العدد الرابع والاربعون - أيلول

بعد اصدارها "القطا في مهب العطش"

نوال الحوار ل"تحولات": أنا ضد تصنيف القصيدة بين نسوية وذكورية...هناك اما شعر أو لا شعر
الجمعة 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
 

أسماء وهبة

 

تجمع بين مهنة البحث عن المتاعب والشعر. احترفت مجال الإعلام الثقافي واستطاعت أن تجذب جمهورا واسعا بعد أن بسطت موضوعات الثقافة دون أن تسطحها، مستثمرة انتمائها إلى عالم المثقفين والمبدعين.

دخلت د.نوال الحوار الشعر من باب جديد بعيد عن الجسد الذي تحاول بعض الشاعرات استعماله لإثبات جرأتهن وقدرتهن على منافسة الشعراء الرجال. وها هي تصدر مجموعتها الشعرية الجديدة بعنوان " القطا في مهب العطش" حيث يجد القارىء نفسه يتصفح الكتاب مستمتعا ليعيد قراءته من جديد.

"تحولات" التقت د. نوال الحوار وكان معها هذا الحديث:

 

" القطا في مهب العطش " هو عنوان مجموعتك الشعرية. لماذا هذه التسمية ؟ وماذا تقصدين بها؟

علاقتي بطائر القطا علاقة قديمة حميمة، ترجع في أساسها الى وجود القطا بكثرة في منطقتنا. كما أن لهذا الطير بذاته أسطورة بدوية تقول أن القطا لا يطير مسافات بعيدة ، ويظل يطارد السراب ظانا أنه ماء الى أن يموت عطشا.

 

كثيرة هي المجموعات الشعرية التي تصدر اليوم على شكل قصيدة النثر. أين تضعين مجموعتك، وكيف تصنفينها؟

 أنا جئت الى قصيدة النثر من قصيدة التفعيلة التي صبغت مجموعتي الشعرية الأولى "قهوة المساء". فقد شعرت بالحاجة الى ارتياد أفاق أخرى ما يعطيني امكانيات تعبيرية أوسع من ناحية التكثيف والايقاع الداخلي. والواقع أني لست المؤهلة لتصنيف مجموعتي الشعرية، بل أدع هذا الأمر للنقاد ، فهم المخولون الحكم على التجربة.

تتميز قصيدك بالصور المكثفة. ألا يأخذ ذلك القارئ بعيدا عن معنى القصيدة؟

الشعر لغة الايحاء والتكثيف واذا كان مباشرا تقريريا سقط في التسطيح. وقصيدة النثر المجردة من الوزن تفقد مبرر تسميتها بالقصيدة اذا جردناها من الصور المكثفة. ولا أرى أن التكثيف يأخذ القارئ بعيدا عن المعنى الا اذا وصل الى درجة الغموض المبالغ فيه والتعمية. لكن عندما تكون الصورة حمالة أوجه ، فهي تدفع بالقارئ الى كتابة نصه هو الأخر كما يشاء.

 

متى تستخدمين الايحاء في القصيدة؟

الايحاء ليس حالة قصدية عندي، بل يفرضه جو القصيدة، وان كنت لا أنكر أني ألجأ اليه كثيرا في قصائدي للتحايل على التابوهات المفروضة علي كشرقية بالدرجة الأولى، وكامرأة بالدرجة الثانية. لأن ما لا يقال في القصيدة يصل بصورة أفضل مما يقال مباشرة. باختصار، أنا ألجأ الى الايحاء عموما حينما يصبح المعنى أوسع من العبارة على حد قول النفري المشهور.

 

كيف استطعت المزج بين الواقع والحلم في القصيدة ، أم أن هذا حال القصيدة النسوية؟

أنا ضد تصنيف القصيدة بين نسوية وقصيدة ذكورية ، هناك شعر او لا شعر. وأعتقد أن لعبة الحلم والواقع يلجأ اليها الشاعر لأنها تمنحه حرية أكبر في الحركة ، فهي مزاوجة بين اليوم بما يحمله من واقعية وآلام، والغد وما يبشر به من مستقبل وأمال. ولا بد لي من اضافة تفصيل صغير، هو أن المرأة أقدر على ارتياد الأحلام من الرجل، باعتبار الحلم نافذة سرية لها في مجتمع ذكوري بطريركي!

 

على الرغم من تنوع قصائد مجموعتك الشعرية الا أن هناك خيطا رفيعا يجمع بينها. هل أردت أن تعبر جميعها عن تجربة شعرية واحدة؟

هي في الواقع تعبر عن تجربة شعرية واحدة ، تماهيت فيها مع القطا. تجربة البحث عن الحب المستحيل ، أشبه ما يكون بمسار سيزيف في الأسطورة. فكلما أوشكنا على الوصول عدنا الى نقطة الانطلاق، وهو حال القطا مع الماء، وحالي مع الحب. ما التنوع في تجليات القصائد الا تقاسيم مختلفة على وتر واحد.

 

أشرت في المجموعة إلى "المرأة البادية": من هي هذه المرأة؟ وكيف رسمتها في قصيدتك؟ وما دورها في شعرك؟

المرأة البادية هي ذلك المزيج من التناقض الذي صهره الزمن في جسد قادر على احتضان الماء والنار معا. المرأة البادية هي تلك الحاضنة للعادات البدوية جميلها وقبيحها، وهي المحكومة بالتقاليد حد الموت، ومع هذا خلقت فسحة لها. رسمت هذه المرأة في شعري كما عشتها وعرفتها، فأنا بنت هذه البيئة وأرغب في أن أكون لسان ألاف البدويات اللواتي يختزن الفطرة الانسانية في أعمق مظاهرها.

 

متى اكتشفت للمرة الأولى أنك صاحبة مزاج شعري؟

ليس هناك من حد فاصل بين أن يكون الانسان شاعرا أو لا. فليست المسألة مسألة اكتشاف بقدر ما هي تراكم منذ الطفولة، تشترك فيه مكونات عدة لتنمية هذه البذرة أو الموهبة. بالنسبة لي، أحد هذه المكونات البيئة البدوية التي جئت منها، وهي بيئة شعرية بامتياز. ثم مكتبة والدي التي وجدت فيها دواوين كانت رفيقة طفولتي وصباي. كل هذه المكونات تفاعلت في روحي ودفعتني الى امتهان البوح على الورق.

 

ماذا عن طقوس الكتابة لديك؟

الكتابة الشعرية عندي ليست طقوسا فولكلورية بقدر ما هي حالة لا أتهيأ لها. حالة تباغتني حتى في أكثر الأوقات اعتيادية. هناك من يقول أحتاج للعزلة حتى أبدع ، وأخر يحتاج الى صدمة، وثالث الى جو معين.أنا لا أؤمن بهذه الطقوس ولا أنكر على الأخرين حقهم فيها. لكن بالنسبة الي، القصيدة لها سطوتها التي تفرض طقسها وزمانها ومكانها.

 

يقال أن الكاتب على غرار العازف، عليه ان يتدرب يوميا على آلته. هل تمارسين هذا التمرين الشعري؟

الكتابة الشعرية ليست وظيفة على صاحبها أن يداوم يوميا في المكتب. والابداع عندي شرطه الأساسي الحرية. وأنا البدوية المفطورة على النفور من كل أنواع القيود، لا أريد ولا أستطيع حتى لو أردت، أن أفرض على نفسي ما أسميته في سؤالك أمرا ميكانيكيا للكتابة الشعرية. أكتب حينما أشعر بالحاجة النفسية لذلك، وقد تمر علي فترات طويلة من التصحر أبتعد فيها عن القلم والورقة، ولكني أعرف أن ذلك يعقبه مطر غزير يروي داخلي، ويدفعني لا شعوريا الى البوح المحبب، المسمى شعرا.