العدد الثالث والاربعون - تموز

( غوايات شيطانية ) لمحمود شاهين:

نص مغاير لرؤية مغايرة
السبت 18 تموز (يوليو) 2009.
 

  بعد غياب دام قرابة عشرة أعوام ، وبعد صدور مجموعته القصصية ( موتي وقط لوسيان ) عن وزارة الثقافة الفلسطينية عام 1998 ، يعود إلينا محمود شاهين بملحمته الروائية الشعرية الغنائية ( غوايات شيطانية - سهرة مع ابليس ) الصادرة حديثا عن دار نينوى في دمشق .

 نص يختلف كليا عما كتبه شاهين في أعماله الروائية والقصصية السابقة . ومن الجدير بالذكر أن شاهين تحول إلى الرسم بعد كتابة هذا العمل بداية عام 1995 ، إضافة إلى عمل ملحمي آخر أيضا هو ( الملك لقمان ) .

 تحول شاهين إلى الرسم لأنه لم يجد ناشرا يقبل بمغامرته في العملين ، وخاصة بتناول المقدس

أحد أهم أركان الثالوث المحرم في الأدب العربي . وإذا كان شاهين قد وجد من يترجم الجزء الأول من غواياته إلى الألمانية ، فإنه لم يجد من يترجم ( الملك لقمان ) ملحمة الخلق الجديدة

كما يقول عنها شاهين ، والتي يستعيد فيها حلمه في الطفولة بأن يكون ملكا ، وأي ملك ، إنه الحاكم المطلق للكون !!

 * نص غير عادي لوقائع أسطورية .

الدخول إلى عالم غوايات شاهين يبدو سهلا في البداية ، لكنه لا يلبث أن يتعقد ، فنحن أمام نص

في مكان غير عادي ( بحر معلق في السماء تقام فيه إحدى ممالك الشيطان ) وزمان غير عادي (بضع ثوان من زمن السماء الذي يعادل اليوم منه ألف عام من زمن الأرض ) ووقائع اسطورية 

تبدأ بدعوة الشيطان لأديب إلى حفل رأس السنة في السماء ، لتتطور الأحداث بما لم يتوقعه الشيطان نفسه ، حيث نجد الأديب يتوحد بالذات الإلهية ثم يحيله الله إلى طفل ويتخذه ابنا له .

وهذه واحدة من أهم الإشكالات التي تطرحها الملحمة . وسنأتي عليها في حينها .

 المسألة الجديدة أيضا في ملحمة شاهين ، هي توظيفه للشعر إلى جانب النثر الروائي في سرد وقائع الملحمة ، حتى أن الشعر الغنائي يطغى على النثر في النهاية دون أن يؤثر على البناء الروائي الذي اختطه شاهين ، حسب رأينا .

 يبدأ النص بظهور الشيطان لأديب حزين مفلس ماديا لا يجد من يتذكره ليلة رأس السنة ، ودعوته إلى حفل رأس السنة في قصره السماوي ، شريطة أن يشهد ( الأديب ) على براءته من الغواية أمام الناس بعد عودته من الحفل ومرافقة الشيطان . ويتعهد الشيطان بأن لا يقدم على غواية الأديب.

 في السماوات حيث القصور القائمة في البحر المعلق في السماء ، التي تسبح في حدائقها الحوريات والكائنات المختلفة ،وحيث يشوى اللحم على مواقد أشعلت في الماء ، تستقبل ملكات السماء الشيطان والأديب باحتفال اسطوري .

 يقع الأديب في حب ( ملكة السماء ) من النظرة الأولى ، فتصطحبه إلى حجرة نومها في قصرها . ونظرا لأن الملكة بسبعة أجساد ، تطرح على الأديب أن تنسخه في سبعة رجال ليكتمل

الغرام ! وهنا يكتشف الأديب أنه واقع في غواية شيطانية ، فيلجأ إلى الله في دعاء تذاهني معه .

 يطرح عليه الشيطان أن يعيده إلى بيته على الأرض إذا كان متخوفا إلى حد كبير . الأرض التي كان الأديب متشوقا للهروب من عالمها ولو برفقة الشيطان ، لكثرة ما كابد فيه .

 يجد الأديب نفسه محتارا بين العودة إلى الأرض (الفناء) كما يسميه الأديب ، وبين أن يتحول إلى سبعة رجال ! خياران أحلاهما مر في نظر الأديب ، فيلجأ إلى التطهر من عذابات كوكب الأرض وهو بين أحضان الملكة ، متطرقا إلى كل همومه وأحزانه الشخصية والاجتماعية والسياسية والإنسانية في قصيدة ملحمية مطولة .

 ما أن يفرغ من سرد معاناته حتى تشرع الملكة في شرح مفاتن جسدها له ، فمن بين كل نهدين من نهودها يقطر خمر الجنة ، إضافة إلى أكسير الحياة وماء الكمال اللذين تمتلىء بهما نهودها اليمنى واليسرى .

  يوافق الأديب أمام هذا الجمال على أن تحيله الملكة إلى سبعة مثلاء له . لكن حين تساءل عن إمكانياتها بتحويل جسدها هي بالذات أجابت في قصيدة ملحمية مطولة بأنها قادرة على أن تكون أية أنثى على الإطلاق ، سواء أكانت ميتة أوحية ، أو حتى متخيلة . وهذا ما جعل سحر جمالها يهيمن على روح الأديب ، فيشرع في النشيد معلنا أنه سيكون من أجل عينيها كل من تتمناه !مانحة إياه إمكانية التحول إلى أي شخص يريده من شخوصه السبعة .

 غير أن شروط الغرق في عشق الملكة تتطلب أن ينسى الأديب كل ما في ذاكرته ، وهذا لن يتم

دون اجتراع ما تجود به نهودها .. تشرع في تذكيره بعض ما في ذاكرته ، من ثقافات مختلفة وذكريات ، مستحضرة في الوقت نفسه بعض النساء والربات الشهيرات في التاريخ ، ليمارس

معهن غراما ما يخالطه الحزن ، بل والبكاء أحيانا ، في طقس فريد ، ثم ينساهن من ذاكرته !

 وحين يستحلف الأديب الملكة ( إلى أين تقودينني بحق السماء ؟) تجيبه :)  إلى عمق الإيمان ، إلى فضاء الروح ، إلى الكمال .... إلى الله )

 يجد الأديب نفسه في النهاية بلا ذاكرة على الإطلاق ، متوحدا مع ذاته ، متوغلا في أعماق نفسه ، وحين تذاهنه الملكة سائلة إياه من أنت ؟ يجيب : أنا العدم ! ويكررها . فتطلب إليه أن يواصل جرع ما تجود به نهودها ، لتسأله ثانية ، لنجد أنه بدأ يدخل مراتب الألوهة كما هي عند بعض المتصوفة ، مبتدئا بالرب ثم الحق ثم الله ! وهنا تشرع الملكة بالتغني بجماله مستلهمة نشيدا صوفيا ، غارقة في ذروة الغرام .

 هنا ينتهي الجزء الأول ليبدأ الجزء الثاني ( المعراج ) بتحول الأديب إلى طفل لا يتجاوز الثانية من عمره . وتحول الملكة إلى أم له ، وقد فقدت تعددها .

 لم تعرف كيف ومتى جرى ذلك ، فقد كانت في غيبوبة النشوة والتفاني في محبة الذات الإلهية ، غير أنها أدركت  من بهجة الكائنات المحلقة حول القصر ، أو التي ترفرف على النوافذ ، أن الإرادة الإلهية تدخلت لتحيل الأديب إلى ابن للإله وحبيب للسماء

الشيطان الذي كان يحتفل في أعماق البحر غضب لما جرى ، وألغى الاحتفال برأس السنة .

 انتقل إلى حجرة الملكة ليأخذ الطفل بأحضانه ويعتذر له مقسما أن لا شأن له في ما جرى .

 ترتدي الكائنات أزياء موشاة باللون الأسود نزولا عند رغبة الشيطان والملكة ، بحالة يشوبها الحزن والفرح في آن .

 تطلب الملكة إلى الشيطان ( الملك ) أن يترك الطفل إلى الكائنات لتزفه . ينطلق الطفل عبر النافذة مشرعا ذراعية ، لتحف به الكائنات ، وتقيم له معراجا في السماء . جهدت مخيلة شاهين في تصويره ليبدو مغرقا في الخيال الخلاق .

 غير أن الكائنات التي لم تعتد حالة الحزن والفرح ، تحتج في النهاية مطالبة بإلغاء الحزن إلى الأبد ، ليعم الفرح وحده الكون والكائنات ، بل وتطلب إلى الشيطان أن يوظف قدراته و يقرب المسافات ما بين الكواكب ،( لتشهد الفرح بابن السماء كل الأكوان السماوية والكائنات )! وهنا يقوم الشيطان بعمل ما يشبه يوم القيامة مبتدئا طلبه باسم الله معتمدا عليه ، موحيا إلى الكون والكائنات بإيقاف الزمن وإلغاء حدود الأمكنة وتقريب المسافات وغير ذلك . وما هي إلا لحظات حتى قامت القيامة ، فدنت الكواكب من الكواكب ، والشموس من الشموس ، والأقمار من الأقمار ، والشهب من المذنبات ،( وهبطت السماوات ، سماء اثر سماء لتهبط السبع السموات) !! وليبدأ الاحتفال بابن السماء ، ولتشارك فيه الكائنات كلها ، الإنسية والملائكية والجنية ، الطيور والنباتات ، وكل ما هو محسوس ومجرد ، فعند شاهين ليس هناك شيء لا يعي، حتى العدم له حواس وعقول !! فما بالكم ، بالظلال والريح والحنان والسراب والأغاني والألوان والسديم والظلام والتفاح والبرتقال؟!

 

 *****************

 * مؤثرات صوفية وأدبية .

 ينهل شاهين من ثقافة غنية ، تستند إلى ديانات مختلفة وأساطير وشعر عربي وأدب عالمي

وفلسفات وعقائد مختلفة ، وذكريات وهموم معيشة ، ليخرج بنص هو نسيج مخيلته وحدها ،بل و ليخرج بفكر هو نتاج معرفته ، مستلهما النص القرآني (وخاصة سورة مريم ) : ( كان أبونا ملكا تقيا ، يرأف بالفقراء والمساكين من بني الإنس ، ويهبهم من لدنه مالا سخيا .... ألخ ) ( ص 42) والسرد الروائي الحديث بضمير المتكلم ، والشعر الحر وشعر التفعيلة ، بلسان المتكلم تارة ولسان الملكة تارة أخرى . ولسان الراوي كما في الجزء الثاني .

 يزخر النص بعشرات الأسماء التاريخية لأدباء وفلاسفة وآلهة وشعراء ورسامين ومتصوفة وغير ذلك ، وللحق أنه لولا الحوار الذي أجريته مع شاهين حول النص لما استطعت الإلمام بمعظم جوانبه وخفاياه ، وبالتالي لما كان هذا المقال ،إضافة إلى ما أجريته مع شاهين من حوار مطول نشر في صحيفة الأسبوع الأدبي العدد 1079 .وإذا كان شاهين قد أعلمنا حينئذ أنه كان يحلم في طفولته بأن يكون ملكا ، وأنه استنهض هذا الحلم في ملحمته الأدبية التي ينتظر أن تصدر قريبا ( الملك لقمان ) حيث الملك القادر على زلزلة الكون فهل يحلم شاهين بأن يكون إلها ، ليتخلص من هموم الأرض وعذاباتها ، لكن ليس ليحقق عدالته (كما في الملك لقمان ) . وإني لأجزم أن الغوايات ليست إلا تجسيدا لهذه الفكرة ، وخاصة بعد حواري مع شاهين . 

وثمة شواهد كثيرة في النص تشير إلى أن شاهين كان يتخيل نفسه خلال كتابة النص ، إذ ثمة الكثير من جوانب حياته : الراعي الذي يشرب الحليب من ضرع الماعز مع طعام الغداء :

 ( وأنسيك جرع الحليب من ضرع الصبحاء

 بين القطيع ، في الحنواء ، مع خبز الغداء ) ( ص 66 )

 وهو بائع حثالات برلين ( الباله ) ومن المعروف أن شاهين باع البالة لأكثر من عامين في دمشق :

 (لا أريد العودة إلى بيع حثالات برلين

 لأضيع نفسي

وليمتطي الفقراء

والأعدقاء

والسفهاء

رقة قلبي

 وكرمي

 وشهامتي .. ألخ ) ( ص 98)

 وهنا يكرس شاهين اشتقاقا يستعمله بعض المثقفين يمزج بين كلمتين ( العدو والصديق ) وهو الأعدقاء ( جمع عديق ) أي الأصدقاء الأعداء الذين عانى منهم شاهين كثيرا كما يبدو .

الشواهد في النص على أن الأديب هو شاهين بعينه كثيرة . ومنها ما هو شخصي جدا ، ويتعلق بحياته الأسرية . 

 بالتأكيد إن النص ليس سهلا على القارىء العادي ، وإن بدا ليس كذلك ، وإن كان القارىء ليس معنيا بمعرفة وأهمية الأسماء والأعلام الواردة في النص .

 

 

*مذهب ابن عربي في وحدة الوجود برؤية جديدة .

 يقول شاهين أنه متأثر بالفكر الصوفي الإسلامي و بفكر ابن عربي بشكل خاص إلى حد كبير ،وأنه أقام رؤيته على مذهب ابن عربي في وحدة الوجود . يقول على لسان ملكة السماء ( فاتنة السماوات ) حين تصف له وحدانية الله :

 ( واحدية الله هي الأصل

 هي الأساس والنبع

 هي رعشة الروح

 السارية حياة في الكون

هي نقطة الماء

في النهر والبحر

في التراب والجسد

في النبات والحجر

لولاها لما توحدنا

ولولاها لما تعددنا

ولما كان تعددنا

في توحدنا

وتوحدنا الأبدي

 في تعددنا

هي الكل في الكل بالكل

والكل في الكل بالكل هي

تسري بحركة دائبة

في غيهب الكون والكائنات .) ( ص 54)

إنها رؤية ابن عربي مصاغة بأسلوب وفهم شاهين لها . والتي على ضوئها يمكن قراءة و فهم النص كله ، وإن كان شاهين قد خالف ابن عربي والمتصوفة أجمعين حين جعل التوحد بالذات الإلهية يتم بطريقة مغايرة للزهد والتقشف والإعتكاف والتأمل والتعبد كما هي عند الصوفيين حين جعلها تتم عبر حالة غرامية تتماهى فيها محبة الخالق بمحبة المخلوق ( المعشوق ) وهو هنا الجسد الأنثوي كرمز للجمال .

 لم ينزلق شاهين إلى ما يمكننا أن نسميه تسفيه النص حين ابتعد عن وصف الحالة الغرامية مع الملكة ، ما عدا عبارات عابرة كانت تحضر بين السطور ، ولولا حالة الإرضاع المتكررة من نهود الملكة لنسينا أننا في حالة غرامية ، خاصة حين يخبرنا شاهين أن أديبه يبكي وهو يمارس الغرام :

 ( إجرع يا حبيبي .. إجرع وانس ، ولا تبك يا حبيبي ، لا تبك يا حبيبي !! ) ( ص 188)

 عبر طقس العشق هذا يرفض الأديب أن يكون شمشون اليهودي ويصر على أنه جليات وكنعان وعناق ، حين تتجسد له الملكة في شخص دليلة الفلسطينية ، كما ترد قصتهما في التوراة :

 ( آه آه ! من أنت يا حبيبتي ؟

 - أنا دليلة يا شمشوني !

 - بل أنا جليات وكنعان وعناق يا دليلتي )

 وحين تسأله الملكة عما إذا كان متخوفا من أن يكون شمشون ، يخبرها أن لا رغبة له في أن يكونه ، حتى إذا لم تحلق شعره ولن تدع أحدا يقلع عينية . ( ص 181 )

ويبدو واضحا هنا أن الأديب يرفض أن يكون يهوديا كشمشون حتى في خياله . لكن حين تتمثل

الملكة له في شخص أستير اليهودية المعروفة بجمالها الخارق ، نراه يهتف :

 ( آه آه يقتلني صهيلك تحتي

 دعيني أتروض

 برضع فرات نهديك

ورشف رضاب شفتيك !

( ص 182)

دون أن نجزم بتجسده في شخص أحشويرش زوجها .

 قد لا نبالغ إذا قلنا ، إن كل فصل من فصول نص شاهين الثلاثة عشر يحتاج إلى مقال لنفيه حقه .لكن سنكتفي بهذا القدر من قراءة للنص ، لننتقل إلى الإشكالية التي يطرحها وهي أهم ما سنتحدث عنه .

 

 

* إشكالية النص في غوايات شيطانية !

 ينفتح نص محمود شاهين في غواياته على إشكالات متعددة وقراءات مختلفة ، فكل قارىء يمكن أن يفهم النص حسب ثقافته . ورغم أن شاهين كتب النص استنادا إلى ثقافة غنية تستند بالدرجة الأولى إلى  الفكر الصوفي الإسلامي ، وبعض العقائد الشرقية ، كالبوذية - حيث نلمس

تأثره بالنيرفانا في العقيدة البوذية ، وخاصة في الفصل العاشر -السيطرة على العقل والحواس والإرتداد إلى أعماق النفس - إلا أنه لم يضع هذه الثقافات أمام ناظريه حين شرع في الكتابة

لتاتي وكأنه يركب فكرا على قالب معين . تبدو العفوية واضحة في ثنايا النص المختلفة ، وحتى الضرب عرض الحائط بكل الأشكال الأدبية المعروفة ، غير سائل إلا عن نفسه والتعبير عن همومها وهواجسها ، منطلقا على سجيته ودون أي رادع . . وإن بدأ محمود شاهين نصه بسرد عادي  ومألوف ، إلا أنه استمر و انتهى بسرد غير مألوف على الإطلاق بل وجديد على الأدب  العربي الحديث برمته .

 اعتدنا في الأدب العربي وخاصة النثري منه أن نلمس شاعرية ما في النص كما هو عند حيدر حيدر وأحلام مستغانمي ، أو شاعرية طاغية تكاد تطغى على النثر كما عند إدوار الخراط ، لكننا لم نر نصا أدبيا ينتقل من النثر إلى الشعر، ضمن عمل أدبي يقوم على بنية ووحدة متكاملتين . دون أن يؤثر على البناء الدرامي للنص.

 يقول محمود شاهين أنه كتب نصه وهو في حال نفسية سيئة جدا ، وكان مدمرا تماما ،بعد تطليقه لزوجتيه وصراعه مع ابنته وابنه وعيشه في حال مدقعة من العوز . وكان في حاجة ماسة إلى الله ، حتى لو لم يكن الله موجودا ، وهذا ما نلمسه في فصل ( الأديب يبحث عن الله في قلبه ) .

 لقد أشيع عن محمود شاهين في تلك الأونة أنه جن ، حتى أن الراحل مصطفى الحلاج الذي افتتح معرضه الأول ( المعرض التجريبي الأول لمدرسة الصوفية الحديثة ) في المركز الثقافي الروسي عام 1995 ، قدمه كأديب أنقذه الرسم من الجنون ! وهو لا يستبعد ذلك حين يقول : ( لقد كتبت (غوايات شيطانية) و(الملك لقمان) وأنا في حالة أقرب إلى الجنون ، ويبدو أنني كنت أعالج نفسي من جنوني ، ولم أكن أعرف كيف سأستمر وإلى أين سأنتهي في كلا الكتابين ، ولقد كتبت الغوايات على هامش الملك لقمان، التي هي الملحمة الأصل) .

 يطرح النص إشكاليات ثلاث هي على التوالي :

 - إمكانية أن كل ما جري هو غواية شيطانية .

 - إمكانية تحويل الأديب إلى طفل نتيجة لتجرعه ماء الكمال !

- إمكانية التدخل الإلهي والوقوف ضد رغبات الشيطان .

وسنشرع في تناول هذه الإشكالات واحدة تلو الأخرى .

  فيما لو تعاملنا مع الكتاب إنطلاقا من عنوانه ( غوايات شيطانية ) الذي اختاره شاهين ، فإننا سنضع في اعتبارنا أن كل ما يحتويه النص ليس إلا غوايات شيطانية ، لا أكثر ولا أقل . ، مهما بدا لنا الشيطان نبيلا وطيبا ويخالج قسمات وجهه الحزن وتذرف عيناه الدموع ، فهو في مخيلة القارىء داهية بكل معنى الكلمة ، مهما استتر خلف عبارات منمقة ولطافة مصطنعة ومحبة زائفة .فهو شيطان ، حتى أن الأديب يشك في صدقه في أكثر من عبارة في الكتاب (-  لا تؤاخذني أيها الملك فلم يُصدقك أيٌ من البشر منذ آلاف السنين، فكيف سأتخلص من شكوكي وأضع ثقتي المطلقة بك بكل هذه السهولة؟) (ص 96)

أظن أن ما ذكرناه يكفي لإيضاح هذه المسألة ، وحتى لا نطيل أكثر .

لننتقل إلى الإشكالية الثانية : إمكانية تحول الأديب إلى طفل نتيجة لتجرعه ماء الكمال !

 حسب قول الملكة : لم يسبق لإنسي أن رضع من ما تجود به نهودها ، ولذلك لا تعرف الحال التي سينتهي إليها الأديب ، لكنها تدرك أن من يرضع من ماء الكمال قد يبلغ الكمال المطلق ،

وبالتأكيد ليس هناك كمالا مطلقا إلا للخالق ( راجع ص 130 )

فهل تحول الأديب إلى إله نتيجة لتجرعه ماء الكمال ؟ هذا ممكن ، وإن بدا الشيطان مشككا في المسألة وخاصة حين رأى أن الأديب تحول إلى طفل لا يفقه ولا يدري ( راجع ص 218 +219) بل إنه فكر في أن يحاول بالقدرات الممنوحة له من الله أن يعيد الأديب إلى حالته الإنسية التي كان فيها ، لولا أن الملكة نهته عن ذلك . ( راجع ص 224 - 225)

عدا ذلك نحن نلمس في كثير من المواضع طموح الأديب في أن يكون إلها ، وطموح الملكة

في أن تقوده إلى الله . وقد أشرنا إلى ذلك من قبل .

 * تدخل الإرادة الإلهية .

 أيضا لن نطيل أكثر في شرح هذه المسألة لننتقل إلى ما هو أهم وهو تدخل الإرادة الإلهية.

  إذا كان ثمة شواهد في النص على ما قدمناه في التحليلين السابقين ، فإن الشواهد على

 تدخل الإرادة الإلهية متوفرة أيضا بكثرة وسنختزل معظم ما ورد لننتقل إلى الجزء الثاني .

من أهم الشواهد في الجزء الأول وبعد طموح الأديب في أن يكون إلها ( آه يا حبيبتي ،

 دعيني أرشف من شفتيك الشهد ... لعلي أصير الله .. ) (ص 194 ) ، ومحاولة الملكة في أن تقوده إلى التوحد بالذات الإلهية . وهذا ما هتف به الأديب في نهاية الجزء الأول ونهاية تحولاته في مراتب الألوهة ، لتشرع الملكة بالتوحد معه بدورها وتأخذ في الغناء الصوفي ، متغنية بجماله الرباني !

 في الجزء الثاني نلمس احتفاء الكائنات ( كل الكائنات ) بالطفل ، ولو كان الطفل طفلا عاديا لما احتفلت به الكائنات كلها .

 حين يبدي الشيطان غضبه لما حدث معتقدا أن ما تجود به نهود الملكة هو ما أحال الأديب إلى طفل ، تتصدى له الملكة مؤكدة أنها مشيئة الله التي أرادت ذلك :

 ( بل مشيئة الله يا مليكي

 مشيئة الله من أعادته طفلا

 ........

 فلا تقنط من مشيئة الله

 جل جلاله السامي ) (ص218)

وتؤكد له الملكة ( أنها كانت رغبته في أن ينسى الأرض والهموم والأحزان ، فمن الله عليه بأن أراه نفسه وصيره مثلها ثم أعاده إلى الطفولة ليحيا ثانية الفرح الطفولي وعشق الأمومة والأمان ) ( ص 219 )

وحين يفكر الشيطان في إعادة الطفل إلى حالته الإنسية التي كان فيها ، تتوسل الملكة إليه ألا يقف ضد مشيئة الله ، فيضطر الشيطان إلى الإذعان في النهاية :

 ( لن أقف أيتها الملكة ، لن أقف ضد مشيئة الله ، فصبر جميل والله المستعان ) ( ص 225 )

 ثمة سؤال يمكن طرحه هنا وهو : هل تدخل الإرادة الإلهية كان لردع الشيطان عما كان ينتويه بمرافقة الأديب ليشهد على براءته أمام الناس ؟! أي أن الإرادة الإلهية أفشلت مخططات الشيطان وأبقت عليه ( الشيطان ) كما هو في نظر الناس ، شيطان لا أكثر ولا أقل . وهذه قراءة أخرى يحتملها نص شاهين متعدد القراءات .

 بقي أن نقول أننا لم نف النص حقه ، إذ لم نتطرق إلى الغنائية في الشعر الوارد في الملحمة ، ولم نتطرق إلى الهموم الأرضية التي كان يعاني منها الأديب ، وحتى لم نف البناء الروائي الملحمي حقه من التحليل . فنحن أما نص جديد على الأدب العربي الحديث شكلا ومضمونا . وفي انتظار ملحمة ( الملك لقمان ) التي من المتوقع أن تصدر خلال تموز القادم .

سلام الزبيدي