العدد الثالث والاربعون - تموز

الفن الكنسي في زمن الانحطاط الروحي والقيَمي والمادي

اميل العكرا
السبت 18 تموز (يوليو) 2009.
 

عقدت في معهد الفنون الجميلة في جامعة الروح القدس - الكسليك طاولة مستديرة ناقشت الفن المقدس تحت عنوان "في أسباب انحطاط الفن الكنسي". وكان للمعمار والأستاذ الجامعي اميل العكرا محاضرة قيمة قدم فيها قراءته لوضع الإنسان المعاصر والانحطاط الروحي والقيمي الذي تعانيه الانسانية. وفي ما يلي نص المداخلة.

 

 

 على الرغم من التقدّم العلمي الكبير، يعزو البعض اليه ما تعانيه الإنسانية اليوم من أزمة مصير تصل عند البعض المدرك إلى أزمة وجود. وتروح النخب الحاكمة في مجتمعات الأرض، وبخاصة المدركة منها، تجهد نفسها في البحث عن العلاجات، بينما تتلهّى الغبيّة منها والجاهلة، بألاعيب الموت القاتلة، رافعة شعارات قيمية هامة، معتقدة أنها تدافع عنها لنفسها، بينما هي تنفّذ دون أن تدري، فصولاً مأساوية من مسرحيات الحياة، حشرها فيها منتجون أقوياء ومخرجون أذكياء. وفي خضمّ البحث عن العلاجات، يطغى المحور المادي في البحث في صنويه: المحور القِيمي و المحور الروحي، فيتوغّل الباحثون في بحثهم، ويستقتل المنفّذون بالتنفيذ وتصبح النتيجة اليوم أنّ دَخل الخمس الأول و الأغنى من سكّان العالم يبلغ 82.7% من دَخل العالم، بينما يبلغ دَخل الخمس الثاني 11.7%، و دَخل الخمس الثالث 2.3%، و الرابع 1.9% و يبقى للخمس الأخير والأفقر 1.4% من هذا الدَخل. و هذا يعني أن خمس سكّان الأرض متخم، و خمسًا منه يقتات بما يكفي حتى يبقى على قيد الحياة، و الثلاثة أخماس الباقية على شفير الموت جوعًا. وبسبب غياب المرجعيات الصالحة للحكم سلبًا أو إيجابًا على تجارب المجتمعات ونتائجها، ونتيجة فقدان الضوابط الرادعة والمحفّزة في آن، تتمادى البشرية اليوم في السقوط في حالة اللاوعي مقدّمة للانهيار الكبير المتوقّع حوالي منتصف القرن القادم، إذا لم يعد القادرون إلى صوابهم و يتخذوا القرارات الصائبة و يفعلوا ما يلزم، أو إذا لم تتدخّل العناية وتجترح أعجوبة خلاص الأرض ومن عليها مرّة أخرى. و مَن يلقي نظرة عامة على أوضاع المؤسسات المعنية بالأبعاد القِيَمية والروحية للناس وتطويرها، يلاحظ حالا مزرية من الترهّل ، من أسبابها الظاهرة، كما يقول القيّمون عليها، صعوبة المعركة مع قوى الظلام والشرّ السائدة، ومرحلية انتصار الشرّ على الخير ، إلى ما هنالك من الأعذار التي أصبحت من زمن آخر.

 أمّا في المحور القِيَمي، فإننا نلاحظ انحطاطًا متعاظمًا يضرب المؤسسات الناشئة أصلاً لمهمّة حماية القِيَم و تطويرها والسهر على ممارستها. فلنأخذ مثلاً مؤسسات ثلاث هي العائلة والجامعة والأمم المتّحدة. نجد أنّ الأولى بدأت تتآكل، وبخاصةً في دول ومجتمعات المسيحيين، إذ تفكّكت الحياة المشتركة وكَثُر الطلاق وقلّ الزواج وانتشرت ظاهرة الأمهات العازبات، فضعفَت الروابط العائلية ووصلت في بعض المجتمعات إلى حال انهيار كامل مخلّفة ضياعًا كبيرًا في أهمّ مرتكز للتجمّع البشري، ومتلفة أحد أهمّ عوامل التواصل في الحضارة، أعني به الذاكرة الشفهية الناتجة عن الحياة العائلية القائمة على تساكن الأجيال الثلاث: الأجداد والآباء والبنون. أمّا الجامعة، وهي مؤسسة نشأت في مجتمعات ودول المسيحيين و لا تزال تشكّل عصبا أسياسيا في حياتهم العامة، فقد شذّت عن أحد أدوارها الأساسية. فهي لا تزال حاضنة العلم والعلماء والمحرّك الأساسي لتطور المعرفة العلمية المنظّمة، لكنّها فقدت أخلاقيتها فشذّت وساعدت في قيادة المجتمعات إلى الشذوذ. ذلك أن المعرفة العلمية فيها أصبحت هدفًا وحيدا بغضّ النظر عن ما لها من تأثير على حياة الناس في مرحلة معيّنة من تاريخهم، بل باتت تتصرف مرّات عكس ذلك تمامًا، إذ تستعمل الناس حقل تجارب لنظريّاتها مدّعية العمل لخيرهم. ومن جهة أخرى تعصّب العلم في الجامعة فأصبح عنصريًا أو وطنيًا أو قوميًا أو دينيًا أو طائفيًا ما أفقد الجامعة إنسانيتها و شمولها، فتوقف تبادل المعرفة وسُخِّرَت هي الأخرى لمقولات العظمة الوطنية والأمن القومي والصراع مع شرّ موجود في الآخر، أيًا كان هذا الآخر، على أساس أنّ الخير موجود فينا دائمًا والشرّ موجود في الآخر غالبًا. أمّا المثل الثالث المذكور في هذا المجال، أي الأمم المتّحدة وهي مؤسسة عالمية نشأت أيضًا بسعي وهيمنة مجتمعات ودول المسيحيين، فانحطاطها لا لُبس فيه، إذ إننا نحن كلبنانيين من أمة عانت الأمرّين من التصرّف المعيب لهذا المرجع العالمي الذي يكيّل بمكيالين بما له علاقة بحقوق الأمم وواجباتها، وذلك بحسب قوة و نفوذ أصحاب العلاقة. فيبرّر احتلال أراضي الشعوب وتدمير إمكانياتها لصالح الأقوى والأفعل، ويغطّي الظلم والقهر متلاعبًا بالقِيَم وبالحقوق تلاعبه بالكلمات التي يصيغ بها قراراته. فالقِيَم في العالم انقلبت، و أصبحت المادية منها تحظى بالأولوية، وتهون في سبيل تعميمها كلّ السبل، بما فيها تسخير القِيَم الأخلاقية والروحية لهذا الغرض. و يأتي دور مجتمعات و دول المسيحيين في هذا المجال في الطليعة إذ أنها الأقوى في العالم، والأفعل والأعلم ولذلك، هي تمارس ما ذكرنا من دون خوف من محاسب ومن دون رقيب. فتقوم مؤسساتها الأخلاقية من خلال إعلامها القوي المسيطر بالترويج وفرض منظوماتها القِيَمية على بقية مجتمعات ودول العالم مهدّدة إيّاها بقطع الغذاء والحاجات الأساسية عنها في حال لم تستجب، وصولاً إلى استصدار قرارات بالحرب على بعض هذه الدول في حال برهنت هذه الأخيرة على حيوية ملفتة ووصلت إلى قوة نسبية تسمح لها بالتفكير في استعادة ما سلبتها إيّاه أو فكّكته عنها تلك المجتمعات القوية الظالمة في أوقات سابقة.

و قبل الانتقال إلى الكلام عن المحور الروحي وحالتنا الروحية بما لها علاقة به، يتراءى للمهتمّين بشؤون الناس وبحياتهم على كوكبنا، بغضّ النظر عن لونهم وعرقهم ودينهم وانتمائهم، أن المشكلة أصبحت شاملة و حلّها هو مسؤولية تشمل أهل الأرض جميعًا و هي تختصر بانهيارات ثلاث: الأول هو بين المجتمعات والدول المتقدّمة من جهة والمجتمعات والدول المتخلّفة من جهة أخرى،  ويعبّر عنها مرّات بالتفاوت بين الشمال والجنوب، و الثاني بين الأغنياء والفقراء في المجتمع والدولة الواحدة، والثالث بين البشر والطبيعة.

 أمّا في ما يتعلّق بالمحور الروحي، فمدى الأضرار التي لحقت بالبشرية في إطاره يفوق بكثير ما ذكرنا بالنسبة للمحورين الأولين، مع الاشارة إلى أن إدراك هذه الأضرار ومعاينتها ليس بنفس السهولة نظرًا لوعورة الموضوع ونظرًا لإغفال أهمّية البعد الروحي في سير الحياة. فهذا البعد يتناول الأسئلة الأساسية في الكون، وهي الأسئلة التي تعطي معنىً للحياة فردية كانت أم جماعية . وهي الأسئلة التي شكّلت منذ البدء وتشكّل الآن وستشكّل حتى الأزل المحرّك الأساسي والمفعّل اللاواعي لنشاط الإنسان على هذه الأرض، متناولة وجوده بأبعاده الكلّية. إنها الأسئلة التي لا تحصى والتي تنبع من أمّهات ثلاث هي: من أين نحن قادمون؟ ولماذا نفعل ما نفعل؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ إنها الأسئلة التي لا أجوبة دامغة عليها حتى الآن، و هي الأساسية وستبقى هكذا لأنّ لا أجوبة علمية واحدة لها تقنع الإنسان بكلّيته في أي مكان وزمان. لكنّها الأساسية أيضًا لأنّ الأجوبة التي قدّمها الإنسان عليها في أزمنة وأمكنة مختلفة تختلف عن بعضها اختلاف الناس وأزمنتهم وأمكنتهم، ولكنّها تتّفق جميعها على معطى أوحد هو الإيمان. فالإيمان هو المعطى الوحيد الذي بإمكانه تعويض الإنسان، أينما كان وحيثما وجِد، عن اليقين العلمي. وهو الذي يمنح الإنسان السلام والثقة الضروريين لممارسة وجوده والانطلاق في الحياة نحو الأمثل. والإيمان بالمسيح وبتعاليمه، بالنسبة لنا نحن المسيحيين، هو المرتكز الأساسي لتفسير وجودنا، و تحديد ما نقوم به، وفهم مصيرنا. فأين نحن الآن من المسيح و من تعاليمه؟

 بعد مرور ألفي سنة على مجيء السيّد المسيح وانطلاق المسيحية، تسيطر دول ومجتمعات المسيحيين على معظم مناطق الأرض مباشرة أو مداورة. وهي التي تقود العالم الآن في مختلف أوجهه. وحضارتها وقِيَمها هي السائدة ، طوعًا كان هذا أم إكراهًا. و النتيجة على صعيد البشرية هي الحالة المأساوية التي عرضنا لبعض أوجهها فيما سبق. و كما رأينا فليس للحياة التي يعيشها المسيحيون الآن في مجتمعاتهم وفي دولهم علاقة بحياة المسيح وبتعاليمه، بل العكس. فقد استبدلنا قِيَمنا الأساسية بنقيضها، وسلكنا دروبًا تتنافى وتعاليم الانجيل ومارسنا، فرديًا وجماعيًا، الظلم والقهر والبغض على بعضنا وعلى الآخرين، وبقي الخطاب الرسمي يستنجد بالأصل ليبرّر نفسه أمام ضميره وأمام ضمير العالم. و لكنّ الخطاب أصبح هزيلاً والمسلك شريرًا، و أصبحت مجتمعات الأرض أدغالاً تنتشر فيها الوحوش محتكمة لشريعة الأقوى. لم تعد المحبّة العظمى، والإخاء فيما بين أهل الأرض، و الغفران سبعين مرّة سوى كلمات جوفاء يستعملها الكهنة من على المنابر لتسقط في آذان أناس لم يعودوا يدركون ماذا يسمعون.

لقد تعرّت المسيحية المعاصرة من قدسيّتها، و تحولت إلى مسكّن للألم بدل كونها حلاً لآلام البشرية جمعاء. ففقد المسيحيون إيمانهم، و أصبحت ممارسة الحياة المسيحية مجموعة تقاليد وشعائر وتسلسل طقوس فارغة من محتواها. لقد فقد المُقال معناه، و لم يعد هناك من رابط بينه وبين المُعاش. لم يعد الإيمان المسيحي القِيَمي يحكم المسلك بين الناس، و أصبح ما يسمّى بالإيمان، شيئًا يتعاطى معه الإنسان باستقلالية تامة عن مسلكه، فمعتقداته في مكان خاضعة لمنطق معين، و مسلكه مع نفسه ومع الجماعة في مكان آخر خاضعا لمنطق آخر. و عندما فٌقد الإيمان أمحلت الأرض وانتشر القلق والضياع. الإيمان ملح الأرض، إذا فُقِد فَقَد الناس توازنهم و فقدت المعرفة جوها والبعض الأعمق من أهدافها. المعرفة والبحث عنها، هما الحالة المتقدّمة والرائدة في صلب حال الإيمان المطلوب إعادتها إلى سكّان الأرض. حال الإيمان المطلق بأزلية الحق والخير والجمال ، وبقدسية الدعوة إلى المحبة والإخاء والغفران. إذا لم تعد حرفية الأنجيل و الكتب المقدّسة، كما تعلّمها الكنيسة، تستهوي العقل وتستنهض الإيمان ، فالانكباب على معانيها والبحث عن الجوهر المستتر فيها، هما النتيجة الحتمية لحال الإيمان التي سبقت واكتمل مفعولها، وهما الضرورة الأساسية لإعادة خلق الحالة المستنهضة للإيمان الجديد، إيمان عصرنا الحاضر، الذي لم تتوقّف علامات الأزمنة عن الإشارة إلى وجوبه منذ قرنين من الزمن. إن الفضل الأكبر في انتشار الرفض والتمرّد في عالم اليوم يعود إلى الإيمان الكبير والأمل الأكبر الذي زرعه الإيمان المسيحي في عقول الناس وفي قلوبهم. وهو يعود أيضًا إلى الخيبة الكبيرة، كبر الإيمان السابق، التي مُني بها الناس وهم يتأمّلون نتيجة ألفي سنة من المسيحية بينهم وفيهم . وإذا كانت المسيحية أسهمت إسهامًا هائلاً في تطوير قدرات الفرد عقليًا وأخلاقيًا وروحيًا، الا أنها فشلت حتّى الآن في تخفيف الأنا الأنانية فيه وفشلت في جعله يؤمن بأن الخلاص هو، في بدائياته كما في نهائياته، خلاصًا جماعيًا. لقد فشلت المسيحية حتّى الآن في إقناع الناس، كما قال وأوحى يسوع، أنّ كلّ ما في الكون هو مقدّس لأنّه موجود من الله وفي الله. وبأنّ الإنسان، أي إنسان، هو مقدّس حتّى ينزع هو عن نفسه وبإرادته قدسيته، وبأنّ الجسد هو كالروح تمامًا مقدّس، و بأنّ مقياس الإيمان بهذه القدسيات هو عملنا الدائم للحفاظ عليها وترقّيها، والتعاضد سوية نحو الخلاص الجماعي الذي بدونه لا حاجة إلى المسيحية على وجه الأرض.

 و إذا قلت إنّ المسيحية فشلت في ما ذكرت، فإنني لا أعني مضمون المسيحية ولا أعني روحها، بل أعني شكلها ومؤسساتها، والعمل والمسلك الذي أدّى تطور القرون الخمسة الأولى للميلاد، إلى إلقاء مسؤولية نشرها والسهر عليها والشهادة لها عليهم وحدهم. و لم يعاد النظر في الموضوع خلال المئات من السنين الماضية، الشيء الذي أدّى إلى حالنا المأساوية المعاصرة. فهل من المعقول مسيحيًا أن نشهد اليوم- و أنا أحكم على زماني علمًا أنّ الأزمنة السابقة لم تكن أفضل- أن نشهد الكنيسة، المؤتمنة على المسيحية أي المؤتمنة علينا كلّنا جسدًا وروحًا، تقف متفرّجة على مآسي العالم، و هي من الحجم بما يسمح لها بتهديد مصير البشرية؟ أمِنَ المعقول أن نراها، كما في مرّات عديدة في السابق، تقف إلى جانب أنظمة البشر الجائرة والظالمة على رعاياها وعلى الجيران، وتدين أو ترفع الغطاء عن الكهنة و الكنائس المحلية والشعوب المقهورة التي تقاوم الاستبداد والقمع والاضطهاد؟

 سأكتفي بهذه الإشارات فقط، دون الاسترسال إذ أنّ الموضوع شاسع، وأنا لا أدعي الإحاطة بكلّ العناصر المؤثّرة إذ أنها بكثرة مجتمعات الأرض، و ذلك لأدلّل على الأسباب التي جعلتني أدرك الانحطاط الكبير الذي نعاني منه. لقد نبتت الكنائس والكاتدرائيات في الماضي على أرض أخصبها الإيمان ولقّحتها المعرفة. ونمت وكبُرَت، والإيمان يحضنها والمعرفة تطورها. كانت أزمنة لا تزال خيرات الأرض فيها لا تنضب وأعداد البشر في تزايد بطيء يتلاءم مع وقع الحياة الطبيعية ، وكان البشر على إدراك علمي صغير بأسرار الكون والحياة، والأكليروس يبشّرهم بالملكوت الآتي وبالخلاص مكافأة لتحمّل الظلم والقهر المنتشر في بقاع الأرض. وكانت النخبة النيّرة مؤمنة بهذه الأقانيم ومندفعة في العلم وفي اكتشاف المجهول من العالم، و كانت الكنيسة بحاجة إلى أمكنة ملائمة ليجتمع جسدها المتعدّد ويعلن ويرسّخ ويعمّق إيمانه بالروح الواحد الموحّد، فكانت الكنائس والكاتدرائيات وكانت الأديرة والمزارات.

 أمّا اليوم فالزمن زمن شحّ في خيرات الأرض التي استهلكنا، وزمن تكاثر عشوائي للبشر يفوق طاقة موارد الأرض، وزمن انتشار كمية كبيرة من المعارف تعطي الناس الظنّ بأنهم يعرفون الكثير، فيدّعون ويسقطون في الجَهل والغلط. وهو زمن بقي الأكليروس فيه، ورغم التغيير الهائل في المعطيات، يبشّر الناس بالملكوت الآتي وبالخلاص مكافأة لتحمّل الظلم والقهر الذي زاد انتشارًا في بقاع الأرض حتّى أصبح القاعدة المتّبعة، وهو زمن وعت النخبة النيّرة فيه أنه كلّما زاد اكتشافها لأسرار الكون، زاد إدراكها لجَهلها بما تبقّى وكَثُر من هذه الأسرار، و زاد السرّ العميق المقيم في الأسئلة الثلاثة المحيّرة: من أين؟ ولماذا؟ وإلى أين؟ وهو زمن بَطُلَت فيه عناصر الإيمان السابق، و المبنيّة على حرفية الدعوات الآلهية، فعّالة في العقل والروح. و هو زمن أصبحت الكنيسة فيه بحاجة أكثر بكثير من السابق، إلى أمكنة ملائمة تتيح لجسدها المتعدّد، الاجتماع، وإعلان وترسيخ وتعميق إيمانه. و لكن أيّ إيمان يحرّك جسد الكنيسة اليوم ؟ و بأيّ روح واحدة موحّدة؟

 على إيقاع ما اعتبره عقله المادي، فقد الإنسان المعاصر إيمانه، وهو في طور فقدان روحه، وإذا بقي على هذا المنوال فسيفقد عقله قريبًا. عندما فُقِدَ الإيمان فُقِدَت مفاعيله، و ساد انحطاط عمّ شيئًا فشيئًا غالبية محاور الحياة.

 ان الانحطاط هو السمة الأساسية لعالم اليوم، و المسيحيون يتحمّلون القسط الأكبر في إيصال الوضع وفي إبقائه على ما هو عليه. وعندما يفقد الإيمان ويسود الانحطاط، أيّ فنّ كنسي تريدون أن ينهض؟

 

اميل العكرا

معمار وأستاذ جامعي