العدد الرابع والاربعون - أيلول

أنشطة بالجملة تحتفي بالكتاب

بيروت عاصمة عالمية للكتاب: استحضار "ثقافي" لعاصمة لا تشبه إلا نفسها
الجمعة 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
 

أسماء وهبة

 

بعد أشهر قليلة على تسمية بيروت عاصمة عالمية للكتاب من قبل اليونسكو تتوقف "تحولات" عند الأنشطة الشهرية التي تقوم بها وزارة الثقافة ودور النشر والمثقفين خلال هذا الحدث. اذ على الرغم من عدم إقبال شريحة من اللبنانيين على الكتاب والقراءة بسبب انشغالاتهم الإجتماعية والإقتصادية والأمنية والسياسية، لا تزال بيروت مدينة النشر الأولى في العالم العربي، لأنها لا تزال تصّدر الكتاب العربي على مختلف أنواعه بشكل يفوق باقي العواصم العربية. من هنا، قد تكون الفرصة مؤاتية لتحويل القراءة إلى فعل حقيقي وممارسة لبنانية يومية.

"تحولات" التقت وزير الثقافة اللبناني تمام سلام لتسأله: ماذا يعني أن تكون بيروت عاصمة عالمية للكتاب؟

يجيب الوزير سلام "أن تكون بيروت عاصمة عالمية للكتاب مشروع فيه الكثير من التحدي، لأنه استحقاق عالمي كبير. وقد عرفت بيروت تاريخيا بأنها عاصمة التأليف والطباعة والنشر والمكتبات. وهذا ليس بجديد. لذلك يجب علينا الإستفادة من هذه التسمية، ولذلك اتخذ مجلس الوزراء قرارا بتوفير الموازنة لتفعيل هذا الإٍستحقاق على مدى سنة كاملة".

ويرى سلام أن أبرز ما تهدف إليه وزارة الثقافة من خلال هذا الإستحقاق هو تعزيز وتنمية وتطوير القرائية خصوصا بين الناشئة. ويتابع: "لأن الكتاب يواجه منافسة شرسة من التكنولوجيا وأدواتها التي جذبت أنظار الناشئة على حساب الكتاب والقراءة. لذلك نسعى إلى تمتين علاقة الناشئة مع الكتاب والتأليف والمكتبات والمطالعة، لأن المعرفة هي وسيلة أساسية لإتخاذ القرار والخيارات في الحياة. وعند غياب المعرفة يسود الجهل وتضعف الخيارات!"

ويرجع سلام أسباب اختيار بيروت عاصمة عالمية للكتاب إلى فسحة الحرية والديموقراطية التي يتمتع بها لبنان، وهي ميزة مهمة لصناعة الكتاب، "فذلك يحفز المؤلف على الكتابة دون قيد. ويخرج أفكاره وعقائده على كتب ويطبعها وينشرها ويروج لها وتوضع في المكتبات دون مراقبة رسمية أو غير رسمية تكبل الإبداع. وهذا يساعد على إغناء صناعة الكتاب في لبنان. لذلك نسعى في إطار بيروت عاصمة عالمية للكتاب إلى تعزيز واحة الديموقراطية والحرية من خلال إقرار قوانين للتأليف والطباعة والنشر والمكتبات".

 

أنشطة ثقافية

من ناحية أخرى يرى سلام أن أهم المشاريع التي بدأت وزارة الثقافة بتنفيذها خلال هذا الحدث هي الترجمة "التي لها حصة وافرة في عملنا لهذا العام" حسب تعبيره، لأنها تعبر بالمؤلف العربي والثقافة العربية إلى الخارج. ويتابع "خلال الأشهر الأولى لهذا الإستحقاق تم إقرار 300 مشروع. وهو رقم مرشح للزيادة. وخلال الأٍسبوع الواحد هناك ما يزيد عن أربعة أنشطة ثقافية ضمن فعاليات بيروت عاصمة عالمية للكتاب. كما ستقام ندوات تجمع العرب من مؤلفين ودور نشر ومكاتب ومطابع".

وفي هذا الإطار تم تنظيم العديد من الأنشطة الثقافية بدءا من تقديم كتاب "دليل لبنان لليافعين" ل "نينا جيد جيان"، الى عقد مؤتمر "قراءات متعددة لمدينة بيروت" الذي نظمته الجامعة اللبنانية. كذلك استضافت بيروت "الملتقى العربي الثالث لصناعة الكتاب وتقنيات الطباعة والنشر" تحت رعاية وزارة الثقافة وتنظيم دار النهضة العربية في بيروت. وأقامت جامعة القديس يوسف- كلية العلوم الإنسانية بالتعاون مع السفارة الهولندية ندوة حول المفكر والفيلسوف سبينوزا حملت عنوان (جرأة التفكير وحريته)، وانطلقت (المقاهي الحكواتية) التي تحاول خلق مساحات قراءة من أجل الأطفال ومن خلالهم خارج أسوار المدرسة. كما أطلقت مؤسسة HIGH FESTIVAL ووزارة الثقافة اللبنانية مشروع (بيروت39) الذي سيجمع 39 كاتبا عربيا شابا من البلدان العربية في محاولة لإنشاء جسر التواصل بين جيل أدبي متمرس أخذ فرصته في التعبير عن نفسه باكرا وأجيال أخرى مازالت تنتظر دورها الإبداعي.

 

مشاريع دور النشر

وبالطبع لدور النشر حصة كبيرة في أنشطة "بيروت عاصمة عالمية للكتاب" من خلال مشاريع عدة مثل دار الساقي التي تحاول استثمار هذا الحدث من خلال مشاريع دينامية ثقافية حقيقية تدعم الكتاب في لبنان وتشجع المطالعة. وفي هذا الإطار أيضا تبنت دار الساقي مقاربة متنوعة للثقافة عن طريق دعوة كتاب وناشرين وشعراء وروائيين وأخصائيين في مجال الكتب ورسامين وأصحاب مكتبات من مختلف الجنسيات العربية والعالمية. وهنا تقول مسؤولة العلاقات العامة في دار الساقي هناء بسما "خلال هذا العام الثقافي الذي تعيشه بيروت ننظم عددا من المشاريع أولها (القراءة للجميع) وهو مشروع لتحويل مجموعة من الكتب الصادرة عن دار الساقي إلى صيغة (البرايل) أي كتب ذات أحرف نافرة قابلة للقراءة من قبل المكفوفين الذين قلما نجد كتبا خاصة بهم، وإذا توفرت غالبا ما تكون كتبا تعليمية. لذلك سنقدم لهم كتب متنوعة تناسب الصغار والناشئة والكبار بدءا من الرواية والقصة القصيرة والشعر وصولا إلى الكتب العلمية".

أما مشروع دار الساقي الثاني فهو تحت عنوان (كيف تكتب رواية) وهو عبارة عن سلسلة من ورشات عمل تنظمها دار الساقي بالتعاون مع وزارة الثقافة وتديرها الروائية نجوى بركات. وتهدف إلى إدخال كتاب مبتدئين إلى "مطبخ" الرواية على حد تعبير بسما لتحفيز مخيلتهم وإبداعهم عبر تمكينهم من تقنيات السرد وتنمية مهاراتهم الكتابية. وتتابع بسما: "تعمل الروائية نجوى بركات مع خمسة كتاب مبتدئين خلال سنة حتى يتوصل كل منهم عبر تطبيق ما اكتسبه من مهارات خلال هذه التجربة إلى تأليف نصوص روائية. وفي النهاية تقوم لجنة تحكيم مؤلفة من نجوى بركات والناشر بإختيار أفضل نص روائي تتبنى دار الساقي نشره وتوزيعه".

المشروع الثالث بعنوان (لقيت كتاب) الذي يطمح إلى تشجيع فئات المجتمع كافة على القراءة من غير تكلفة شراء الكتاب. وهو عبارة عن توزيع حوالي 200 كتاب في أنحاء مختلفة من بيروت مثل محلات تجارية، أفران، مطاعم أو تاكسيات..الخ. وترفق مع الكتاب استمارة صغيرة تشرح هدف المشروع وكيفية تطبيقه، وعلى كل شخص يجد الكتاب أن يقرأه وبعد الإنتهاء من قراءته عليه تعبئة الإستمارة ومن ثم وضع الكتاب في مكان مختلف ليجده شخص آخر.

أما المشروع الرابع، فيتم بالتعاون بين دار الساقي والمخرج رئيف كرم الذي سيعرض مسرحيته "مقام الجدي". وتقول بسما: "يطمح هذا العرض الإحتفالي لتشريع كلمة (الكتاب) على المكتسبات الصورية والصوتية. ويرافق العرض توزيع كتاب بعنوان (طعم الخبز) بقلم رئيف كرم يروي فيه تجربته المسرحية في لبنان".

أما المشروع الأخير فهو "مكتبة عامة في مقهى". وهو عبارة عن استحداث زاوية ثقافية تشبه المكتبة العامة داخل المقاهي مما يتيح للرواد اختيار كتاب من بين مجموعة كتب مختلفة المواضيع واللغات. لذلك قامت دار الساقي حسب بسما "بتوزيع 400 كتاب على حوالي 20 مقهى في مختلف أنحاء بيروت ، ما يسمح للمكتبة العامة بالذهاب للقارىء حيثما هو بدلا من أن يذهب هو إليها. وقد تم اختيار روايات صغيرة الحجم وكتب علمية حتى ينتهي القارىء من قراءتها أثناء جلوسه في المقهى. كما أننا نتمنى أن يستمر تعاوننا مع المقاهي بعد إنتهاء هذه السنة الثقافية".

كلام بسما يؤكده وزير الثقافة تمام سلام الذي يأمل بأن تحظى المشاريع ذات الطبيعة المستدامة بحصة لا بأس بها من مجمل المشاريع التي تم إقرارها ضمن بيروت عاصمة عالمية للكتاب. ويتابع سلام: "ما نطمح إليه هو أن نؤسس لحالة متابعة لمشاريع بيروت عاصمة عالمية للكتاب لتستمر في المستقبل، وخصوصا توعية الناشئة إلى ضرورة تمتين علاقتهم بالكتب لتصبح تقليدا مكرسا في حياتهم".