرة انتخابية واحدة، والتمثيل النسبي، والأحزاب قاعدة الترشح.

 5- تسهيل اشتراك المرأة في الحياة السياسية بتأمين مساواتها الكاملة بالرجل، على صعيد الحقوق والواجبات، لا سيما الحق في العمل، والحق في التعليم العالي، والحق في التملك، والحق في اختيار الشريك، والحق في العمل السياسي، والحق في الإنتقال بحرية.

6- تنظيم استخدام الثروات القومية، كالنفط والمياه، وإعادة توزيعها بشكل عادل، فلا تبقى حكراً على بعض الدول دون غيرها، فالأمة تمتلك ثروة نفطية كبيرة لم توظف، إلا لماماً، في مشاريع التنمية القومية أو حتى التنمية المحلية داخل كل دولة. كما أنها سلاح ثمين لم تستخدمه الأمة في جميع قضاياها الكبرى، خصوصاً في فلسطين، لأنها، عملياً، وقف على عائلات حاكمة أو أنظمة سياسية متسلطة تتصرّف بها تصرفاً كيفياً، دون أي اعتبار للمصلحة القومية العليا.  

ونظراً لكون النفط ثروة قومية عامة، فهو، إذاً، ملك قومي عام للمجتمع كله وليس لواضعي اليد على أرضه فقط، فأبناء البلاد، جميعهم، هم شركاء، قومياً، في هذه الثروة. ولذلك فإن عائداته هي، حكماً، عائدات قومية عامة يعود للشعب كله حق الانتفاع منها، لا للعراقيين أو الكويتيين أو الشاميين- أو بعض فئاتهم- وحدهم. وعليه، فإن المصلحة القومية العليا تقتضي إعادة تنظيم هذه الثروة وتوزيعها توزيعاً عادلاً بين الكيانات المالكة للنفط والمحرومة منه، على حدّ سواء.

إلى جانب النفط، هناك الثروة المائية. وهي أيضاً، ثروة قومية عامة، تنطبق عليها القاعدة نفسها، ويحكمها المنطق نفسه. فالأنهار في بلاد الشام والعراق، وما بينها من جداول وبحيرات، تشكل ثروة مائية هائلة، ولكنها غير مستغلة تماماً بسبب الهدر وسوء الاستخدام وانعدام التخطيط، فضلاً عن عمليات السطو التي تلحق بها جرّاء الاحتلالين: التركي في الشمال الغربي، والإيراني في الشمال الشرقي.

وعلى الرغم من وجود هذه الثروة المائية الكبيرة، فإن مساحات شاسعة من الأراضي الوطنية تصحّرت، ومساحات أخرى أقفرت وتعرّت تربتها وصارت شبه صحراء. فالبادية السورية التي تشكل نصف جغرافية البلاد تقريباً، تعرّضت، تاريخياً، للجفاف بعامل هجوم الصحراء من الجنوب - الشرقي والإقفار الاصطناعي بسبب الفتوحات البربرية وقطع الغابات والإهمال، ولكنها لا تزال صالحة للفلح والزرع واستعادة الخضرة بنهوض الثقافة والعمران من جديد. وإن وسائل الرّي من دجلة والفرات تفتح مجال إمكانيات زراعية عظيمة لهذه البقعة المقفرة. وإذا أمكن تحريج المناطق المحيطة بها تعدّل الإقليم، وارتفعت كثافة الرطوبة في الهواء، وزادت الأمطار.

لذلك، فإن التواصل مع الحكومات المعنية في بلاد الشام والعراق هو من أولويات عملنا لحملها على وضع الخطط والمشاريع الهادفة إلى الاستفادة القصوى من نهري دجلة والفرات وريّ البادية السورية-العراقية لاستعادة خضرتها وإسكان ملايين المواطنين فيها.

7- حثّ الحكومات القائمة على المضيّ قدماً في خطط إعادة تشجير البلاد التي أصبحت عارية أو شبه عارية نتيجة الإهمال والجفاف، وإيلاء البيئة الجغرافية والثروات الطبيعية ما تستحق من الرعاية والإهتمام وترشيد إستغلالها، وحماية المعالم الأثرية نظراً لقيمتها التاريخية والجمالية، وما تمثل من ثروة قومية ترمز إلى عظمة الأمة ومآثرها العلمية والفنية والعمرانية، على مرّ التاريخ.

8- تشجيع المؤرخين وعلماء الآثار وسائر الاختصاصيين والآكاديميين على مواصلة حفرياتهم في أديم الأرض القومية لاستنباش مكنوناتها والاستفادة منها في إعادة كتابة تاريخ البلاد التي غمطها المؤرخون الأجانب ومن جاراهم من المؤرخين التابعين لهم، الكثير من حقوقها ومنجزاتها التي غدت تراثاً إنسانياً عاماً.

 

في العمل المحلي داخل الكيانات السياسية

نظراً إلى أن الكيانات السياسية في بلاد الشام والعراق أصبحت أمراً واقعاً، بعد أكثر من نصف قرن على إنشائها، فإن بقاءها مرهون بإرادة أبنائها. ولذلك لن يألو المؤتمر القومي العام، في المرحلة المقبلة، جهداّ على معالجة الأسباب التي أدّت إلى نشوء هذه الكيانات وانعزالها على نفسها، حتى يمكن، تدريجياً، إزالة مبررات وجودها وتمهيد الطريق أمام الوحدة القومية التي تبقى جهودنا، من دون تحقيقها، غير مكتملة.

 وتم تحديد مهام العمل في كل كيان : مهام العمل في" الشام" ولبنان والاردن وفلسطين العراق والمغتربات .

 في خطط السياسة الخارجية

يندرج تحت هذا العنوان العريض ثلاث مسائل سياسية هي: الجبهة العربية الواحدة، و"الشراكة المتوسطية"، و"الشرعية الدولية".

في المسألة الأولى ترمي خطتنا إلى تجديد الفكر السياسي القومي بعد إفلاس إحدى مدارسه الكبرى: مدرسة الرومنسية العروبية التي تحكمت بالعمل السياسي العربي لأكثر من نصف قرن، وجرّت على الأمة وعالمها العربي سيلاً من الكوارث والمحن.

 إطاران يحدّدان هذه الخطة هما:

* الواقعية التي ترى أن العالم العربي، في واقعه، هو مجتمعات طبيعية متمايزة، لا مجتمع واحد متجانس.

* والتكاملية التي ترتقي بالعمل العربي، انطلاقاً من قاعدة المصالح المشتركة بين هذه المجتمعات، إلى مستوى الجبهة العربية الواحدة.

إن تحقيق هذه النظرة الجديدة إلى العالم العربي يتطلب إعادة النظر بـ"جامعة الدول العربية" بحيث يأتي تعديل ميثاقها وهيكليتها مطابقاً لهذه النظرة التي أثبتت التجارب الوحدوية العربية الفاشلة، واقعيتها وصوابيتها. وسيتمحور عملنا في هذه المسألة على إحداث التغيير المنشود في ميثاق الجامعة وبنيتها وآليات عملها.

2- في المسألة الثانية، ترمي خطتنا إلى إعادة النظر في الانتماء الثقافي لـ" بلاد الشام والعراق" والعالم العربي عموماً، فالعرب - والسوريون في مقدمهم - هم متوسطيون لا شرقيون كما شاع الاعتقاد إبان عصور الانحطاط، ويحملون في نفسياتهم خطط التمدّن الحديث الذين وضعوا هم قواعده الأولى. ولذلك يجب الإقلاع عن اعتبار أنفسهم - خطأ - شرقيين وتأكيد انتمائهم إلى المتوسط، ثقافة ومزاجاً ومدى حضارياً ضارباً في التاريخ. 

"الشراكة المتوسطية" هي الإطار الذي من خلاله تستطيع بلاد الشام والعراق وأقطار العالم العربي الأخرى التعبير عن انتمائها الثقافي المتوسطي، وتوقها الأكيد إلى إقامة أفضل العلاقات مع شريكتها: أوروبا. كما أن "جامعة الدول العربية" - بعد إعادة تنظيمها وفاقاً للنظرة الجديدة إلى العالم العربي- يمكن أن تكون أفضل ممثل للعرب في محاورة أوروبا المتحدة في "الاتحاد الأوروبي" والممثلة بـ"المفوضية الأوروبية العليا".

3- في المسألة الثالثة والأخيرة ترمي خطتنا إلى إعادة النظر في مفهوم " الشرعية الدولية" و" المجتمع الدولي" وطرح الثقة بـ"جمعية الأمم المتحدة"، وذلك بالدعوة إلى صياغة مشروعها من جديد، حتى تتحول، فعلياً، من جمعية أمم مستبدة - كما هي في واقعها، اليوم- الى جمعية أمم حقيقية. فهذه المنظمة الأممية لم تنشأ بإرادة عالمية في ظروف من تساوي الحقوق في ما بين أمم العالم. إنها، في حقيقتها، جمعية الأمم التي انتصرت مصالحها في الحرب العالمية الثانية ومن والاها. الأمر الذي يدعو دول العالم - وفي طليعتها دول العالم العربي- إلى التحرّك الجدّي لتصحيح هذا الخطأ التاريخي، حتى يستعيد العالم شيئاً من التوازن الذي افتقده.

 

في آليات العمل

تنقسم آليات العمل بحسب المستويات الآنفة الذكر: المستوى القومي العام، المستوى الكياني الخاص، والمستوى العربي والمتوسطي والدولي.

في المستوى الأول، نرى:

1- سلك طريق المؤتمرات المتخصصة وإرسال المذكرات والوفود إلى الحكومات المعنية.

2- التنسيق مع الأحزاب والمنظمات الشبابية والنقابية وجمعيات "المجتمع المدني".

  3- التركيز على الإعلام، على اختلاف أشكاله، للتعبير عن رأي منظمة المؤتمر القومي العام في الأوضاع الراهنة، قومياً وعربياً ودولياً.

في المستوى الثاني، تشدد الخطة على العمل القومي المباشر في أوساط الشعب، ومع الجهات المختصّة في إدارات الدول القائمة ومؤسساتها المعنية.

في المستوى الثالث، ترى الخطة وجوب التعاون مع الأحزاب والمنظمات الشعبية على مستوى العالم العربي بغرض تفعيل فكرة "الجبهة العربية الواحدة"، تلك الفكرة المرتكزة إلى قاعدتي الشراكة والتكامل بين المجتمعات العربية، ودفع تلك الأحزاب والمنظمات إلى تبنيها والعمل بموجبها. 

أما في مسألة "الشراكة المتوسطية" فالخطة ترمي إلى ضرورة اشتراك المؤتمر القومي العام في الأنشطة التي تنظمها الأندية والمؤتمرات المتوسطية بغرض عزل "الكيان الصهيوني" متوسطياً ودولياً، من جهة، والتأكيد على الهوية الثقافية المتوسطية للعالم العربي وأهمية العمل العربي
-  الأوروبي المشترك لكلا الطرفين، من جهة ثانية.

على "الصعيد الدولي" تذهب الخطة إلى وجوب تأييد المساعي الأممية الهادفة إلى تطوير "الأمم المتحدة" وإعادة النظر في ميثاقها وآلية عملها.

 

تلك، باختصار، الخطوط العامة لمهام العمل القومي في المرحلة المقبلة، أما التفاصيل التقنية المحكومة، دائماً، بالحالة او الوضع الراهن، فيترك المؤتمر أمر تدبّرها للمسؤولين المباشرين في منظمة المؤتمر، فهم - بحكم مسؤولياتهم وتماسهم المباشر بالواقع القائم- أكثر معرفة باستنباط الآليات المناسبة للوضع المناسب.