العدد الثالث والاربعون - تموز

عبد الحسين شعبان: الجواهري هو الحلقة الذهبية الأخيرة في الشعر الكلاسيكي

أسماء وهبة
الاحد 19 تموز (يوليو) 2009.
 

من المثير أن نقرأ كتابا عن "الجواهري" أو "شاعر العرب الأكبر" الذي كانت قصائده استمرار لتراث الشعر العربي مع اعتماد التجديد الفني الرفيع من وزن و قافية ولغة واسلوب وموسيقى وجمال واداء. ولد محمد مهدي الجواهري عام 1899 في العراق. ألبسه والده عباءة علماء النجف وعمامتهم وهو في سن العاشرة رغبة منهم في أن يصبح من الشيوخ. إلا أن الجواهري نظم الشعر في سن مبكرة‏ وحينها عرف أن موهبته ستأخذه إلى عالم الشعر. ومن هنا كانت بداية إصداراته الشعرية حتى اشتغل مدة قصيرة في بلاط الملك فيصل الأول عندما تُوج ملكاً على العراق ثم انتقل إلى الصحافة بعد أن غادر النجف إلى بغداد حيث توالت نجاحاته حتى توفي عام 1997 في دمشق عن عمر يناهز الثامنة و التسعين.

وبسبب ثراء شخصية الجواهري ومسيرته الشعرية الطويلة وجد الكاتب والباحث العراقي د. عبد السحيتن شعبان نفسه مدفوعا إلى الكتابة عن صديقه وأستاذه الجواهري. كتب ما عرفه عن الجواهري دون أن يؤرخه بل دون آرائه عن هذا الشاعر الكبير وما كان يرويه له من حوادث. فجاء ثمرة هذا كله كتاب "الجواهري: جدل الشعر والحياة" الصادر عن دار الآداب على الرغم من دراسات دكتور شعبان في السياسة الدولية.

* ماذا أردت أن تقول من خلال كتاب "الجواهري: جدل الشعر والحياة" ؟

أردت تقديم الجواهري الكبير من خلال ملامح صورته الأولى التي انطبعت في ذهني وأنا طفل صغير، لأن الجواهري عاش معنا في البيت بمعنى من المعاني حيث كانت قصائده ودواوينه تملأ مكتبتنا، فنشأت على قراءة أشعاره حتى اكتحلت عيني برؤيته وجها لوجه في عام 1959 ببغداد، عندما صعد بقامته المديدة ليلقي أحد قصائده. ومن هنا كانت بداية صداقة دامت ثلاثين عاما رافقت خلالها الجواهري في محطات مختلفة من براغ إلى دمشق فلندن.

 

 

 

* تقول أن الكتاب ليس قراءة نقدية وليس سيرة ذاتية للجواهري. فكيف تصنفه؟

الكتاب قراءة سيسيو ثقافية لمسيرة الجواهري الشعرية في إطار الأدب العراقي. ومن خلال حياة الجواهري حاولت رصد التاريخ العراقي المشحون بالتوتر والتحدي والتناقض في رؤية شاملة للدولة العراقية منذ تأسيسها. وبالمناسبة لقد عاش الجواهري عقدين من الزمان قبل ولادة الدولة العراقية عام 1921 . وكتب أول قصائده وعرف كشاعر قبل كتابة الدستور عام 1925 . لذلك عندما نتحدث عن الجواهري نؤرخ لقرن من الأدب والثقافة والتاريخ السياسي والدراماتيكي والسوسيولوجي العراقي المقرون بالإبداع والتوترات.

 

* هل لهذا السبب أٍسميت الكتاب "جدل الشعر والحياة"؟

الجواهري شخصية مثيرة للجدل على المستوى الشخصي والعام. فهو الشاعر المقبل على الحياة وفي الوقت نفسه يبدو قادما من أعماق التاريخ كأنه المتنبي الذي جاء ليلون أطياف الحداثة بقصيدة كلاسيكية. وهذا بحد ذاته يخلق نوع من الجدل والإشكالية! فمثلا كان الجواهري يرتدي الطاقية الكردية المكتوب عليها "كردستان" رغم افتخاره بعروبته. وهو ابن البيئة النجفية المحافظة لكنه تمرد على زيه ونزع العمامة ورماها في "الكناسة" على حد تعبيره، وأخذ يرتاد الملاهي الليلية، وكتب قصائد من الأدب المكشوف مثل "جربيني" و"ليلة معها" و"هزي بنصفك واتركي النصفا"..الخ. كما كان يكتب تلك القصائد الفاضحة في بلاط الملك مما أثار ضجة حوله والملك، فعاتبه ذلك الأخير قائلا: "ابني محمد ادرك أين أنت!" وقبل أن يكمل كلامه قال له الجواهري: "سأنسحب". فقال له الملك فيصل: "لا تذهب". وهكذا عاش الجواهري ثلاث سنوات من شبابه بين البلاط الملكي صباحا وفي الحانات ليلا، يسهر ويغني ويرقص طربا بكل جديد، ويتشهى تشهي الأثنى التي لم يتذوقها رغم زواجه!

 

* اعتبرت الجواهري أرض شعرية بحد ذاتها. كيف ذلك وكل قصائده كلاسيكية الطابع؟

هذا صحيح. ولعل هناك من أٍسماه "الحلقة الذهبية الأخيرة في الشعر الكلاسيكي". ولكني أٍستطيع القول أن قصيدة الجواهري الكلاسيكية تختلف عن القصيدة العمودية الكلاسيكية التي نعرفها بسبب اعتماده على صور شعرية حديثة، وإن بقيت من ناحية الشكل على كلاسيكيتها وعموديتها وتمكسها بمنظومة التفعيلة. لذلك الجواهري ليس شاعر فحسب بل أمواج شعرية طاغية. وكل ما فيه يدل على الشعر لأن الشعر يسكن الجواهري. وعندما كانت تأتيه اللحظة الشعرية يترك العالم كله ويبقى وحيدا لأنه يطرب مع القصيدة. وكانت تنزل عليه القصيدة كاملة على هيئة وحي مستمر متدفق يبدأ مثل الينبوع فينفجر ويتصاعد. ولا تهدأ روحه إلا مع إكتمال القصيدة حتى أننا لا نميز أحيانا بين الجواهري وقصيدته من شدة التماهي بينهما إلى حد الإندماج! لقد استطاع الجواهري أن يخضع القصيدة الكلاسيكية لسياق تطورها التاريخي، ولم يبقيها على شكل القصيدة الجاهلية أو العباسية حيث كانت القصيدة ملئية باللغة المفخمة المحشوة بالكثير من الصور، كما اعتمد على روح الشعر وموسيقاه مازجا بين الرسم واللغة الشيء الذي جعل منه حالة شعرية نادرة.

 

* يتهم الشعر العراقي بعدم التعبير عن المعاناة العراقية. هل هذا صحيح؟

هذا الكلام غير صحيح لأن الشعر العراقي كان ومازال وسيلة للتعبير عن درجة تطور المجتمع وانعكاس له. فهو يرى المستقبل ويبشر بأحداثه لأن نصف عقل الشاعر يعيش في المستقبل. أي أن الشعر مسكون بالهم العراقي فيعبر عن المعاناة والمأساة اليومية التي يعيشها المواطن العراقي. وإذا ركز بعض الشعراء على الغزل فهو أيضا وسيلة للتعبير عن الهم العام وإن كان بأسلوب مختلف! فبعض الشعراء حاولوا من خلال قصائد الغزل أن يبثوا للقارىء أحاسيسهم المضطربة وبحثهم المستمر عن الأمان والطمأنينة الداخلية! لذلك المدرسة الشعرية الحديثة في العراق التي بدأت ببولند الحيدري ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي كانت تعبر عن شعور النخبة والمجتمع العراقي الصاعد آنذاك المتطلع إلى الحداثة، فبدأت عملية التنوير التي كانت تعبيرا عن حاجة النخبة لإستشراف المستقبل وإنشاء حركة شعرية وأدبية وثقافية تتماهى مع سوسيولوجيا الواقع العراقي وتعبر عنه.

 

* معروف عنك محاربة التطرف الديني وتدافع عن حقوق الإنسان. ولكن هناك عدة مصطلحات أطلقت على الإسلام منها "الإسلام فوبيا". ماذا يعني ذلك؟

يوجد نوع من "الإسلام فوبيا" في الغرب ضد الإسلام السياسي من جهة وضد الإسلام بشكل عام. وللأسف هناك من لا يميز بين الإسلام كدين وبين الإسلام السياسي، وبين المسلمين والإسلاميين، وبين الإسلاميين والإسلامويين. كما اقترن "الإسلام فوبيا" في نظر الغرب بصعود تيارات متطرفة وعنصرية في أوروبا، والتي انتعشت بعد أحداث 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأميركية حتى أصبح هناك من يعتقد في الغرب أن الدين الإسلامي يشجع على العنف والإرهاب! ومن جهة ثانية يعاني بعض العرب من "الغرب فوبيا" وتحديدا المتأسلمون الذين يستخدمون الدين كإيديولجيا فيعملون على إلغاء الآخر وتهميشه وربما القضاء عليه، فيضيع أحيانا الإسلام الحقيقي بصورته السمحة والرحيمة بين إرهاصات وسلوكيات تلك الجماعات المتعصبة!

 

* هل نحن أمام ظاهرة "الإسلام ضد الإٍسلام"؟

نحن أمام جزء منها كما نواجه تحديان، الأول خارجي يحاول تطويعنا وترويضنا واحتلال أراضينا. أما التحدي الثاني في قوى متعصبة ومتطرفة بعضها إرهابي، تميل لإستخدام العنف، وترفض الإنفتاح على العالم بل جرنا إلى الماضي. وأمام هذا تبدو مهمة قوى التنوير والحداثة والديموقراطية صعبة خصوصا أنها هشة ومحدودة وقليلة التأثير ولم تتشبع بعد بمفاهيم الحداثة.

 

* تتحدث دائما عن ثقافة "الإستقالة" في العالم العربي. ماذا تعني بذلك؟

تعني أن الكثيرون يتشبثون بمواقعهم دون تداول السلطة أو المسؤولية مع غيرهم. ولاحظي أن بعض حكامنا حتى بعد موتهم مازالوا يحكموننا من القبور! فكنت أقرأ في مذكرات أحد الأصدقاء الذي يقول: "عندما أتحدث عن رئيس ميت أشعر أن سيفه موضوع على رقبتي وكأنه على قيد الحياة!" فكيف سيتحدث عن ديكتاتور حي إذا كان يخاف الحديث عن ديكتاتور ميت! وأنا لا أطلب الكثير من المثقف لأنه ليس سوبرمان بل ينتمي إلى ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه وإن كان يختلف عنه من ناحية درجة حساسيته وقدرته على التأثير ودوره في مخاطبة الرأي العام. ولو أخذنا الحالة العراقية كمثال سنجد نوع من الإستقطابات حيث انقسم المثقفون إلى فريقين بعد الإحتلال الأميركي للعراق. الفريق الأول دافع عن النظام العراقي بإستماتة لأن معركته الأساسية مع الإمبريالية والغرب المحتل. الفريق الثاني اعتبر أن معركته مع النظام العراقي فأصبحا ضحية تعاون "بالإكراه" مع قوى متربصة وطامعة بمنطقتنا، ووقع تعاقدات مع البنتاغون للعمل لحسابه في مشاريع بحثية مما جعله بضاعة كاسدة ورخيصة. وعلى كل كلاهما ليس نموذج المثقف الذي نريده، بل نريد المثقف الذي يضع مسافة بين المستبد والمحتل حتى لا يتلوث بأوساخهما!

 

* هل ما نحتاج إليه اليوم هو المثقف العضوي؟

المثقف العضوي حسب غرامشي هو الذي يتماهى مع هموم شعبه أو الفئة الإجتماعية التي يمثلها. وعلى المثقف أن يكون ناقدا إجتماعيا وضعيا حسب النقد الماركسي وللسلطة ولنفسه، لأنه من يتطلع إلى اللانهايات والآفاق اللامنظورة، ويتحالف أحيانا مع المجهول الجميل الذي يرسمه بذهنه أو قلمه أو موسيقاه أو ريشته. وهو الذي يسعى لكي يلون الأحلام بألوان وردية حتى يشكل حالة من اليوتوبيا التي تعتبر جزء من سيروة المثقف وأحلامه غير المتحققة