العدد الرابع والاربعون - أيلول

الغير هو ذاتُنا من وجه مختلف

محمود حيدر - رئيس تحرير مدارات غربية
الجمعة 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
 

حين يُستأنف السجالُ على نشأة العنف، لا يعود ثمة متَّسع للدفع الرحماني نحو الخير العام. وفي عالم يكتظ اليوم بما لا حصر له من عوامل النزاع، يفيض التساؤل عما يمكن ان يصير اليه معنى الحوار وجدواه. ثمة ايضاً من يمضي بالسؤال عن احتمال نشوء ما يمكن تسميته بـأممية للحوار، تتأسس من المرجعيات العليا للأديان التوحيدية، ومن قوى المجتمع المدني والنخب الفكرية والثقافية في الشرق والغرب.

 هل تنشأ مثل هذه الأممية الحوارية بحيث يكون ذلك حفراً لمسار حواري من نوع جديد، يعيد الاعتبار لنظام القيم والأخلاق في العالم، ويكون له تالياً، فاعلية إحداث توازن خلاّق مع صانعي الشأن الدولي لمنع الحروب، ومكافحة الأوبئة، وصون حق الإنسان في الحياة والوجود؟

الذين عاينوا تحولات العالم الجديد، يؤثرون الأخذ بالحوار، كمدخل لاستواء التواصل بين المختلفين، على أرض الوحدة. يرجع الأمر في ذلك إلى تصورات مسبقة تقوم في الغالب الأعم، على الشعور بأن العالم الذي يقترب من نفسه، لا بد له من أوعية اتصال تنظم أطواره، وتستعيد وحدته على نشأة أخرى. لقد بدا وكأن القرن الحادي والعشرين الذي وُصف بأنه قرن التوحيد العالمي، هو الأكثر وجوباً للحوار والتواصل مما كانت عليه حال القرن المنصرم. وثمة من ذهب إلى أن الصورة لم تلبث إلا قليلاً على شائعة التوحيد، حتى عاد العالم ليسكن أحياءه المغلقة. ثم ليتبيّن لكثيرين كيف استيقظ عصب التحيُّز، ليغدو في خلال وقت قصير، الفاعل الأعظم في إعادة تشكيل نظام القيم.

 تفترض الصورة إذاً، مقاربة للحوار فيما هو مسعى لتعرِفَ الذاتُ صورتها، وفي الآن عينه، لكي تتعرَّف الى صورة الآخر الذي يناظرها، بوصفه شبيهاً لها في الأخوَّة الانسانية. ضمن هذا المحل من الفهم - لا يبدو الغير إلا ما تنطوي عليه الذات من قيم لتبلغ تمامها. فالحوار في هذه المنطقة المعرفية، إنما هو صيرورة الأنا إلى الغير، حتى لَتنبسطا معاً، وبواسطة التحاور على الرضى والقبول.

 لكن المقاربة تفترض فوق ذلك، اكثر من مجرد حوار حول قضية ما. انها تفترض تحويلاً معرفياً وأخلاقياً للشائعة التي تقوم على تلك الثنائية المتنافرة: الأنا/ الآخر. كأن يصير الكلام على واحدية الأنا / الغير تظهيراً لمنحى جديد في فلسفة الحوار. ذلك أن الغير يعني هذا الآخر الذي يمكث فينا، ولا نملك ان نفارقه قط. وهو نفسه الذي سنعقد وإياه صلات هي أقرب إلى محاورات داخلية منها إلى تناظر برَّاني. وإذ يتحصَّل ذلك، يغدو التحاور ضمن واحدية الأنا / الغير بديلاً من السجال العدمي الذي غالباً ما ينبني على فرضية حضور الآخر كنظير سالب للذات. وبهذا يصبح الآخر هو الجحيم بالفعل على ما لاحظه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، في غير مناسبة.

 ولأمر يعود الى تعدد أوجه استعمال مصطلح الحوار، وبسبب من سوء توظيفه في حقول النزاعات السياسية والثقافية والاجتماعية والعقائدية، لحق بالمفهوم التباسات شتى. حتى إننا غدونا نجده في أحايين كثيرة كما لو كان اصطلاحاً يوضع في غير مقامه. فقد جرى تحويره وتحويل المراد منه وفقاً لغَرَضَّيات احتدام المصالح. فالآليات العامة التي ينبغي توافرها لكي يمضي المتحاورون إلى غاياتهم، ينبغي لها أن تلحظ مبدأ الاعتراف، و التكافؤ، والرضى، والتوازن في ما بينهم. ذلك أن التحاور في أحواله، ومبانيه، وغاياته، قائم على الاعتراف والتقابل السويّ. وحقُّ كل فريق، سواء كان فرداً أم جماعة، المشاركة المتساوية المتكافئة، في تقرير الصياغة النهائية، لشكل ومضمون المسألة التي يجري الحوار بشأنها.

لعل الانطلاق من هذا المبدأ سوف ينجز اكثر المسافة المؤدية إلى الصيغة الفضلى للإتفاق المفترض. وبالتالي فمن البداهة ألاَّ يكون الحوار حقيقياً وسوياً في حال الغلبة وعدم التكافؤ، وإلاَّ صارت كل صيغة تنتجها مجالات التحاور، أدنى إلى عملية استلاب، أو هي ادنى الى فعل أمرٍ يلقيه الغالب على المغلوب، ما يؤدي إلى خلل في نظام التواصل، ثم إلى توليد رحلة دراماتيكية مفتوحة على الأزمات ودورات العنف.

لذا، فإنَّ استقامة الحوار على صراط التوازن، والاعتراف، والاحترام، وحرمة تجاوز حدود الغير، يفترض مراعاة جملة من الشروط والقواعد والآليات يمكن إجمالها على النحو التالي:

أولاً: يجب أن يكون اللقاء مباشراً بين المتحاورين، فلا يكون هناك طرف ثالث، أو رابع، يشكِّل حلقة وصل بين الأطراف. وعلى هذا، فإنَّ العلاقة الأفقية والمباشرة بين ضفَّتي التحاور هي التي ينبغي توفيرها أولاً لكي يجري تلاقيهما على نحوٍ سويّ. إنَّ الرغبة بالحوار، هي جدلية معرفية مركبة تكتمل باكتشاف مستمر للذات من خلال العلاقة مع الغير، وبالتوازي مع استكشاف مستمر، وغير نهائي له.

ثانياً: إن أحد الشروط الأساسية التي ينبغي التوافر عليها في أي حوار، هو الموضوعات المشتركة التي يتم التداول بها. على أن ذلك يحتِّم أن يكون هناك لغة مشتركة وواضحة لسائر أطراف الحوار أن تكون اللغة التي يستخدمها كل طرف، مفهومة وواضحة بالنسبة إلى محاوره. بمعنى اوضح، ان تنأى تلك اللغة من الغموض والكمون والريبة، ما يفسد على التحاور بلوغ غايته الفضلى.

ثالثاً: النظر إلى الغير بما هو غير، له وجوده وشخصيته، وله ميِّزاته السالبة والموجبة. وبمعنى محدَّد وصريح: أن يكون لديّ القناعة الكاملة، بأنَّ الغير الذي يشاطرني تبادل الكلمات، هو كيان كامل منفصل عني. ولئن لم أستطع النظر إليه من هذه الزاوية، فسأكون كمن يحاور كائناً أبتكره وفق ما أريد، كأن اصطنعه لنفسي واهوائي، وليس طبقاً لكينونته. إن من غير الجائز أن يحول بيني وبين محاوري أي تباين معرفي، طالما أن الرغبة في الحوار التي تولدت لديه هي نفسها التي تولدت لدي. فلا ينبغي يقف حائلاً دون وصولي إليه، موقع في هرمية ما، سواء كان هذا الموقع أعلى أو أدنى مما أنا فيه. فأياً تكن المستويات الثقافية، الاجتماعية التي يقف عندها المتحاورون ، فإن ذلك لا يشكِّل أي فارق في تكوينهم الروحي، سواء وعوا ذلك أم لا. من هنا، نستطيع أن نفهم معنى كلمة المساواة التي تتبوأ موقعيتها الحاسمة في فلسفة الحوار.

رابعاً: إجتناب إسقاط ما تمتلىء به ذواتنا على ذوات الغير من مسلَّمات. فلو فعلنا ذلك، لاستحال التحاور مجرد صدىً للمتكلم الأول، في حين يصبح من يناظرنا الكلام مجرد سامع للأصداء. فالحوار هو حادث معنوي بين اثنين أو أكثر، يسعيان الى ان يكوِّنا معاً صورة واحدة. ولسوف ننجز المزيد من الفهم كلما قطعنا مسافة إضافية على الطريق الطويل، المكتظ برحمانية التساؤل. فالحقيقة التي نتغيَّا أمرها سوف تأتينا حين نقترب منها على مبدأ النظر الى الغير بعين رحمانية، لا بعين الاختصام والاقصاء والعدوان.

خامساً: الاحترام. ونقطة البداية هنا، تكمن في أن أقبل من أراه أمامي انطلاقاً من حيث هو، لا من حيث أريد له أن يكون. إنني أقبله انطلاقاً من كينونته، كما هو موجود وحاضر أمامي. أن أحترم الغير، هو أن أراه حيث هو، خارجاً عن أي اتهام. وبالتالي أن أنظر إليه خارجاً عن أي نية منِّي بتغييره. أن أحترم الآخر، يعني أن أقبل أن له الحياة إيَّاها التي أُعطيت لي من دون زيادة أو نقصان، فألتقيه حيث هو، وبهذا أكون قد دعوته لكي ينظر إليَّ من حيث أقف، لا من حيث هو يريد لي الوقوف. وفي أي حال فإن  ذلك يتطلب استعداداً مشتركاً لضبط مسالك الأنانية والحدِّ من رغائب النفس وأهوائها وأغراضها.

سادساً: الفردانية، لا نستطيع القول بأننا نتحاور كطرفين، إن نحن نظرنا إلى الغير انطلاقاً من تعميم، يُخرجه من فرادته. فإن هذا الغير هو كائن له هويته الشخصية الكاملة، من قبل أن يكون مجرد كائن في جماعة، أحاوره لأبلغ وإياه حقل الاشتراك. فالصور المتراكمة عن الآخرين، التي تساعد على رسمها غالباً أحداث عشناها مع أفراد تنتمي (باعتقادنا) إلى المجموعة نفسها التي ينتمي إليها هؤلاء الأغيار، هي سجون لا نستطيع بيسر أن نخرجهم منها. ولعل الحاجة هنا تكمن في أن أنظر إلى الغير كغير، من خلال عيني كفرد. وبالتالي، أن أرى إليه شخصاً جديداً، ليس الآن فقط، بل وفي كل آن. كل لحظة حوار معه، هي رؤية جديدة إليه. إنَّ هذا ما يجعلنا نقف أمام بعض ككيانين، متقابلين متكافئين من دون أن يذوي الواحد منا في الآخر. فكما يجب أن أنظر وأرى الغير كما هو، عليَّ أن أسهم في أن ينظر الغير إليَّ كما أنا، وليس كما تنعكس احوالنا وصورنا من خلال التعميمات والأحكام المسبقة.

على ارض رؤية الغير كنظير وجودي لذاتنا. بل كشبيه لنا في الخَلْق، سوف يتأسس معنى جديداً للحوار يقوم في آن، على الواجبية الاخلاقية مثلما يقوم على الضرورة التاريخية. حتى إذا امتدَّت ارض الرؤية تلك، وأتسع فضاؤها، ‌أفلحنا بتلك المقولة المتسامية: الغير هو حقيقة ذاتنا من وجه مختلف.