العدد الثالث والاربعون - تموز

بسام حجار : ليس في قبر بارد، إنه النار المشتعلة المتمردة

السبت 18 تموز (يوليو) 2009.
 

بسام حجار شاعر لبناني رحل منذ فترة قصيرة. في خلال مسيرته الشعرية كتب حياة الآخرين، وكتب الآخرون حياته. له اكثر من 13 مجموعة شعرية ، وكتابات في عدة صحف لبنانية، كما كان عضوا في هيئة تحرير مجلة "تحولات" في أعدادها الأولى. في هذا العدد من "تحولات" ننشر كلمة للأب الدكتور ميشال سبع، يضيء فيها على أهمية الراحل وقيمة وجوده الانسانية والأدبية بكلمات جريئة.

 

كلنا يولد من قبر دافىء، هو رحم امهاتنا. القبر البارد لا يلد حياة، البيضة ان لم يحتضنها دفء الحنان لا تلد فرخاً. ودودة القز التي تشرنق قبراً من جسمها تعززه بالدفء من اجل ان تنطلق حياتها الحرية. لذا، المسيحية لا تعترف بالقبر البارد ولا تكرمه، بل ترفضه كقيمة. والمسيح لم يطق قبراً حجرياً بارداً فقام بتحطيمه منتصراً على الموت فيه وكذا فعل مع آخرين، فلم يدع ابن الارملة يصل اليه ولم يدع العازر فيه طويلاً فأخرجه. الله في ايماننا لا يسكن الامكنة الباردة لأنه هو معطي الحياة وهو الحياة، فهو الدفء لدرجة الاشتعال. ولطالما كانت صوره القديمة راكباً على مركبة نارية أو حاضراً في عليقة مشتعلة. لذا فهو لا يسكن كنائس فارغة ولا جوامع فارغة ولا هياكل فارغة. الله لا يسكن مساكن الحجر بل قلوب البشر، لذا فهو في الكنيسة والجامع ما دام هناك مؤمنون يجتمعون. وكلما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه، يكون فيما بينهم. فنحن لا نقدس الاماكن بل نقدس ساكنيها، ونحن لا نموت من اجل ارض بل من اجل شعب.

 بسام حبيبنا الذي عايش التهميش الذي يعيشه الفلسطينيون قرب بيته، وعايش فقراء الصيادين في احواض صيدا، وقرأ عن ثوار اميركا اللاتينية، آمن بالله الثائر فيهم، الله الحي المتمرد على ظلم الناس وعلى رئاسات الناس. عشق غيفارا الذي كان قريباً من الله فاضطهدته الكنيسة المؤسسة لأنه تجاوزها ووصل إلى الله من دون المرور فيها، ومن دون الخضوع لبيروقراطيتها وتفتيشها وجماركها. وعايش الأمل في ثورة لينين في ان تصبح الشعوب سيدة نفسها، وفي ذات الوقت لم يجد ان للبؤس ديناً ولا طائفة، فكان اصدقاؤه كما هي حال صيدا، لا فوارق دينية بينهم. وعندما كان يلتقي بهم في حلقات الأب سليم غزال في دار العناية وفي دار المطرانية، لم يكن سؤال الطائفية مطروحاً، لذا لم يكن يوماً هذا الموضوع يشكل مشكلة لا عند بسام ولا عند غسان ولا عند وسام ولا عند ماري ولا عند أي اخت له في عائلة الحجار وسواهم .

 ولطالما كان على مائدتها عناوين التعايش المسيحي الاسلامي من الأب لطفي لحام الذي صار اليوم بطريركاًـ والذي تأثر وعزى وجورج كويتر الذي صار مطراناً على صيدا لفترة حساسة، وسليم غزال الذي نسج كنيسة الناس من قلوب الشبيبة، وانا الذي كان البيت بيت أهلي الرديف .

 كما لم يطق تمرد بسام، ان يكون أسير اللغة العربية، فراح يعب من المركز الثقافي الفرنسي ثقافة الغرب ووقف باكراً موقفاً نقدياً من الثقافة البرجوازية التي كانت تقدمها مدارسنا المسيحية، وانحاز إلى الشعر لأنه المساحة المتمردة في عالم اللغة.

 وعندما امتلك ناصية الادب، رفض البازل اللغوي لتجميع الحروف وسبكها في شعر المناسبات والتمجيد والتبخير. اختار الكلمة ولم يختر الحرف، لأن الكلمة تجسد المشاعر والوجدان وهذا لا يتناقض مع ايمانه المسيحي بل يتآلف معه. فالحرف يقتل اما الكلمة فتحيي، والكلمة صارت جسداً وحلّ فينا. ان تمرد بسام على قواعد اصول البيان لم يجعله يرفض الآخرين. وكما في رفضه هيمنة المؤسسة الدينية، لم يجعله يرفض وجود الآخرين فيها. لذا لم يكن ليهتم اذا ما اتى اهله به صغيراً مقمطاً كي يعمدوه في الكنيسة، ولم يكن ليهتم اذا ما اخذوه مكفناً ليصلوا عليه في جامع. كان همه هو ان يكون الآخرون فرحين، يعيشون على ما هم عليه. كان مخلصاً مع ذاته فلم يكذب ولم يخادع حتى في ارتباطاته العائلية. فما لم يتمكن من التواصل فيه انفصل دون خصام، وعندما ارتبط من جديد كان الاحترام متبادلاً مع رفيقة دربه التي احترمت فيه انطوائيته الاخيرة التي كان يشرنق نفسه فيها، ويبني من جسمه قبراً حطمه لينطلق حراً في سماء الالوهة. فلزوجته نجلا ولاولاده مروى وبسام ومنار ان يفخروا به.

 إني لارى بعين الايمان اله السماوات فاتحاً ذراعيه لاستقباله ويقول له: بسام اشتقتلك، اعذرني ان اخذتك باكراً من بين احبائك لكنني لم اعد اطيق السكون. اريدك متمرداً معي، وتضمك دلال بدلال فقد عاد اليها اخوها الحبيب بعد طول غياب.

 بسام ليس في قبر بارد، إنه النار المشتعلة المتمردة، إنه شاعر والشعراء لا يموتون ولا يطيقون القبور، لأنهم لا يعرفون البرودة. لطالما حدثونا عن الجحيم الناري وكأنهم اخطأوا. فالجحيم هو البرودة، والنار أقرب إلى الدفء، أقرب إلى ان تكون بوابة الدار لسكن الله .

 غاب بسام كما تغيب الزهرة من على غصنها ليسرقها عاشق يقدمها لحبيبته. هكذا سرقته الشمس لأنه من طينتها، هكذا سرقته البراكين لأنه من تكوينها، هكذا سرقته النار الخالدة لان جبل الاولمب يحتاج دوماً إلى شعلة متقدة.

 لكن اريج الزهرة باقٍ، واشعة الشمس دائمة في بلادنا، والشعلة الخالدة عنوان المنتصرين الخالدين على الفناء الآني.

 والكناري إن سكت، فالرجل الذي يملكه لا يمكنه الا ان يتبع ظله، وما هم الخلود من تمتمات الزمان.

 

 

**ننشر أجزاء من قصيدة للشاعر الراحل بسام حجار مع الاشارة الى أن هذه القصيدة كانت قد نشرت في أول عدد من مجلة تحولات في العام 1982 وكان الراحل من أعضاء هيئة التحرير آنذاك.

 

 

 

الراوي


طبعاً
لست أنا الراوي
ولست الذئب
ولست باب الحديقة
لا أعرف، قبل الخاتمة،
كيف تموتون
بخيبة من يفوته
قطار الواحدة
وينتظر
قطار الواحدة والنصف

طبعاً
لست أنا من ينتظر
لأنني لم أكتب حتى رسالة
لتصلني بعد عام
فافرح بها
لأنني انتظرت
ولأنني لم أعد خائباً
هذه المرة،
ولأن الوقت يمضي
ولست أنا من يصنع العقارب
ويسك ميناء الساعة
لأعرف كم الوقت يمضي
وكما لا وقت عندي
لأرمي ما تبقى
من النافذة
او تحت الطاولة
فلا ينتبه الكلاب
والباعة
والتلاميذ.

طبعاً
لست أنا الراوي
ولست من ينسج
خيطاً لعناكب روحي
في الظلام،

لأروي
كمن يخاف ان يرى
لارى
كمن يخاف ان يروي،

لأعرف
كيف أوقظ أرواحكم
الصامتة
واجعل من ضحكاتكم
متحفاً
للأصداء البعيدة،

لأروي
كلاماً يشبه ما يروى
في النوم
افكاراً تشبه ما تحلم
به الأفكار

ولست انا الراوي
لأعرف كيف اشبهكم
في نومكم
وحين تستيقظون

حين تنبشون رأسي
وتقولون: ما أقبح
هذه المزهرية،
حين تنبشون يدي
وتقولون: ما أجمل
هذا الشمعدان
حين تنبشون جثتي
وتقولون: هذا هو الراوي

ولكن
لست أنا الراوي
ولست أعرف
الآن
ماذا
يجدي
هذا الكلام