العدد الرابع والاربعون - أيلول

رداً على "في داخل كل امرأة عاهرة صغيرة"

...وثائرة
الجمعة 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
 

عندما كانت صغيرة، سمعت أن "المرأة بنصف عقل" وأن "الرجل قوام عليها"، وسمعت أن أخاها الذكر خير منها، وأنه "فرحة العيلة"، وأن يوم مولده كان عرسا تاريخيا للعائلة والجيران والضيعة، فيما كان يوم مولدها خيبة أمل للجميع. وفي سن البلوغ، أدركت أن عليها أن تخجل بثدييها اللذين في طور التكور، وأن تشعر بالقرف من دورتها الشهرية، وأن تطمر أي موطن للجمال في وجهها أو جسدها كي لا "تشد الرجال". وفي سن الشباب، سمعت أن "الرجال ع صباطو" وعرفت أن عليها أن تخبئ عذريتها الثمينة (وهنا أذكر أن نسبة غير قليلة من الفتيات يولدن من دون غشاء البكارة أصلا) لتقدمها دليل طهارة وعفة الى زوجها المستقبلي، كي لا تلطخ سمعة العشيرة كلها التي يبدو أن شرف رجالها المكتملي العقل، رهن بغشاء بكارتها.

وعندما أصبحت امرأة، عرفت أن عليها أن ترتدي وتسير وتجلس وتتزين وتنحف وتغير لون شعرها وعينيها كما يحب الرجال كي تلفت أنظارهم، وأن بامكان زوجها أن يتزوج بثلاثة غيرها من غير أن يحق لها الاعتراض، وأن مكانها البيت والمطبخ، وأدركت أن هناك مهن ممنوعة ومراكز محظورة عليها، وأن عليها أن ترضى بنصف راتب وبنصف طموح لأنها ببساطة...امرأة.

هذا هو الواقع الذي يلازم "أنوثة" المرأة، التي تعتبرها الزميلة كفى عبد الصمد في مقالها "في داخل كل امرأة عاهرة صغيرة"، نعمة وموطن قوة وعصا سحرية تحقق للمرأة كل أمنياتها ورغباتها.

بداية، هناك اختلاف كبير داخل الحركات النسوية في العالم حول مفهومي "الأنوثة" و"الذكورة" وسط الحديث عن مفهوم ال"لا جندر" Genderless ، أي الغاء التمييز بين الذكر والأنثى بحسب الأدوار الاجتماعية المرسومة سلفا لكل منهما، غير أن ذلك موضوع آخر قد نفرد له مقالا آخرا. هنا أسأل: هل تعني الأنوثة "الدلع، والابتسامة الجارحة والنظرة المثيرة والشفتين المكتنزتين"؟ بالتأكيد، حتما، ومما لا شك فيه أن تلك ليست الأنوثة. هي في الواقع من الحقل المعجمي للاثارة الجنسية التي قد يتقنها الرجل كما تتقنها المرأة. وأعود لأسأل: ان كانت امرأة قبيحة المظهر، لا تتقن فن الاثارة، هل يجردها ذلك من أنوثتها؟ هل يجعل ذلك منها ذكرا؟ كلا، هي أنثى. وأود هنا التعجيل بالاشارة الى مغالطة تاريخية شائعة يظن أصحابها أنها أكثر عمقا من تعريف الأنوثة بحسب المواصفات الشكلية الخارجية، وهي تعريف معالم الأنوثة بأنها "الحنان والرقة والدفء وسرعة البكاء". ان كان رجل سريع البكاء، هل يجعل ذلك منه أنثى؟ وان كانت أنثى قاسية القلب، هل يجعل ذلك منها ذكرا؟

ان مفهومي "الذكورة" و"الأنوثة" هما في الواقع كغيرهما من المفاهيم المتحركة، رهن التطور الاجتماعي المتعلق بالعوامل الطبيعية والجغرافية والديموغرافية والاقتصادية والسياسية، ولا فارق بينهما البتة، والفارق الوحيد بين الرجل والمرأة هو في التكوين الجسماني البيولوجي الذي لا يجب أن تنبثق عنه أية فوارق اجتماعية بينهما. لكن للأسف، في مجتمع بطريركي ذكوري، التفرقة والتمييز ضد المرأة، هما أمران أساسيان في حياة كل امرأة حول العالم، وهو أمر أغفلته الزميلة كفى عبد الصمد، معتبرة أن " العالم بأسره يركع تحت قدميها لأنها وببساطة امرأة". وقد أغير هذه العبارة بعد اذن الزميلة كفى لأقول "قد يركع تحت قدميها في السرير، وعندما يخرجان من السرير، يعود الى قوامته عليها وفوقيته وسيطرته غير المبررة اطلاقا".

ومما تقوله الزميلة كفى أن "كلما عرفت كيف تكون عاهرة كلما نجحت في السيطرة عليه واستغلته حتى الرمق الاخير". وهنا أسأل: ماذا تعني كلمة "عاهرة"؟ هل تقصد الزميلة كفى القول أنه كلما كانت المرأة أذكى وأكثر دهاء؟ أم أكثر معرفة بأصول الممارسة الجنسية؟ أم أكثر جمالا وغنجا؟ لأنني في الواقع لا أرى أي ضرر يحدثه أن تحمل المرأة هذه الصفات، وهي صفات قد يحملها الرجل كذلك، لكن التعبير قد يختلف ليصبح "رجااااال"! هي عاهرة، وهو رجااااال!

وتكمل الزميلة كفى لتقول أن "ما من رجل سيء، بل هناك امرأة عاهرة عرفت كيف تجره الى حيث تريد". وما زلت لم أفهم الضرر الذي يحدثه ذكاء المرأة وقدرتها في السيطرة على الرجل و"جره الى حيث تريد". ثم أن ما من رجل سيء وما من امرأة سيئة، وما من رجل طيب وما من امرأة طيبة. انها مسألة تتعلق بشخصية الإنسان بعيدا عن نوع جنسه\ا، ذكرا كان أم أنثى، والمسؤولية تقع على الطرفين معا. قد يغويها هو، قد تغويه هي، قد "يضحك عليها" قد "تضحك عليه"، قد "تجره الى حيث تريد"، وقد "يجرها الى حيث يريد" (وتكون عاقبتها أشد وخاتمتها أبشع لأنها ببساطة امرأة).

ثم تتابع الزميلة كفى لتقول أن " ما من رجل سيء لأنه أضعف المخلوقات "، وهو في سعي دائم الى اثبات رجولته. هنا علي أن أتفق مع الزميلة كفى جزئيا. الرجل كان ضعيفا، ولعل ضعفه الأكبر هو شعوره الأزلي بالنقص باعتباره عاجز عن الانجاب كما المرأة، ولذلك ابتدع قصة "ضلع آدم" ليسد جزءا من هذا النقص وليقول للمرأة: لا تتبجحي بقدرتك على الانجاب، فقد ولدت من ضلعي. لكن الرجل نجح من خلال المجتمع البطريركي في أن "يثور" على ضعفه وأن "يمسك بزمام الأمور وبسلطة اجتماعية لا غبار عليها"، وأن يفرض الحكم الذي يريد والأديان التي يريد (بدأ عصر الديانات السماوية التي تعبد الاله الذكر الواحد وترتكب كل أنواع الاجحاف بحق المرأة، وانتهى عصر عبادة الآلهة الأنثى) والنظم الاجتماعية التي تناسبه. أصبح الرجل قويا. لكن لعل ما عنته الزميلة كفى، ضعف الرجل تجاه الجنس، وهو أمر ينطبق على المرأة كذلك. الإنسان ، ذكر كان أم أنثى، ضعيف\ة تجاه الجنس. وهنا أود الاشارة الى أن في كلام الزميلة كفى على مدى مقالها، نظرة دونية خاطئة الى الجنس تحمل نكهة ذنب "الخطيئة الأولى". ليس الجنس عيبا، وليست الرغبة الجنسية عيبا، وليس ضعف الرجل أو المرأة تجاه الجنس عيبا. انها صفة انسانية، لعلها من أكثر الصفات انسانية بحسب فرويد.

أيتها الزميلة كفى، كلا، ليس العالم لعبة بين أيدي النساء، وليس العالم راكعا تحت أقدامهن، وليست "أنوثتهن" سلاحهن الفتاك الذي يفرش لهن الدروب حريرا.

العالم قاس على المرأة، وصعب عليها، ودروب تحرير المرأة طويلة ومغطاة بأشواك الأفكار التقليدية البالية التي تحملها للأسف الشديد، نسبة كبيرة من النساء قبل الرجال. سلاح المرأة عقلها ولا شيء غير ذلك. ذلك العقل الذي هو ما يجب أن يقدره الرجل فيها من أجل انسانيته بالدرجة الأولى وكي لا يظل يرمى بتهم مثل تهمة أن "عقله بين ساقيه". وان أراد أن يحصر تقديره لها بجسدها وقدراتها الجنسية في اثارته "ليخرج أقصى رجولته"، على المرأة أن ترفض ذلك. لأن ذلك ليس تقديرا بل ازدراء وحطة من قدرها وانسانيتها. على المرأة أن تكون فخورة بنفسها، بوجهها وجسدها كما هما. وأن ترتدي كما تشاء، وتسير كما تشاء وتعيش كما تشاء، لا كما يريد لها الرجل أن تكون. فان أحبها كما هي، كان الحب حبا حقيقيا. على المرأة أن تؤمن بعقلها وبذكائها وبقدراتها وطاقاتها على التغيير، تغيير نفسها والرجل والمجتمع كي لا يعيد انتاج نفسه من جديد.

يجب أن يكون في داخل كل امرأة، ثائرة كبيرة.

 

لين هاشم