العدد الثالث والاربعون - تموز

في ما يتعدى المشهد الإيراني الراهن:

هل هي إسلامية ما بعد الحداثة؟
السبت 18 تموز (يوليو) 2009.
 

 لم ينحصر الحراك في ايران بما ولَّده الحادث الرئاسي من جدل سياسي آخذٍ في الإمتداد. ففي داخل هذا الحادث تظهر منطقة من الأسئلة تتعدى الكلام على السياسات وصراعات السلطة. وهو ما يمكن تبيِّنه حين يتخذ السجال بين جناحي المحافظة والاصلاح سياقاً يتصل بما هو أعمق مما يدور على سطوح الاحتدام الراهن. وثمة من يذهب الى أن لحراك السياسة والاقتصاد والاجتماع، والثقافة، ركائز تنتمي الى اشكالية تاريخية ومعرفية ترتبط بسؤال الاسلام وما بعد الحداثة. وبما اذا كان حضور الدين، على نحو ما هو حاصل في ايران، يعيق او يطلق حركية التواصل بين المنظومة الدينية ومسارات التحديث.

 في هذه المقالة سعي الى تجاوز كثافة المشهد الذي تفترضه الأحداث السياسية الأخيرة، لنمضي باتجاه مقاربة‌ أصل الإشكال، وهو المتعلق بالإسلام الإيراني والمسارات المعقدة لحركة ما بعد الحداثة.

لا ينفك السؤال على ثنائية الأصولية والحداثة في التجارب الإسلامية المعاصرة حاضراً بأشكال مختلفة. سوى أن ما ترفعه زحمة النقاش المتأخر يتعدى الأحكام المألوفة. فهو سؤال يمكث في منطقة الإشتباك المعرفي بين المفهومين، الى درجة سيؤدي التداخل، والتوازي، والشبهة، الى جعل الفصل بينهما امراً متعذراً. وهذا لو دلّ على أمر، فعلى أن اتجاهات معينة في الأصولية الدينية لم تعد ترى بالضرورة الى الحداثة وما بعدها كمنكر ايديولوجي عصيّ على القبول.

في حالات معينة، كالحالة الإيرانية مثلاً سنجد أن الأصولية نزعت الى التكيّف مع المنجز الحداثي العالمي سواء في قدرتها على توطين العلوم والتكنولوجيات المتقدمة، أو في سعيها نحو انتاج أفكار ومفاهيم موازية لمعطيات الحداثة مثل العقد الإجتماعي والسياسي، وقضايا الديمقراطية، وأنظمة تداول الحكم، والفصل بين السلطات.

قد يكون تسييل الجدل النظري حول الأصولية والحداثة في ايران مهماً كمادة نقاش. وثمة من يذهب الى ان استعادة الكلام على الحداثة وما بعدها استناداً الى التجربة الإيرانية بعد نحو ثلث قرن على ثورة الإمام الخميني، لا يفارق دائرة الإشكال. بل انه يضع مثل هذه الإستعادة كقضية محورية بامتياز.

غير أنّ هذه القضية لا تُحمل ولدواعٍ شتى على محمل المعاينة الواقعية للتجربة الدينية السياسية. وذلك يعود الى استشراء داء التسييس، وغلبة أحكام القيمة على بيئات ثقافية، وفكرية واسعة في منطقتنا. فسيكون حاصل الأمر هو ما نجده اليوم. حيث بات المعيار المذهبي والعرقي في رأس المعايير الناظمة لحركة التحولات الجيو- ستراتيجية في شبه القارة العربية الإسلامية. لكن لو عدنا الى أصل الإشكال لطرحنا السؤال التالي: هل ثمة مجال الى قول الممكن حول ايران واسلام ما بعد الحداثة؟ وتالياً، كيف رأى الغرب ولا يزال يرى الى مثل هذا السؤال؟

في خريف عام 1978، سافر الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشيل فوكو الى ايران لمصلحة صحيفة "كورير ديلا سيرا" وكتب يومها عن المظاهرات الشعبية المتزايدة ضد نظام محمد رضا بهلوي. لم يكن فوكو المعروف بتحليلاته عن الجنون والمستشفيات والسجون يعرف الا القليل - بإعترافاته هو - عن التاريخ الفارسي أو الإسلامي. كما أنّه لم يعمل كصحفي أو كمحقَّق للأحداث من قبل. إلا أنّه أجاب بعد أن سئل عن سبب سفره بالعبارة التالية :"لابدَّ أن نتواجد حينما تولد الأفكار".

وفي تلك الفترة كانت ايران تكتظ بالإحتمالات الكبرى. ملايين المتظاهرين ملئوا الشوارع والساحات، كأنّما جمعت بين قلوبهم كراهيتهم للشاه ، وإعجابهم بآية الله الخميني. يذكر فوكو أنّه رأى شكلاً جديداً من أشكال " الروحانية السياسية"، فكتب بإعجاب عن كيفية تحريك "آية الله العظمى شعباً بكامله ليخرج إلى الشارع " تعبيراً عن إرادة شعبية واحدة. كما كشف عن انّه شاهد أول تمرد كبير ضد النظم العالمية، واصفاً إياه إنه أكثر أشكال التمرد حداثة وجنوناً. ولقد استطاع فوكو أن يدرك أيضاً كيف استخدم المسلمون في ظل غياب أي سياسة ديمقراطية، مفاهيم الفداء والشهادة، لمقاومة الحكام المستبدين والفاسدين الذين حصلوا على الشرعية في الغرب باعتبارهم من دعاة التحديث والعلمانية. ثمّ أن يصل إلى نتيجة مؤداها، أنّه من غير المحتمل أن تقتصر هذه المقاومة الإسلامية على ايران.

في تلك اللحظة أخذت الأنتلجنسيا الغربية بأسئلة لم تعهدها في أي بلد إسلامي آخر منذ انهيار الخلافة العثمانية. كان هاجس الكثيرين من المثقفين والأكاديميين والفلاسفة مركزاً في ما يُحتمل ان تفضي إليه تلك "الجيولوجيا الدينية" من تحولات تتجاوز الهضبة الإيرانية. كان ثمة شبه إجماع ان تؤدي ردة فعل الغرب السالبة على الحادث الإيراني الثوري، إلى المزيد من تحويل الجمهور إلى الإسلام السياسي .وهذا ما دفع فوكو لكي يرى أن "الإسلام ليس مجرد دين بل هو أسلوب حياة متكامل، وولاء لتاريخ وحضارة. وأن اسلاماً له مثل هذه الدينامية يحتمل أن يتحول إلى برميل هائل من البارود بالنسبة الى مئات الملايين من البشر."

هذه القراءة لأحد ابرز فلاسفة الغرب في القرن العشرين، لم تكن مجرد توصيف لمشهد عارض ظهرت إرهاصاته على بساط جغرافيا إسلامية مشحونة بالأزمات. إنّما هي تفصح عن واحد من أبرز مستويات اشتغال عقل الغرب على رؤية حراك الإسلام وإسهامه في تشكيل نظام القيم العالمي.

في ايران اليوم يشهد ميدان تحريك سؤال التحديث السياسي على سبيل المثال، نقاشاً واسعاً حول ما يسميه المفكرون هناك بـ"الديمقراطية الدينية". ومنهم من يذهب إلى التساؤل عن الكيفية التي استطاع المشروع الإيراني الاسلامي من خلالها، التأثير في منطق النظام الدولي الآحادي، ووضع التحدّيات أمام الفلسفة السياسية الغربية ونموذجها المهيمن.

في هذا المجال يقول كثيرون من المثقفين الإيرانيين ان فكرة "الديمقراطية الدينية" ، أو ما يصطلح عليها بـ"الديمقراطية الإسلامية" "ومسألة التوفيق بين" الجمهورية" و"الإسلامية" شكلتا معاً مشروعاً جديداً يساهم في خلط الأوراق ضمن دائرة التصنيف التقليدي المتبّع في عالم الفلسفة السياسية.

الجانب المهمّ في قراءة الفلسفة السياسية المعاصرة للمشروع الإسلامي الذي طرحه الإمام الخميني، هو ما شكل عموماً ابرز اهتمامات "الأطروحة الما بعد حداثية"، أي التي تقضي بالعمل على تفكيك مفهوم المشروعية من خلال تقسيم حق الحاكمية إلى قسمين: مساوٍ وغير مساوٍ بين الله والشعب. بعبارة أخرى، تقضي رؤية ما بعد الحداثة بالحؤول دون وضع مفهومي "الجمهورية" و"الإسلامية" "في موازاة بعضهما، حتى لا يتم اللجوء إلى عقد نوع من المصالحة الإضطرارية والبراغماتية او الواقعية بينهما. في مقابل ذلك ينبغي اعتبار أن حق الشعب هو فرع منبثق عن حق الله، وأن الجمهورية قالب وإطار لإعمال حاكمية الله وتنجيزها. وهكذا يجري التنظير الفكري لهذا المفهوم على نحو لا يمكن معه تفريغ مفهومي الجمهورية والديمقراطية من مضامينهما وأهدافهما الإسلامية، أو فصلهما عن المشروعية الدينية. يُساق هذا التسويغ المعرفي من جانب عدد من المفكرين الإيرانيين بداعي العثور على منطقة اعتدال وتطابق بين الجمهورية، والديمقراطية، والبعد الديني الإسلامي العام، وايضاً حتى لا يصار الى تصوير الأمر وكأنّ ثمّة مواجهة بين هذين المفهومين وبين الدين. في هذا المجال يقول أحد أبرز هذه التنظيرات:":إننا إذا وضعنا حاكمية الشعب في ترتيب عمودي بعد حاكمية الله، ففي هذه الحالة سنقف على مزايا الديمقراطية والثيوقراطية في أن معاً. ثمّ لنقوم في نهاية المطاف بتداركها وتجنّبها، من دون أن نُستدرج إلى خلق تركيب إصطناعي هجين من الديمقراطية والثيوقراطية"...

والحاصل عموماً أنّ الديمقراطية الإسلامية، بحسب هذا التنظير، تنطوي على المزايا الإيجابية التي تحملها الديمقراطية كمفهوم، من دون أن تُبتلى بالأمراض التي ابتُلِيَت بها الديمقراطية الغربية، وهذه المزايا هي: حقّ الإنتخاب للشعب، الرقابة على الحكّام، الأخذ في الإعتبار رضا العامة، القبول بمبدأ الإنتقال السلمي غير العنيف للسلطة، مضافاً الى هذا كله اعتبار الأخلاقية الدينية هي الوعاء الذي يؤطِّر ويسدّد المزايا كلها.

صحيح انّ هناك من لا ينفك ينظر إلى التجربة الإيرانية بوصف كونها تنتمي إلى الوجه السلبي للظاهرة الأصولية الإسلامية المعاصرة. لكن كثيرين من المفكرين الغربيين المعاصرين لا يرى إلى أصولية العالم الإسلامي، والتي تندرج الثورة ودولة الثورة في ايران في طليعتها، على أنّها مجرد تقليد موروث من الماضي، وإنّما إلى كونها تنتمي بحيثيةٍ ما الى "ما بعد الحداثة" كما يقول المفكر الإنكليزي كورتز. ذلك أنّ هذه الأصولية هي التعبير الجليِّ عن رد الفعل الإيديولوجي الحتمي على إخفاق عمليات التحديث الغربية.

ثمة في الغرب اليوم من يخشى مفاعيل ما يذهب إليه التوظيف الأيديولوجي النيو_ليبرالي الذي يحكم على الإسلام السياسي بأصنافه المختلفة "الأصولي، والسلفي، والإعتدالي"، بأنّه إسلام معادٍ للحداثة، والعصر، والمستقبل.

ولكن حين يجري النقاش داخل مراكز الأبحاث والمستقبليات في أميركا وأوروبا، غالباً ما يُقال إنّه لا يجوز فهم الأشكال الراهنة للأصولية الإسلامية على أنّها نوع من العودة إلى صيغ وقيم إجتماعية غابرة، حتى من منظور الممارسين، أي من الأصوليين أنفسهم. ولا يتأخر نقادٌ كثر من العاملين في حقل إنتاج الأفكار في الغرب عن نقد وسائل الإعلام التي تخطئ حين تجعل من عبارة "الأصولية" "مادة تختزل مختلف التشكيلات الإجتماعية المنضوية تحت ذلك الإسم. بينما هي في الواقع تشير حصراً إلى الأصولية الإسلامية، التي يجري اختزال وجودها، إلى تعصّب ديني إرهابي متشدد لا يعرف معنى التسامح. لكن المسألة لا تتوقف على إجراءات وتوظيفات الإعلام التي هي أداة تعبير لسلطة القرار الأيديولوجي والإستراتيجي في الغرب. فهذه السلطة تواصل إنتاج مناخات ثقافية ترى إلى كل ظاهرة إسلامية ممانعة أيّاً كانت خلفياتها، وممارستها، ومواقعها، بوصفها تجسيداً لمعاداة الحداثة. وهو ما يتبين من التنظيرات المضادة للحالة الإسلامية الإيرانية بوصفها قوة ساعية الى قلب مسار عملية التحديث الإجتماعي رأساً على عقب. أو بما هي قوة ارجاعية تعمل على تحقيق الإنفصال عن تيارات الحداثة العالمية المتدفقة، وعلى إعادة تركيب عالم ينتمي إلى زمن ما قبل الحداثة. ومن هذا المنظور بالذات تنظر الإيديو- ستراتيجيا الحاكمة في الغرب إلى الثورة والدولة في ايران على أنها ثورة مضادة تبعث الروح في النظام القديم.

على الضفة المقابلة من هذا التوصيف السلبي لما يمكن تسميته بـ"إسلام الميدان"، ثمة في الغرب من يعاين الصورة بطريقة مغايرة. وتبلغ هذه المعاينة مستوى من الفهم يصبح من غير الممكن النظر الى مشروع الأصوليات، بوصفه مشروعاً ينتمي إلى ما قبل الحداثة، وإنّما بإعتباره مشروعاً عائداً الى ما بعد الحداثة. ذاك أنّه لا بد من رؤية "ما بعد حداثية الأصولية" بالدرجة الأولى، من خلال رفضها للحداثة. وفي كون هذا الرفض مخصوص بالهيمنة اليورو- أميركية. ولقد اعتدنا ان نجد في سياق التقاليد الإسلامية كيف انّ الحداثة بالنسبة إلى الحركات الإسلامية التقليدية، تعني ذوباناً مبالغاً به في البوتقة اليورو- أميركية أو خضوعاً كاملاً لها. لكن المثل الإيراني سيتخذ لنفسه سيْريّات تتجاوز هذا السياق. وهو ما نلاحظه من خلال الحراك الإجمالي للمشهد الثقافي والفكري والتنموي على امتداد تطورات "الزواج المتصل" بين الثورة والمجتمع والدولة.

ثمة من يقرر في الغرب في سياق هذه القراءة التأويلية، أنّه إذا كانت الحداثة تعني السعي لإكتساب تعليم الغرب وتكنولوجيته في خلال الإندفاعة الأولى من مرحلة ما بعد "الإستعمار التقليدي"، فإن من شأن ما بعد الحداثة أن يعني عودة إلى القيم الإسلامية التقليدية ورفضاً للحداثة.

من المؤكد بالطبع وجود شرائح قوية من المسلمين كانت "معادية للغرب" بمعنى من المعاني منذ بدايات الإستعمار، غير أن ما هو جديد في صحوة التأصيل التي أطلقتها الحالة الإيرانية، لم يكن في الحقيقة إلا ظهور قوى جديدة انبثقت هذه المرة من شروط اشتغال النظام الإمبراطوري الجديد. وتبعاً لهذا المنظور يمكن اعتبار الثورة الإيرانية، وبمقدار ما - كما يقول ناقدو ليبرالية ما بعد الحداثة - انها أولى ثورات ما بعد الحداثة، التي تحصل في خلال الشطر الأخير من القرن العشرين.

في تداعيات المشهد الجاري نرى مثلاً كيف تتبيّن النخب الإيرانية على مختلف إجتهاداتها الفكرية والإيديولوجية والسياسية واقع أن العالم اليورو- أميركي يتعامل مع المنجز النووي لبلادها بوصف كونه مضارعاً حضارياً بإمتياز. حيث ينطلق هذا العالم إلى ما يتعدى الإطار التقليدي في أسلوب مواجهة مع دولة ذات طموح سيادي من دول العالم الثالث. وهناك من يقول إنّه ينطلق من ثابتة إستراتيجية عليا تسعى لإحباط إحتمال حضاري اسلامي قد يسهم في تعديل وتبديل صورة التقسيم الحضاري العالمي، الذي أرست الحداثة الغربية الإستعمارية قواعده منذ أواخر القرن التاسع عشر.

وفي المجال النووي على وجه خاص، يدرك الغرب مثلما تدرك إيران أن تطور هذا النوع من التكنولوجيا، وتمركزها في مجال اليورو- أميركي أدى إلى تقييد سيادة أكثرية بلدان العالم، بمقدار ما أفضى إلى حرمانها من إتخاذ قرارات الحرب والسلم. وهذه على ما تبيّنَ الفلسفة السياسية الكلاسيكية، هي بالضبط عناصر التحديد الكلاسيكي لمعنى السيادة. أضف الى ذلك، أن وضعية التهديد النهائي متمثِّلاً بالقنبلة التي امتلكتها امبراطوريات الغرب أدت إلى إختزال جميع الحروب، وحوّلتها إلى منازعات محدودة أو مضبوطة بإحكام، تبعاً لمصالحها، أو إلى حروب أهلية وعرقية مفتوحة.

أسئلة الحداثة في ايران تبدو هذه الأيام، على خط تماس شديد الإحتدام مع حداثة الغرب بصيغتها المعولمة، بينما يبقى السؤال حاضراً بقوّة حول المآل المنظور الذي سيسفر عنه ذلك الإحتدام.

 

محمود حيدر

باحث في الفكر السياسي

رئيس تحرير "مدارات غربية"