العدد الرابع والاربعون - أيلول

هكذا تكلم أدونيس: لا أزال أقول بأفكار سعاده

و الأحزاب تراجعت....والثقافة انتهت ونحن قطعان بشرية
الجمعة 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
 

أدونيس ومرمريتا  على موعد مع الغروب والبوح و الأسئلة الكبرى. 

وهذا ما سيقوله أدونيس الإشكالي المثير للجدل والزوابع في حوار مفتوح في السياسة والأدب والفكر والثقافة والدين والمجتمع والقضايا الكبرى.

المكان: وادي النصارى بالقرب من مسقط رأس الشاعر، حيث سيشهد تشريحاً لواقع واستشرافاً لرؤى، وحيث هكذا تحدث أدونيس....

 

 

 راح أدونيس يتساءل... يشكك حيناً ولا يحسم، ويغوص حيناً آخر عميقاً. يشرح الواقع العربي المأزوم كلياً ويرمي على الطاولة حقائق مرة ويدق ناقوس الخطر ويلقي من هناك وصاياه... والصدى ربما رجع... وهو الذي لا يعرف ما إذا كان أدونيس هو أدونيس، لكن ما يعرفه أنه في حالة صراع داخلي حول هويته... ويتساءل: هل أنا كهوية، جاهز ومصنوع مسبقاً وأعيش لتحقيق هذه الهوية المسبقة التي لم أشترك في صنعها؟ أم أنا على العكس أبتكر هويتي باستمرار؟

يميل أدونيس إلى الاحتمال الثاني، ذلك أنه يرى أن الإنسان كائن يبتكر نفسه وهويته ومعناه وذاته إلى ما لا نهاية. حتى أن الموت لا ينهي هوية الانسان المبدع. ومجددا، يصل الحديث الى العلمانية، فيسقط أدونيس الحديث على أرض الواقع ويقول: نشأ جيلنا- والحال لا تزال هي هي- على ثلاثة أحزاب أساسية (البعث- الشيوعي- السوري القومي الاجتماعي) قادت الحركة الفكرية والاجتماعية على مدى 50 عاماً. وهذه الأحزاب تقول - مجتمعة متفقة- بفصل الدين عن الدولة، وتقول أيضاً بتأسيس مجتمع علماني وإنشاء المواطنة بعيداً عن القبلية. لكن النتيجة برأي أدونيس الذي يقولها بأسف: "تراجعت العلمانية، والطائفية ازدهرت والتدين ازدهر... ولو كان التدين فقط على الصعيد الشخصي فلن أكون ضده إنما التدين صار ممأسساً". ويتابع أدونيس: "لا يمكن محاربة الدين بوصفه روحية تنظم علاقة الإنسان وعندما يتعلق الأمر بالروحية، فهذا حق ندافع عنه، ولكننا نحارب تحويل الإيمان الفردي إلى مؤسسة تفرض في البيت والمدرسة والجامعة- واليوم- في الشارع"

هنا، يوجه أدونيس السؤال إلى الأحزاب الثلاثة الثلاثة الأنفة الذكر... فالعلمانية برأيه نضال وممارسة.
يعلن أدونيس أنه لا يزال مديناً لتجربته في الحزب القومي، وأنه لا يزال يقول بالأفكار التي تعلمها من أنطون سعاده. لكنه يعلن أيضاً أن الحزب القومي ابتعد عن أفكاره في فصل الدين عن الدولة والعلمانية، وعن مفهوم

السلالة التاريخية التي انفرد بها. " فنحن- يشدد أدونيس- مجتمع يتكون من ثقافات وأجناس ومصادر غنية ومتنوعة. نحن في أشد الحاجة إلى هذا المفهوم بأن المجتمع وحدة لا تتجزأ وعلينا أن ننتمي للمجتمع بهذا المفهوم (السلالة التاريخية) إلى ما لا نهاية، فالثقافة يجب أن تكون منارة لا مرآة".
ويتوجه أدونيس مرة أخرى بالسؤال للأحزاب الثلاثة: لماذا لا تتفقون بالعمل النضالي على الأقل في العلمانية كمشترك؟ فمن دون علمانية لا معنى لهذه الأحزاب. ويشدد أدونيس: "إن لم يكن الحزب علمانياً وينشط اجتماعياً فلن يغير شيئاً... والأحزاب الثلاثة لم يستطع أي منها إنشاء مجلة فكرية ذات قيمة عالية! وهذا الفشل يحتاج إلى دراسات للاجابة عن هذا السؤال" يقول أدونيس.
ويرى أدونيس أن الإنسان العربي هاجسه الأول هو السلطة، لا الفكر ولا البحث ولا التساؤل ولا البناء... وتجربتنا مع عبد الناصر أكدت أن السلطة لا تفعل شيئاً وحدها.
ويعلن أدونيس أن الثقافة انتهت في المجتمع العربي، وأصبحت مجرد وظيفة. فوزارة الثقافة تقول ما تقوله وزارة الموارد المائية وبقية الوزارات الأخرى في كل البلدان العربية... ويدعو للتأمل في مسألة تراجع الثقافة والتناقض العميق فيها. فالحكم برأي أدونيس ليس على الفرد السوري خاصة، فهو متفوق في جميع الميادين وخاصة في المغترب، فهو ينبغ ويتفوق على الأجانب، وما يقال عن السوري يقال عن اللبناني. يقول أدونيس: "لبنان في مقياس المتعلمين متقدم جداً، لكنه اجتماعياً كدولة، الإنسان فيه مزدرٍى أكثر من أي بلد في العالم. ذلك أن قيمة الإنسان هناك هي بانتمائه الطائفي، وهو يقوّم داخل الطائفة بمدى قربه من زعيم الطائفة. وإذا لم يتم حل هذا الأمر فالكارثة مقبلة".
ويقر أدونيس بأن خللاً كبيراً يحدث على مستوى الجامعات، ففي الخمسينيات كان مستوى التعليم الجامعي أفضل بكثير مما هو عليه اليوم، وهذه قضية يدعو أدونيس إلى دراستها. أما فيما يتعلق بالحرية، فيرى أن ليس هناك حرية بالمطلق في التاريخ، لكن هناك درجات ومستويات للحرية. يقول أدونيس: "الحرية هنا هي حرية أن يقول الإنسان رأيه في أحداث بلاده وثقافتها في السياق المعني... أما معوقات الحرية ليست فقط السلطة- السلطة أكثر تقدماً أحياناً من فئات المجتمع- معوقات الحرية هي المجتمع ذاته. فالثقافة الدينية تقول الحقيقة الأخيرة! والإنسان يؤمن ويطيع ويطبق... وكل إضافة تعتبر تشكيكا بالحقيقة النهائية... فإذا كانت هذه بنية المجتمع فكيف نكون أحراراً؟!
"ليس فقط البشر ليس لديهم ما يقولون إنما الله أيضاً... الله قال كلامه الأخير لنبيه الأخير" يقول أدونيس، ويتابع: "هذا يقتل الدين... والقول أن الدين أتى ليحرر الإنسان ويخدمه هو تأويل خطأ. الإنسان نفسه بات في خدمة الدين. لقد عكسنا كل شيء... يستحيل أن يكون هناك حرية على هذه الأسس".
ويتساءل أدونيس: "ما معنى ثقافة ليس فيها حرية؟! إذا ما قسنا المسافة التي يتحرك فيها العربي كمفكر مقارنة بالأجنبي، نرى أن المسافة فتر فقط". ويضرب أدونيس هنا مثالاً: "التوراة كتاب مقدس وجميع أنبياء التوراة نؤمن بهم نحن المسلمينعلماً أن هؤلاء الأنبياء لا يقولون لنا شيئاً... اليهودي اليوم يستطيع أن ينقد التوراة ويقول إن التوراة ليست مرجعاً وفيها خرافات ويستطيع أن ينكرها... هل يستطيع أن يجاهر أي مسلم بذلك؟!".

أما مشكلتنا مع إسرائيل- بحسب أدونيس- فمزدوجة سياسية ودينية: الأولى ستحل ذات يوم (أياً كان الحل)، أما الثانية فمستمرة لأن ما يحفظ الدين اليهودي ليس التوراة، إنما القرآن الكريم.
ومجدداً واسترسالاً في السياق ذاته، يؤكد أدونيس أن عندنا مشكلة صعبة ومعقدة فيما يتعلق بالحرية، ومن الصعب الوصول إليها كما نحلم إلا (بالانطلاقات) الاجتماعية. "فسورية - يشدد أدونيس- ليست فقط قلب العروبة النابض إنما هي قلب التاريخ الحضاري... لذلك يجب فصل الدين عن الدولة، وإن لم نفعل، فلن نفعل شيئاً".
وبالطبع، في حضرة أدونيس يحضر الشعر... وعنه يقول الشاعر الكبير: " إن عظمة الشعر أنه لا يحدد، مثلما هو الحب، يستحيل تعميم

شكله. فالكلام عن الحب في الكتب لا معنى له... أيضاً الشعر". ويعقب أدونيس: أصدقائي من الشعراء يكتبون ليلبوا رغبات القراء، هم يقولون للبشر ما في أنفسهم... أنا شخصياً أريد أن أخرج قارئي عن نفسه... أن أشعل حرباً في داخله... يتساءل ويقلق ويضيق حتى تنفجر أشلاؤه ويخرج عن نفسه". ويضيف أدونيس: "أجوبتي حول الشعر مختلفة كلياً، فعندما يصبح الشعر وسيلة لأي شيء ينتهي... يصبح جزءاً من السياسة... والمعادلة: أن تكون السياسة جزءاً من الثقافة، فكل سياسة ليست عظيمة إلا إذا تأسست على ثقافة عظيمة... والشعر جوهر ولب الثقافة". ويوضح أدونيس: "الصداقة تحتضن الحب والحب وحده لا يصمد دون صداقة. وهنا مهما كانت القضية، فالشعر ليس وسيلتها فكل شيء وسيلة من أجل الشعر".
وعندما يحضر أدونيس- حاضراً وغائباً- يحضر الحديث أو السؤال عن نوبل. يقول أدونيس: "العرب يهتمون كثيراً بنوبل ولهم فيها أوهام، وحبذا لو انصرفوا عن الاهتمام بها! فلو درسوا وضع الجوائز في بلدانهم لعرفوا وضع نوبل... جوائزنا العربية فيها اعتبارات كثيرة... فائدة الجائزة أنها تجعل الإنسان - بالنظر إلى قيمتها المالية- ينصرف بهدوء إلى الكتابة".
وحول المقاومة وشعر المقاومة يقول أدونيس: "نكتب شعر مقاومة منذ الخمسينيات، وإذا ما قرأناه اليوم نجده انتهى فنياً، فالأحداث أصبحت أكبر منه... شعر المقاومة تحول إلى موضوع إنشاء وبالكاد نجد اليوم صورة فنية... له قيمة تحريضية أو نفسية... لكن بالمعنى الفني والجمالي، لا أجد شعراً مقاوماً بالمعنى السياسي، ليس فقط عربياً، بل في العالم كله. ومقاومة السلاح هي أدنى درجات المقاومة".

ويتوقف أدونيس عند صدور فتوى بضرورة قطع رأس مانيكان قد ينقلب برأي البعض إلى روح وبالتالي الى غواية شيطانية. فيقول: " أهذه مقاومة؟ هذا تشويه للدين... ولم يقل عربي واحد كلمة واحدة ضد هذا الأمر!"

 

ومرة أخرى، يعود أدونيس ويتحدث عن الحرية متوقفاً عند قول ديغول بشأن طلب اعتقال سارتر: سارتر له أن يفعل ويقول ما يشاء. ويعقب أدونيس: "الحر لا يخاف من الحرية، من يخافها هم المستعبدون... الأحرار يدافعون عن الحرية. وعندما نرى المسؤولين العرب يقولون ما قاله ديغول، وقتها، قد نفكر أن للمثقف العربي دوراً... نحن نعترف بالمفكرين والمثقفين كدعاة أو موظفين والموظف لا دور له إلا الوظيفة". ويعتبر أدونيس أن الطابع الغالب على الثقافة العربية هو الهوية الدينية. فمنذ 50 عاماً كان مقياس الإنسان العربي، إلى أي مدى هو قومي وينادي بالوحدة والعروبة، واليوم، بات من يتحدث بالعروبة مدعاة للسخرية.
ويختم أدونيس حواره المفتوح بسؤال عن الهوية: ما الإبداعات الكبرى كتيار في العالم العربي؟ لو تصورنا أن هناك مؤتمراً كونياً لدراسة وضع العالم ولإسهام العالم ببنائه وشارك فيه الجميع... فماذا لدينا لنقدمه على الطاولة من العلوم والمعارف والرؤى الاستشرافية؟ نحن نحتاج إلى آلاف المراكز للبحث العلمي، ولا تنقصنا الأموال ولا العلماء. ويتابع أدونيس: "على صعيد الشعر، ونحن أمة الشعر، لا يوجد منذ 1500 سنة بعد الجرجاني ثلاثة كتب عن جماليات الشعر!"

لكن الحديث عن الشعر والحرية، لم ينس أدونيس فلسطين، فهي "رمزنا الأول، وجودنا ومستقبلنا مرتبط بوضع فلسطين" بحسب قوله.
وفي ختام الحوار، يصل أدونيس إلى زبدة هي: "لا هوية لشعب دون إبداع... نحن قطعان بشرية لا هوية لنا إن لم يكن لدينا إبداع".
ولا ينسى هذا المفكر العتيق أن يترك وصيته للأجيال الجديدة: ثوروا على آبائكم.