العدد الرابع والاربعون - أيلول

الوعي المنقوص

سركيس أبو زيد
الاربعاء 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
 

" كلاب حراسة" للنظام القائم. تعبير معروف في فرنسا يطلق على المثقفين والموالين أو التابعين لما هو سائد.

أما في لبنان، الدولة اللادولة، فيتوزع المثقفون على سلطات الأمر الواقع التي تعتمد على نفوذ المال والعصبية الطائفية والحزبية السياسية، والتي تحولت الى مؤسسات سالبة لحرية وابداع الانسان.

هكذا حولت سلطة المؤسسات المثقف بشكل عام الى موظف في شركة /حزب/ طائفة ، وهو بدوره حولها الى وظيفة سياسية للمحاصصة وتحقيق المكاسب والوجاهة ما أدى الى اغترابه عن ذاته لانه اداة والة لغيره.

المثقف الحقيقي ليس حارسا لما هو موجود ، بل قوة نضالية وتغييرية في خدمة ما يجب أن يكون.

ويتميز المثقف الحقيقي عن حامل الشهادات الجامعية العليا التي يلقبها البعض " بالأمية الحديثة"، بقدرته الموضوعية العلمية العقلانية النقدية. فهو يعي الوجود ويعمل على تغييره. لذلك، المتعلم وقارئ الكتب هو نصف مثقف، طالما لم يتحرر من السلطة السائدة ( شركة / حزب / طائفة / نظام) وطالما لم يتجاوز أنانيته وفرديته ويعي اللحظة التاريخية للثورة.

من هنا، تكلم بعض المفكرين عن الوعي الزائف واللاوعي وأضيف "الوعي المنقوص"، اي ادراك أجزاء من الواقع. وهو شكل من الانفصام بين اختصاص محدد دون القدرة على اكمال صورة الوجود ترابط الأسباب والنتائج وعلاقاتها مع الجوانب المكملة في الحياة.

ومن تنظيرات الوعي المنقوص التي راجت مؤخرا، التركيز على المشروع الصهيوني مع تجاهل علاقته العضوية بمشروع الهيمنة الغربية عامة والأميركية بشكل خاص، وارتباطه جدليا بواقع الاستبداد والتخلف في العالم العربي عامة والمشرق خاصة. فلولا ذلك لما تمكن المخطط الصهيوني من أن ينجح ويستمر.

ومن تجليات الوعي المنقوص أيضا، اختزال علة النظام اللبناني بالطائفية. فهذه المصيبة متلازمة مع تركيبة النظام والمجتمع في مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة. وبالتالي، لا يكون الحل الا بتغيير بنية النظام والمجتمع وبناء انسان جديد.

خطورة الوعي المنقوص أنه يفسح المجال أمام انحراف قوى التغيير الى المساومات السياسية على مستوى القضايا القومية الكبرى من خلال تحييد الولايات المتحدة الأميركية والرجعية العربية عن مسؤوليتها ودورها في الدعم المباشر وغير المباشر لاسرائيل .

كما أنه يفتح الطريق أمام صفقات رخيصة والقبول بمكسب سياسي على حساب عملية التغيير الجذري . لقد جربت بعض قوى التغيير دورها من داخل النظام، فما هي الانجازات والاصلاحات التي حققتها؟

هذه بعض نماذج " الوعي المنقوص " والبديل هو خروج المثقف من تبعية السلطة، وخروج الثقافة من أزمتها، وهي اختلال العلاقة بين الوعي والفعل، وبين الوعي المنقوص والفعل العاجز.