العدد الرابع والاربعون - أيلول

"كورتاج "... مجموعة شعرية لأياد شاهين:

أسئلة معلقة في فضاء الورق
الجمعة 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
 

يدخل أياد شاهين في مجموعته الشعرية الجديدة (كورتاج ) ، عوالم لامتناهية للروح البشرية، اذ لم يترك وجعاً لم يدخله حيِّز الضوء (القصيدة). يكتب شاهين عوالم غيبية للذات الواعية راجياً احتضارها كحالةٍ فوق أوراقه وهارباً منها في آن معاً. يحترم الموت والحياة والمرأة والقيم التي تربيها والتي تصل بينهما (الأم ،الحبيبة ، الأرض ) . الأنثى التي يشكلها في كتاباته لتغدو ألماً يطبق عليه الحرف والجرح والأيام ، ويسكنه القصيدة لعله يلتئم . هو يكتب تاريخاً على هيئة سؤال، بعد اللغز الطويل الذي يحاول الكشف عنه وهو عنوان المجموعة "كورتاج" الذي يدحض فيه السقوط قسراً، ويصور فيه بمشهدية عالية، سقوط كل أحلامنا بفعل فاعل لا سقوطاً عرضياً. اذ لا يوجد أمّة بين الأمم يجهض كل شيء فيها، دون حد أدنى من الرفض، و يتهّتك رحمها موطن أجنّتها، دون صرخة تدوي ليسمع بها العالم.

هل الحلم هو جنين لم يبق له مكان يحتضنه؟ وإن رأى مكاناً، فهو معرض للقتل العمد مع سبق الإصرار. ربما استطاع شاهين أن يلخص ما يريد قوله صراخاً أم أنيناً خافتاً، في كلمة واحدة ضمنها عنوان المجموعة الأولى التي أتعبها النزيف حتى المقطع الأخير . هو يرتجي الرفض ويعلم أنه في خيبة، ومن أجل ذلك يدون ألمه على هيئة حلم لا يكتمل البتة. فكل شيء مقتول حتى في أحلامه. شاهين يدون انتظار القاتل وهو على يقين بأنه آتٍ لا محالة:

ما أضيع السور حول قصري

ما أضيع السور

وسادتي قاتل مأجور .

الأسئلة التي يطرحها الشاعر ليست فقط جّراء خيبته من حياة كان يود أن يحياها بإباء،  بل تتوالى عليه الخيبات. فخيبة الحب أيضاً تطرح أسئلة لامتناهية ، وهو ما زال ينتظر ليرى آخر أوهامه:

 كم وردة يبست على كف انتظاري

ولم تذبلي على كف الخيال

 كم زورق من الكلمات مات على الرمال  .

 في هذه المجموعة، يجمع شاهين القصيدة التي تعزف أحيانا نغمة موسيقية تذكرنا بقصائد التفعيلة، مما يصيب بعض الجمل بالتراخي ويقيده في إطلاق الفكرة التي أرادها. وأحياناً أخرى، يصيب في جملة صغيرة نثرية تتكثف فيها انفعالاته، ويتركنا أمام فكرةٍ تستحق الإمعان على الرغم من قصرها، لكنها جزلى أكثر من الأولى . لم يتبع الشاعر في كتابته للقصيدة  منحى واحداً أو أسلوباً واحداً، ربما كي لا يضع القارئ في قالب واحد يستولي عليه ، فترك له مساحة من الخيال وقد أجاد أحياناً في ذلك بلغة سهلة واضحة ومألوفة أيضاً:

شهداؤنا هم كل ما جمع الخليفة من غنائم .

يبدو شاهين في هذا الديوان على غرار كل الشعراء الذين لا يملكون غير أحاسيسهم ومعاناتهم كي نقرأها مشاركين ومعنيين بها، ولأنها تمسّنا جميعاً وإن كانت ضمن سياق الذاتية ومغرقة في ألمٍ شخصي يلامسنا بلا شك. من هنا، لا نستطيع أن نقرأ هذه المجموعة بحياد بعيداً عن الشاعر، فوطنه الذي خذله يجمعنا به، والطريق الذي أضاعه لم نلاقيه، وشجرته التي تيبست أغصانها كانت تظللنا يوماً، والمسيح الذي لم يأت إليه ما زلنا ننتظره. فأي هموم هذي بعيدة عنا؟

"كورتاج" لوحة نلتمس فيها الألم والخيبة والرفض المجبول ببعض أمل، ربما لإسناد حلم يغافلنا، فالكتابة حالة وجود لا بد منها في هذه العتمة الحالكة.

يذكر أن "كورتاج" هي المجموعة الشعرية الأولى لأياد شاهين، وهي صادرة عن دار الطليعة الجديدة- دمشق، وتقع في 186 صفحة من القطع الوسط.

سونيا سليمان