العدد الثالث والاربعون - تموز

فيروز...لم تمر من هنا!

كفا عبد الصمد
السبت 18 تموز (يوليو) 2009.
 

لم يكن من عاداتي أن أستفيق عند الخامسة صباحا، اذ غالبا ما أنام حتى التاسعة. ولا أذكر يوما استفقت فيه الا بعد حرب ضروس واجهتها أجفاني مع رغبتي في البقاء مسترخية وعائمة في بحر الأحلام. انما شاءت الصدف في ذاك اليوم، أن أستيقظ عند الخامسة، ولعلها أكثر من صدفة، لربما هي الشمس في ذاك الصباح رمت بخيوطها فوق عيني وفتحتهما على واقع ما أجمل لو أنه ما زال بصورته الجميلة في مخيلتي.

حضرت قهوتي الصباحية، جلست على الاريكة، وبدأت صبحية هادئة في يوم جديد. كان ال"روموت كونترول" بيدي، أقلب المحطات المحلية والفضائية في محاولة لاستراق أغنية ما لفيروز ابدأ بها نهاري كما اعتدت دائما، وأنا في طريقي الى العمل.

لا أخفي أني في ذاك النهار كنت سعيدة لأني - كما اعتقدت - سأضحك على الزمن، وسأمنح نفسي فرصة الاستماع الى أغنيات سفيرتنا الى النجوم لمدة ساعتين. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فمن الخامسة صباحا وحتى التاسعة وانا في عملية بحث مستمر عن نغمة او كلمة او مشهد فيروزي، ولكن عبثا كنت أحاول. وبدلا من الاستماع الى زقزقة فيروزية صباحية، وجدتني أمام كم هائل من الاغاني المتشابهة في اللحن، والفارغة من أي مضمون، وكم أكبر من الصور والمشاهد الاباحية التي تليق بفيلم اباحي لا بأغنية عربية تعتمد موسيقاها على أوتار شرقية.

وفيما كانت مشدوهة تحت تأثير الصدمة نتيجة ما رأيت، وبعد أن سلمت جدلا بأني لن أحظى بفرصة "التصبّح" فيروز، وبعد أن فشلت في استغلال اللحظة لمصلحتي وضحك علي الزمن بدلا من أن أضحك عليه، وقعت يدي على قناة تبث مقاطع من حفلة فيروز في ساحة الشهداء. تلك الحفلة التي ملأ صداها الدنيا وشغل الناس. فرحت كثيرا واستمتعت بمتابعتها لبضع دقائق قبل أن تنتهي الفترة وتنتقل القناة الى عرض برنامج آخر.

وأخيرا سمعت فيروز!

 ولكني رحت أسأل نفسي: هل لي الحق ان أفتخر بلبنانيتي؟ نحن نملك مجموعة من القنوات الأرضية التي تدعي الابداع الاعلامي، ولا تعرف ان الابداع لا يتحقق الا اذا عرفنا كيف نستقي من ابداع الآخرين ونقدمه للجيل الجديد.

فيروز، سفيرتنا الى نجوم، هي فنانة لبنانية. وقبل ان تكرّم في دول العالم، علينا ان نكرمها نحن، الذين نشترك معها في الهوية والانتماء ذاته. لكن الواقع المعيب والمبكي هو أن فيروز سقطت عن القنوات اللبنانية الارضية والقنوات العربية طبعا، وان كان لا عتب عليها. فبتنا لا نسمع صوت فيروز الا على الفضائية السورية، فيا لسخرية القدر!

هكذا ابتدأ يومي. وبطريقة ما، انتهى. ولكني لم أنفك اضحك على نفسي طيلة اليوم وأقول في سري: حقاً، ابتسم انت لبناني!