العدد الثالث والاربعون - تموز

أحمد حافظ في "أعشاش الأبد"

موحّداً بين الفكر والغناء
السبت 18 تموز (يوليو) 2009.
 

لا أظنّ أن الشاعر أحمد حافظ وضع هذا العنوان لديوانه الصادر عن دار الفارابي - بيروت، 2008 فحسب، بل ربما وضعه عنواناً للعرب جميعاً أيضاً. فنحن منذ بدايتنا القبليّة ثم بدايتنا الإسلامية كنّا وما زلنا في أعشاش، منها ما بنته المذهبيّة الأزليّة فينا، ومنها ما بنته العصبيّة، ومنها ما بنته السياسة. ثم ربضْنا في هذه الأعشاش قابعين، كل جهة منّا تصيح هذا عُشّي هو أفضل الأعشاش، ومن لم يكن في عشّنا فهو ليس منا. واستمرت الأعشاش على حالها بمن فيها، ولم نحاول يوماً أن نغادر هذه الأعشاش ونبني بيتاً واحداً يجمعنا، ويوحِّدنا ويدفعنا إلى تطويره وتحسينه حتى يصبح بيتاً يضاهي البيوت التي بنتها الشعوب المتحضرة، حاوياً جميع الشروط اللائقة بالحياة الإنسانية الكريمة، مليئاً بالمحبة. ما زالت كلّ جهة فينا منطوية على نفسها تقطن عشّها، وعلى الرغم من اختلاطنا بالحركة والتنقّل ومجاورتنا لبعضنا، فإن كلّ عش ما زال يحتفظ بخصائص تجعله بعيداً عن الآخر، بحيث نبقى في عزلة روحيّة ونفسيّة ووجدانية، تحول بين بعضنا وبعض فإلى متى؟

يأتي الشاعر ليجيبنا على هذا السؤال وغيره في ديوانه، فيبدؤنا بقصيدة عنوانها "اشتقاقات الليل". وهل حياتنا العربية إلا ليل طويل؟ كلما حاولنا أن نشتق منه نهاراً، ظهر لنا ليل آخر، حتى أصبح ليلنا سرْمداً، يحضن أطفالنا ويغرقنا في لجّته داخل أسوار لا تحمينا لأن لا حماة لها، نحاور فحيح غرائزنا، غرائز فقراء تعوي من جوعها، وغرائز أغنياء تفترس كلّ ما حولنا، حتى أصبحنا في صحراء من الفقر تتخللها واحات الأغنياء، فيما الفقراء تفحّمت حناجرهم من النداء: "يا رب"، والأغنياء تكلسّت آذانهم حتى لا يسمعوا هذا النداء.

لقد وجدتُ نفسي مضطراً لكتابة ما تقدّم لأن كابوس العنوان لازمني فلم أسترح منه إلا بعد أن قلت ما قلت، لأتمكن من الدخول إلى العالم الشعري الذي يشمله هذا الديوان.

مع أن الشمس تشرق كل يوم مالئة العالم بنورها ودفئها، تُحس بأن إنساننا العربي ما زال داخل ليل العالم، كأنه ألِفَ العتمة واتخذها خديناً له فلم يكتف بعتمة الليل، بل عمد إلى إغلاق نوافذه وشرفاته وأسدل عليها الستائر حتى لا يرى ولا يُرى. وكيف لإنسان لا يحب أن يَرى، أن ينسجم مع هذا العالم ويألفه؟ فكأنّ العالم منفيٌّ فيه، في أعماقه أو أنه منفيٌّ في عالمه قابع في كهفه السُّفلي، آنساً بأوهامه وأشباحه. وها هو الشاعر أحمد حافظ يرسم لنا صورة من عالمنا هذا في قصيدته "اشتقاقات الليل":

القاتل: فوق المنبر

الشاهدُ: في كهف الحمّى

الطفلة: قرب جناح أخيها

الجدّة: جَنْبَ الدابّة

الوالد: تحت دموع السقف

العانس: قُدّام الشاشة

الموعود: على الشرفة

المسلول: تُجاه القِبلة

ناموا، ناموا...

هؤلاء الذين سمّاهم الشاعر، يشكلون المشهد الأول الذي يلوح للناظر في مجتمعنا. إنه طبيب عرف كيف شخّص الداء، ولكن يبدو أن الدواء بعيد فخاطب من خاطب قائلاً: ناموا.

الغريب أنه ساد في أذهان كثير من النقّاد والقراء أن الشعراء يغنّون أكثر مما يفكّرون. وإذا كان الزعم قد صحّ في عصورنا السابقة لدى كثير من شعرائنا، فإنه اليوم غير مقبول  على الإطلاق أن يكون الشاعر مغنّياً فحسب، فإن ذلك يخرجه بل يدفعه خارج المجتمع. الإنسان خُلق ليفكّر، وعليه أن يفكّر بالأشياء بدءاً من أظافره وانتهاء بما لا ينتهي، حتى يكون له وجود في هذا العالم، ولما كان التفكير لا معنى له خارج اللغة، كانت اللغة هي الوجود المتجسّد للفكر. إن التفكير لمجرّد التفكير، لا شأن له، ما لم يتحوّل إلى لغة يتشكل بها العالم. ولذلك، فإن شعرنا الحديث يفتقر إلى الفكر، والفكر يفتقر إلى اللغة، وأحوج الناس إلى اللغة المفكر. وفي ميدان هذه الحاجة، يتصدّر الشاعر الأهمية الكبرى، لأن لغة الكتّاب والفلاسفة كثيرة وغزيرة ويستطيع أحدهم أن يغرف من خزّان اللغة ما يشاء، أما الشاعر فهو وحْده مُبْتلٍ بلغة خاصة مميّزة بدونها لا يصلح شعره ولا هو يصلح شاعراً.

الفيلسوف يشكل العالم باحتياطيٍّ هائل من اللغة، غير مهتمّ بجمالية العالم بقدر اهتمامه بتفسيره وإيضاحه، أما الشاعر فهو يقدّم العالم كما يجب أن يكون، يقدّمه بهيّاً زاهياً نقيّاً نظيفاً ولذلك، فهو يحتاج إلى اللغة البهيّة الزاهية النقيّة النظيفة، فالمهمة ليست سهلة أبداً، ولذلك علينا دائماً أن نكون مشفقين عليهم منصفين غير متجانفين. وقد يقول قائل: كيف للشاعر أن يصف قُبْحَ العالم بهذه اللغة الجميلة ناسياً أنه عندما يرى العالم جميلاً بهياً، يدرك مدى القبح الذي كان عليه ويتذكرهُ، علماً بأن الشعراء، يبرزون قبح العالم بصور فنية رائعة عبْر لغة جميلة، غير مقتصرين في ذلك على لغة واحدة. إن جمال اللغة ليس في أسماء ألفاظها فحسب، بل في مواقعها. فرُبّ لفظة قبيحة أخذت موقعها المناسب هي أجمل بكثير من لفظة جميلة في غير موقعها المناسب، وهذا منوط بمهمة الشاعر وذوقه.

أحمد حافظ يصوّر لنا قبح العالم، لكنّه يختار اللغة الثائرة الغضبى، وكأنها تريد أن تكون ثأراً حقيقياً لما يجري فيه:

السّوط الفالقُ رمّانةَ روحٍ

الدولاب الهارسُ كبدَ الأُم

الفحمُ السادُّ مسامَّ أجيرٍ

الإسفلت النّاهش صبر الحافي

القنديلُ المطفئُ جيلَ فراشات

هكذا، يشكو الشاعر من عالمه، وهكذا يرى قبحه. لقد اختار لغة ذات مفردات غير شعرية، لكنه استطاع أن يصوغها صياغة انصاعت لها أفكاره، فجعلها مع هذه الأفكار صوراً شعرية جميلة رغم أنها صور لألوان من المآسي تنمو وتتكرر في عالمنا هذا. وفي قصيدة أخرى سماها "نار الأعالي" يقول عن هذه النار:

بها تُضَمِّدُ الينابيعُ الخطى

تؤثّث الرّعودُ عتمةَ التُرابِ

تهتدي الريح إلى الهبوبْ

فأين نار الأعالي التي تذكرني بنور الأعالي فوق الجبال في عصرنا الذي ما زلنا نسميه جاهلياً؟

لغة شعرية جميلة تحمل عُمْقاً فنيّاً يحتاج كشفه إلى كلام طويل وما علينا إلا أن نتأمل بعمق ما تحمله هذه الجمل الشعرية، وأن ندعو نار الأعالي لتحرقنا لعلّنا نخرج من رمادنا على غير ما نحن عليه، كما خرج طائر الفينيق أو لعلّنا نملك شعور الصخرة تتحدث عن نفسها (الديوان ص 49):

أنا سرير النيزك الشريدِ

دفترُ الرياحِ

حانةُ الجذورْ.

لي يَفتح الموجُ حقائبَهُ

فيَّ تُبذَر النيرانُ

حولي يتعثّر العدم

من يستطيع غير الشعر أن يقول هذا الكلام؟ إنه كاشف الأسرار. إنه كشف وتكوين، وهذا ما يميّزه عن غيره من الفنون. (حولي يتعثر العدم) ـ لقد تمنّى هذه الأمنية شاعر عربي قديم: ما أطيب العيش لو أن الفتي حجر تنبو الحوادث عنه وهو ملموم.

ما أحسن الشعر عندما يلج الأعماق، ويقتحم المجهول، ويجوب دائرة المحرّم ويتغلغل بين الجذور، ليعرّفنا معنى الفروع والأغصان وما تحمله من أزهار وثمار.

واسْمَعْهُ مرة أخرى كيف يخاطبك من قصيدة بعنوان "صحو" (ص 51):

فتلفّتْ

وتخفّفْ من مراياكَ

وسِرْ...

مِثلَ دبيبِ الصبحِ

في أحشاء هذا الزمهريرْ

ما أحوج الإنسان العربي إلى هذا النداء! متى سيصير صُبحاً يشقُّ أعماق الظلمات؟ متى سنشق هذا الزمهرير الذي يعصف بنا إلى الشاطئ الآخر؟

لقد حرّضني هذا الديوان ودفعني إلى تأمل أفكار أراها ضرورية في الحديث عن الشعر، ويكفي أن تحرّضك الكتب المهمة وتدفئك بجمر الشعر ووهج التساؤل.