العدد الثالث والاربعون - تموز

الأخلاق أولاً

منصور عازار
الاثنين 20 تموز (يوليو) 2009.
 

انتهت الحملات الانتخابية وكان يجب أن تكون مناسبة لطرح البرامج السياسية والانمائية وتعبئة الرأي العام، من خلال الحوار حول أفكار المرشح أو الكتلة النيابية التي يمثلها. لأن عملية الانتخاب ليست مجرد تصويت اي شراء أصوات، وتقديم خدمات خاصة واثارة عصبيات مذهبية وعائلية وإقطاعية ومناطقية، بل هي فعل اختيار. والتعبير هو التزام المرشح تجاه ناخبيه ببرنامج يعمل على تنفيذه ويحاسب عليه. فإذا ببعض السياسيين ما ان انتهت العملية الانتخابية حتى اعلنوا أن كل ما قيل كان جزءاً من لعبة انتخابية وهكذا حوّل التمثيل الانتخابي الى تدجيل وتكاذب بين المرشح والناخب.

فهل أصبح الكذب هو ملح السياسة في لبنان؟ ليس في لبنان فحسب اذا استعرضنا السياسات الدولية تبين لنا أنها قائمة على الكذب أحياناً. وها هي حرب الخليج اشتعلت بسبب كذبتين.

الحرب الاستباقية على العراق انطلقت من كذبة أن العراق يمتلك سلاحاً نووياً، ثم تبين أن هذه الحجة كذبة لتبرير غزو بغداد.

كشفت صحيفة ال "واشنطن بوست" الأميركية مؤخراً من خلال التحقيقات مع صدام حسين بأنه كذب على شعبه وعلى العالم، بأن العراق يمتلك سلاحاً نووياً. وينقل عن صدام حسين، أن العراق لا يمكن أن يبدو ضعيفاً لأعدائه وخصوصاً ايران... اعتقد أن العراق يتعرض لتهديد من آخرين في المنطقة وينبغي أن يبدو قادراً على الدفاع عن نفسه".

 

ولا يقتصر الكذب على صدام حسين فقط، لا يمرّ يوم لا تتكشف فيه حقائق جديدة عن أقذر عملية خداع كونية، قادها رجلان اثنان: جورج بوش الابن وطوني بلير....كذبا على شعبيهما، زوّرا الحقائق والمعطيات...تصرفا كزعيمي عصابة يريدان النيل من "الخصم الافتراضي" بأي ثمن وأية وسيلة، وذلك عندما تيقنا من أن العراق في عهد صدام حسين، لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل، ولا صلة له بالقاعدة وأحداث الحادي عشر من سبتمبر على وجه الخصوص.

  طوني بلير وجورج بوش الابن، لم يتصرفا كزعماء لدولتين كبيرتين من المفترض أنهما تجسدان منظومة قيم الحضارة الغربية، وأنهما من موقعيهما على رأس دولتين عظميين، يفترض بهما حماية السلم العالمي والشرعية الدولية، لا أن يتصرفا كأي "بلطجي" يريد أن يفتعل شجارا في الحي.
  هل بلغ الحقد بهما أن يحمّلا ضميريهما وزر كل هذه الضحايا والعائلات والأيتام ؟ ألم يفكرا أيضا بدماء أبنائهما الجنود ومليارات الدولارات، من أين يأتي كل هذا الحقد الدفين، ولماذا؟ و من هو الأخطر على البشرية والسلم العالمي؟ إرهابي قتل عشرة أو عشرين شخصا، أم "رجل دولة" تسبب في قتل مليون نسمة وتشريد أربعة ملايين آخرين.

  هل نحن نتحدث هنا عن رجل دولة أخطأ في التقدير أو التحليل، أم عن رجل كذب وتآمر وزوّر وأخفى حقائق وتصرف بأجندة أخرى غير تلك التي كان يعلنهاعلى الملأ؟ رجل ورّط المنطقة والعالم في حرب لن تنتهي مفاعيلها لسنوات قادمة.

هل يكفي أن يقول لنا بلير بأنه آسف، وأن عقارب الزمن لو عادت للوراء لما فعلت ما فعلت، هل تكفي طقوس الندامة هذه إن مارسها للتكفير عن خطاياه والتغطية على سيئاته؟

  ومثلما حاكمت البشرية الجنرال بينوشيه وهو على كرسيه المتحرك في أرذل عمره، يجب أن تلاحق مشعلي الحروب المجانية حتى لا يستسهلنّ أحد قرار الحرب والعدوان، وحتى نعمم ثقافة عدم الإفلات من العقاب وعدم تقادم الجرائم ضد الانسانية، أليس هذا ما تعلمنا إياه مدارس الديمقراطية وحقوق الانسان ؟!.

طويت صفحة جورج بوش الأبن، بيد أن إرثه الدامي ما زال يطحن عشرات الأرواح البريئة يوميا، فهل يعقل أن يقال لرئيس كاذب: عفى الله عمّا مضى، وهل يمتلك الأميركيون الحق في طي هذه الصفحة، ومن الذي يمتلك الصفح والغفران غير العائلات الثكلى في العراق؟

 

يعتقد البعض للأسف بأن السياسة هي فن الكذب، متجاهلين بأن حبل الكذب قصير، وهو الطريق المختصر الى الفشل. السياسة هي الوعي والقدرة على استباق الأحداث ومعالجتها من أجل مصلحةٍ قومية،

عندما يكذب رجل السياسة عليه ان يستقيل ويرحل لأن السياسة في العمق هي فن ادارة الشأن العام وخدمة الوطن والعباد لذلك هي أخلاق اولاً وهي الالتزام بقيم عليا، يعمل رجل السياسة على تطبيقها من خلال تعاقد نشأ بين القائد المناضل من أجل مثل تساوي وجوده وبين المواطن الذي يجاهد ويصارع من أجل مثل تساوي وجوده أيضاً. وهذا باختصار ما كان وفياً له أنطون سعاده الذي استشهد من أجل قيم وجاهد في سبيلها ولم يساوم ولم يتراجع ولم يعرف الكذب طريقاً.