العدد الرابع والاربعون - أيلول

أسماء الحاج في " أشد وجعاً من الماء" - شفّافة إلى حد البوح

معمر عطوي
الجمعة 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
 

لا يمكن قراءة قصائد الشاعرة الفلسطينية أسماء الحاج بمعزل عن التفكير في أثر الترحال على تركيب عبارتها وصياغة معاناتها المتنقلة بين بيروت وعمّان ورام الله. ثلاث مدن تشكّل ثالوثاً مركّباً على تماس مباشر مع القضية الفسطينية وتطوراتها اليومية.

دائماً تجد أسماء وقتاً للحب والعاطفة في خضم معمعة الوجع التي تبدأ بالحديث عنها من عنوان كتابها "أشد وجعاً من الماء". يدخل القارىء الى متون الديوان من عنوان الوجع ليعيش في تفاصيله. وجع يتمثّل أحياناً بتجارب عاطفية لم تستمر، وفراق الأحبة، لا سيما أولادها الثلاثة الذين خصّت كل واحد منهم بقصيدة، جعلتها صرخة في وجه من وقف بينها وبينهم.

 

ثمة شعرة رفيعة جداً تفصل بين معاناتها كإنسانة وبين وجعها كفلسطينية فقدت أرضها. لذلك لم تشأ أسماء كما بعض الشعراء أن تفصل الحب عن الوطن، فجعلت قصائدها تركيبة غنية لتجربتين إحداهما عاطفية شخصية والأخرى وطنية. لكن الوطنية هنا لا تخضع لإملاءات الآيديولوجيا ولا تلتزم خطوطاً مرسومة مسبقاً، بل هي التعاطي مع مظلومية الوطن والشعب من منطلق انساني - سياسي.

هي تلك الشاعرة التي عاشت في المنفى وفي جزء من الوطن السليب، فحملت قضيته وراحت تكتبها شعراً وكأنها تقول: ها هو وجعي الشخصي انعكاس لوجع كل فلسطيني بفقد أرضه ووطنه، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل حالة.

أسماء الحاج، تبدو شفافة في ديوانها الى حد البوح بما تعيشه وتشعر به، بل بما تكاد أن تقوم به من فعل رومانسي حالم. هي جريئة في اختيار تعابيرها ومفرداتها الايحائية، تنسج عبارتها بذكاء لافت، بحيث يمكن لمن يقرأ بين السطور أن يكتشف ما توحي به أو ترمز إليه.

وتستطيع أسماء أن توظف الكلمة في عبارتها بطريقة جميلة، على طريقة ليّ عنق اللغة. ففي قصيدتها الأولى "من أنا"، تقول: أنا النار لمن أراد الجنة.. والحور المختبئة في ليل عاشقة.. أنا سنبلة تخبىء مئات الأشواق.. وتضاعف الحب لمن يريد!

أنا السم لأقتل وجعك.. أنا السماء لتعشق حريّتك.. أنا أسماء لا تعشق منها غير اسمك!!

من الواضح أن الشاعرة، وهي زميلة صحافية في المناسبة، متأثرة جداً بالشاعر الراحل محمود درويش، الذي استهلت ديوانها ببيت شعري له يقول فيه "القصيدة تُولد في الليل من رحم الماء". في هذه القصيدة حاولت أسماء أن تستعرض بعض عناوين قصائد الشاعر مثل "أثر الفراشة" و "لماذا تركت الحصان وحيداً" و "كزهر اللوز أو أبعد"، كما قدمت في بضع سطور جردة بأهم أعمال الشاعرالأخيرة في قصيدة تحمل كل الود والاحترام لدرويش.

ذلك كان ، في قصيدتها التي كتبتها بعد وفاة درويش مباشرة (هذا واضح من تاريخ القصيدة)، تحت عنوان "سلام عليك يا فارس الكلمات"، وفيها تقول : يا فارس الكلمات ترجّلت عن الحصان وتركته يعدو في ذاكرة من أحبّوك.. يتوكأ على مناكب القصيد.. يمسح ببيت واحد من ضلّوا الأحبّة.. حلّقت على جناح الفراشة وتركت لنا الأثر ودهوراً من اللوز أو أبعد!

ولعلّ أبرز قصائد الشاعرة: من أنا، فراق، حنين الى الطين، لن أغسل وجهي، رحيل، بحيرة الوجع، القارة المنسية، غيرة، حق العودة، تفاح، أستاذ الموسيقى، قصيدة الى الشاعرغسان مطر وأخرى للشاعر محمود درويش. وقصيدتها المؤثرة لإبنها أمين " قميصك الصغير" وأخرى لابنتها هدى "ابنتي.. أمي الصغيرة"، وقصيدة أخرى لابنها محمد في عيد ميلاده العاشر "لم تكن وحيداً".

يتألف ديوان "أشد وجعاً من الماء" من 54 قصيدة موّزعة على 160 صفحة من القطع الوسط، وهو صادر عن دار عالم الفكر للطباعة والنشر في بيروت، ويتزامن صدوره مع الاحتفالات بمناسبة "القدس عاصمة الثقافة العربية".