العدد الثالث والاربعون - تموز

"المرأة الريفية بين القديم والحديث في لبنان"

الدراسة الأولى عن وضع المرأة الريفية ومشاكلها
السبت 18 تموز (يوليو) 2009.
 

صدر عن دار الحداثة في بيروت كتاب "المرأة الريفية بين القديم والحديث في لبنان " للدكتورة وديعة إبراهيم الأميوني. وهو عبارة عن دراسة وصفيّة لأحوال المرأة اللبنانيّة وخصائصها في المجتمعات القرويّة البعيدة عن المدن في التاريخ والجغرافيا، بهدف الردّ على إشكاليات الثقافة المعاصرة وما تحمله من معايير إجتماعية ملتبسة تضيع بين التقليد والحديث.

أتت هذه الدراسة الميدانيّة كلفتة هامة نحو المرأة في المناطق الريفية النائية في لبنان، وبخاصة في غياب الدراسات الشاملة عنها. فأوضاعها تستدعي حاجة ملحّة للإستقصاء بهدف التعرّف على العوائق المؤديّة الى إبطاء عجلة النمو والتغيير الإجتماعي، وبالتالي الوصول الى تحقيق مجتمع متقدّم لا يميّز بين ذكر وأنثى ويواكب تطورات العصر وأفكاره.

تدرس الباحثة أوضاع المرأة المهملة في الريف اللبناني وتردّ على تساؤلات عدّة حول واقعها الحياتي. فهل كان هناك مقياس خصوصي أم نموذجي يصحّ تطبيقه على أوضاع المرأة في الريف اللبناني؟ كيف واجهت التحديات الثقافية والمهنية والتربوية والتعليمية في الزمن الحاضر؟ الى أي مدى أثّرت الذاكرة الشعبية على سلوكيات الأنثى في الريف؟ هل يبقى التمايز بين الرجل والمرأة أسطوري/ماضوي أم هو نتيجة تراكمات ثقافية وإجتماعية وإقتصادية آنيّة؟ أين التطوّر الاجتماعي في ظلّ تهميش دور المرأة في الريف اللبناني؟ اين دور الجمعيات في تمكين المرأة القروية وتنمية فكرها؟

تشير الدراسة من خلال الردّ على التساؤلات الآنفة الى واقع أنثوي تمايزي يحصر المرأة الريفية الى حد اليوم ضمن إطار الثقافة التقليدية المستمرة عبر الذاكرة الشعبية أو الموروث الثقافي. وتتجلى هذه المظاهر من خلال نظرة الرجل والمجتمع تجاهها. فهي لا زالت تترسخ في معالم التقليدية في مختلف القرى وتخضع لمفاهيم السلطة الباترياركية أو الأبوية في ظل نظام اجتماعي وسياسي ذكوري. كل ذلك موجود على الرغم من التطورات الهائلة التي حصلت على صعيد الثقافة الكلية التي يتبناها المجتمع اللبناني. ففي ظل العولمة وفي كنف العلمانية التي يتجه نحوها معظم الأفراد في ظل التطورات التكنولوجية والاتصالية، لا زالت المرأة في بعض المناطق الريفية في لبنان تخضع لشروط الزمن الماضي . أوليست المظاهر التقليدية دليلاً على أفكار ملتبسة وعقلية زائفة/مضطربة، غير مستقرة في الحاضر، وغير آمنة لدفع معالم التطور والتغيير نحو الأمام مستقبلاً؟

 

تُظهر الدراسة أن المجتمع ينكر دور المرأة الإجتماعي مقابل قصورها العقلي والجسدي استناداً الى معايير ثقافية لا تتجاوز التلازم الأسطوري بين حواء وإمرأة اليوم. لكن المظاهر الملفتة للنظر والتي استدعت البحث والتحليل، ذلك التمازج والتناقض الثقافي في النظرة الموجهة نحو المرأة. فهناك من ينتمي إلى ثقافة تقليدية ولغة تراثية خاصة ذات أساس أسطوري وفلسفي يضع المرأة في مرتبة ثانية، وهناك من يتباعد عن السلفي وينتمي في أفكاره المعرفية إلى حضارة وثقافة ولغة تمدينية تدعو الى التغيير الحياتي. بل أن الثقافة نفسها تضع المرأة في مرتبة "ذات أهمية عالية في الوجود" حيناً، وفي مرتبة دونيّة و"سيّئة" حيناً آخر.

 

ما أرادته الباحثة، تقديم نظرة تحليلية لواقع المرأة في الريف بوصفه نتاج ثقافة أو معرفة تعتبر محركا أساسيا في توجيه السلوكيات والأفكار، حيث تظهر العادات والتقاليد الإجتماعية في مظهر القانون الإجتماعي الضابط للعلاقات والتصرفات وحيث يخضع الريفيون لمعارف ومعتقدات مشتركة.

 

أخيراً، هدفت الدراسة إلى فهم صورة المرأة الحياتية من خلال التقليد الإجتماعي الريفي، ثم إبراز الدور الإيجابي لها في دعم التطور الإجتماعي والتجاوب مع بعض الجمعيات النسائية وغيرها بهدف ابراز خطوة في مسار التقدم والتحضر، وذلك بالإعتماد على عدد من الأسباب أو الفرضيّات المتداخلة نذكر منها:

 

-  تجهل المرأة الريفية ذاتها وكيفية التعاطي مع مجتمعها. وتجلّى ذلك من خلال مظاهر تبعيتها الإقتصادية والإجتماعية والثقافية وتدني مستوى حالتها الصحية، وفي عجزها تجاه تحديات التراث والتقليد وفي ترددها بين الخضوع والعزلة من جهة والمواجهة من جهة أخرى. ثم في تعطيل إمكاناتها وحرمانها من بعض الحقوق الإجتماعية والقانونية والشخصية والسياسية وغيرها.

-  مرّ المجتمع الريفي اللبناني في مرحلة انتقالية استغرقت زمناً طويلاً، لكنه لم يستطع التغلب على التخلّف بكلّ مظاهره بهدف تحقيق النمو والتطور. وبرز هذا جلياً من خلال واقع المرأة الحياتي فيه. من هنا أمكن اعتباره مجتمعاً متحركا في عدة اتجاهات وقوى متناقضة، فهو في حالة عدم استقرار انعكست على واقع المرأة وحياتها الفردية داخل اطارها الإجتماعي والأسري.

واستخلصت الباحثة أن الثقافة التقليدية ساهمت في طمس الوعي المعرفي الذي يكمن في تطوير إمكانات المرأة واستثمارها في مشاريع التنمية والتغيير، وذلك بعد البحث في أوضاع المرأة الريفية وتحليل اتجاهاتها وأحوالها الحياتية بالإعتماد على متغيرات أربعة وهي: المتغير التعليمي والمهني والصحي والإجتماعي، بهدف بيان مستويات التغيير في أحوال الأنثى وأطر تفعيل دورها كوحدة اجتماعية منتجة وغير مهمشة داخل محيطها، في تحدٍ صريح تجاه المظاهر الثقافية التقليدية التي تحدّ من دورها.

وختمت الباحثة الدراسة بوضع توصيات وإقتراحات كبديل لحلّ المشكلات التي تعرقل مسائل النمو وتحدّ من طاقات الأنثى ككائن إجتماعي فاعل.