العدد الرابع والاربعون - أيلول

منصور عازار يلقي التحية الاخيرة:

دعوة الى العمل النهضوي بلا تعب
الجمعة 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
 

بدعوة من "مكتب الدراسات العلمية"، أقيم حفل توقيع كتاب "التحية الاخيرة" في ضهور الشوير يوم 20 آب 2009 . حضر التوقيع حشد من رجال الفكر والاعلام والثقافة، وتخلل الاحتفال كلمات حول الكتاب والمؤلف لكل من النائب نبيل نقولا ، نقيب الصحافة محمد بعلبكي ، أمين عام الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم بيتر الأشقر، الكاتب والمؤلف نصري الصايغ والصحافي كمال ذبيان.

في هذا العدد من "تحولات"، وتحية منا الى صاحب التحية الأخيرة، ننشر هذه الكلمات.

 

 

كلمة نقيب الصحافة محمد بعلبكي في توقيع "التحية الأخيرة"

 

ألقى نقيب الصحافة في لبنان الأستاذ محمد البعلبكي كلمة في حفل توقيع كتاب "التحية الأخيرة" للأستاذ منصور عازار، جاء فيها:

 

ليس أحب ولا أبهج للنفس من أن يتحدث أخ عن أخيه في مناسبة كهذه المناسبة. فكما قال الرسول الأعظم :" رب اخ لك لم تلده أمك ". انها الأخوة التي تفوق في معناها وفي قدرها أخوة اللحم والدم لترقى الى أخوة الفكر وأخوة النضال من أجل الوطن في اطار الأخوة الصادقة في الوطن.

ولا ارى خيرا في مثل هذا الموقف من ان استذكر ما قاله شاعر العربية العظيم ابو تمام قبل الف سنة:

 

أن يختلف ماء الحياة فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد

او يفترق نسب يؤلف بيننا ادب اقمناه مقام الوالد

 

ولئن كانت شهادتي في الزميل الأعز الاستاذ منصور عازار مجروحة بسبب من هذه الأخوة ، فان ذلك لا يصح ان يحول بيني وبين واجب الوفاء لهذه الاخوة وأن أصدح بالحق في كل حال.

من يوقع كتابه في هذه الأمسية المعطرة بالطيب والتي يدغدغها نسيم ضهور الشوير العليل ، شخصية جاهدت في سبيل اعلاء حركة قومية امنت بها ، فانخرطت في صفوفها في مستهل الشباب، وشخصية نشرت تطلعاتها المستقبلية في الكثير من الصحف ، وشخصية اغترابية حملت افكارها الى افريقيا.

انه منصور عازار رئيس المجلس القومي في الحزب السوري التقدمي الاجتماعي ، صاحب كتاب  "التحية الأخيرة"، وفيه كلام على بدء حياته النضالية عبر انخراطه في الحزب السوري القومي الاجتماعي ورفضه الطائفية ، وايمانه بمبادئ الزعيم المؤسس أنطوان سعادة ، و" بالطريق الخاص الذي اخطته للانقاذ ". وكان سعادة تميز عن سياسيي زمانه بوضعه مبادئ جعلها قواعد لانطلاق الفكر في الدنيا الأرحب.

في رحلته الطويلة مع أنطوان سعادة ، وجد منصور عازار مفكرا كبيرا وقف صادقا ضد الطائفية التي كانت تنخر جسم الوطن والأمة ، ونادى بمجتمع متعدد الاتجاهات والابداعات، وبعروبة حضارية سياسية مرتكزة على " اشتراك امم العالم العربي في نضال واحد بهدف تحقيق المصالح الاستراتيجية الجامعة للعروبة ".

في مذكرات الصديق منصور عازار، تطواف في قلب نهج سعادة المؤمن بحرية الايمان والمعتقد ، وبالمساواة بين جميع الناس الذين يؤلفون أمة واحدة . وفيه كلام مسهب عن علاقته بعدد من الذين وطد معهم صداقات بقيت غير منفصمة على مر الأيام.

ولما اشتدت المصاعب على الحزب السوري القومي الاجتماعي ، ولوحق اعضاؤه من قبل السلطات الحاكمة ، واعتقل زعيمه أنطوان سعادة وأعدم بالرصاص ، ظلت المبادئ التي أمن بها القوميون راسخة في العقول ، ظلت محفورة في الأفئدة بعد رحيل الزعيم.

وفي كتاب منصور عازار ذكرياته في افريقيا . هناك في المجاهل النائية حمل مبادئ الحزب فوق المنكبين ، ولا وهن ولا تأفف. وهناك في غانا حيث حط الرحال، التقى جالية لبنانية شقت طريقها نحو التجارة فنجحت في أعمالها ، وامن بعض ابنائها بما بثه فيهم منصور من فكر قومي . كما شجعهم على العودة الى وطن الأباء والاجداد ، وتوظيف مهاراتهم العلمية والاقتصادية والتجارية فيه. وهو كلما شده الحنين الى وطن الأرز، كان يحمل حقائبه ويعود اليه متأبطا فكرا قوميا لا غبار عليه ، مؤمنا كما كان يقول بان " متاع الدنيا وارزاقها لا قيمة لها عندي".

لقد أتقن منصور عازار دوره الجهادي والنضالي القومي الاجتماعي، ولم يحد عنه قيد انملة. اتقنه وهو في عرين الوطن . واتقنه وهو في ديار الغربة الافريقية القاسية . وتلك هي شيمة الكبار الكبار.

ولما تفرقت بالرفاق السبل ، لم يتردد منصور عازار وأنا معه ، في الاعتصام بسواء السبيل ، حتى انتهى الأمر بافتراق مشهود مع الأجهزة الحزبية ، من غير ان يحول ذلك دون استمرار منصور عازار واستمرارنا معه في خدمة ما امنا بأنه حق، وبأن فيه المصلحة  الحقيقية للامة ، ولسان حالنا قول الشاعر :

 

بلادي وان جارت علي عزيزة  وأهلي وان ضنوا علي كرام

 

وفي كتاب " التحية الأخيرة " مقالات مختارة كتبها منصور عازار في مجلة " تحولات"، وفيها كلام مستفيض عن لبنان الدولة المستقلة ، والعضو الفاعل في الاسرة العربية والمجتمع الدولي ، والذي أجبر الاسرائيليين على الانسحاب من جنوبه فحقق بذلك " انتصارا رائعا للمقاومة وللشعب اللبناني بمجمله الى هذا الكيان السيد المستقل ".

وفيها أيضا يطول الكلام على الديمقراطية في لبنان الحضارة الانسانية ، وعلى المارونية التي كانت منذ نشوئها وحتى اليوم حركة تمدن متطورة اذ كانت كما يقول " نتاج تراث حضاري وينبوع فكر معطاء في حقول الفلسفة والأدب والموسيقى والفن والعمران ومختلف القيم الانسانية الراقية."

وفعلا صدق المؤلف في وصفه للمارونية.

فالموارنة الذين اضطهدوا في العصور الغابرة وسكنوا المغاور مع المؤسس القديس مارون، لهم على الوطن وعلى النهضة العربية أكرم اليد ، وبفضلهم - والبطريرك الحويك في الطليعة - كان لبنان الكبير الذي نستظل فيأه ، ومنه انطلقت الحركة القومية ، واضاءت ثقافته ، ومهدت صحافته الرائدة فيما بعد لانتشار الصحافة في عالم العرب.

هذا ال "لبنان"، امن به منصور عازار قلعة للديمقراطية ونطاق ضمان للفكر الحر، ولن تقوى عليه أبواب الجحيم مهما استغلقت عليه أبواب الجحيم.

وفي الكتاب نظرة لمنصور عازار الى العالم ، وتحديدا الى المنطقة العربية حيث يدور صراع مخيف " يضغط كما يقول على كيانات الهلال الخصيب ويجعلها امام تحد خطير يضعها بين الموت والحياة ، خصوصا بعد ان زرع في قلب هذه الكيانات سرطان خبيث قاتل تمتد مخاطره الى أعماق الوجود الانساني في العالم كله ". ومن هنا، حرص المؤلف الصديق على أن يحذر من الكيان الصهيوني الذي اغتصب ارض فلسطين وشرد أهلها منها وعبث بالمقدسات ، كما امطر لبنان في حرب تموز 206 بنيرانه الجهنمية، ولكن الهزيمة حلت به بفضل مقاومة لبنان الوطنية الباسلة.

 

ان " التحية الأخيرة " كتاب يقرأ من اول صفحة الى أخر صفحة . فهو كتاب مشوق، ما ارتمى مؤلفه الصديق المناضل الا في حضن الفكر القومي الحر ، وما سعى الا الى مجد الأمة المتجذر في تاريخ العنفوان والكرامة.

فيا اخي منصور ، سلمت يداك ، ودمت ذخرا قوميا تنشد الصدق في مسعاك ، وتؤرخ لحقبة غالية  على قلوب محبيك وأصدقائك الذين رافقوك وانت في معمعان المعركة.

فاغرف باستمرار من خوابي الدهر ما يسطر لتاريخ لبنان! واغرف من دنان الذكريات ما طاب لك الغرف من حلاوات يتذوقها الجيل الطالع المؤمن بلبنان وديمومة الوطن وخلود الأمة.

وعلى رجاء أن لا تكون تحيتك في كتابك هذا هي - كما سميته - تحيتك الأخيرة. عشت يا أخ الروح وعاش نضالك الفذ، عاش لبنان والخلود للأمة. 

 

 

 

 

 

 

نقيب الصحافة محمد بعلبكي

 

 

 

 

 

النائب نقولا يحيي المثقف الذي بدد ثروته خدمة للوطن

 

وكان للنائب نبيل نقولا ممثلا التيار الوطني الحر، كلمة حملت كل آيات التقدير لشخص منصور عازار وانجازاته النهضوية الحية:

 

" التحية الأخيرة "...أهو عصارة تجربة شخصية غنية لمنصور عازار ؟ أم هو تأريخ لمرحلة في سيرة النهضة الاجتماعية؟

أهو أنطون سعادة كاتبا بقلم منصور عازار؟ أم هو منصور عازار يحاول استحضار فكر الزعيم ونبضه وحيوية القيم التي فيه ؟

أم هو رهان ذلك المغترب الأصيل على دور الاغتراب في اعادة اللحمة والوحدة الى الوطن الذي مزقته حروب الطوائف والقبائل طيلة الربع الأخير من القرن الفائت ؟

فاما أن يكون لبنان، ونكون، واما لا يكون. لكنه سيكون.

 

اعتبر أن المارونية انبثاق تقدمي من أصول أرامية سريانية، وثيقة الاتصال بالمنهج البولسي
-  نسبة الى بولس الرسول - ذلك النهج الرامي الى تحرير المسيحية من رواسب اليهودية التي علقت في تقاليد بعض المسيحيين المتوارثة ، لتشكل حركة حياة متطورة. فكونت المارونية مصدر تراث حضاري، وينبوع فكر معطاء في مختلف الحقول والقيم الانسانية، وشكل الوطن اللبناني مركزها الأفضل، ليتحول معها، كما اعتبر سعاده، الى دائرة ضمان ينطلق منها الفكر الى المشرق كله .

كتب منصور عازار في السياسة والاجتماع والاقتصاد، بغزارة ونهم، معينه في ذلك عقيدة راسخة مهما كانت الاجابات. انه واحد ممن عايشوا مرحلة الضوء، واحد من أخر حبات العنقود الأولى، بقي ملتزما حد الالتصاق بفكر أنطوان سعادة وبناموسه، مهما تقلبت ظروف الزمن وعوامل السياسة الضيقة ، بما جعله غير قادر على التعايش الا مع الحالة الفكرية التي أنتجها الزعيم ، بصفته مؤتمنا على ارث النهضة ، أمينا على قيمها ، ومجليا في خوض اشراقات أياتها وأسفارها. آمن بلبنان ، وطنا واحدا سيدا ارتضاه اللبنانيون لأنفسهم ، وقاوموا - مغتربين وأكثرية صامتة فيه - نهج التفتيت الذي نهجته ميليشيات الحرب من أي جهة كانت. وقد حدا ذلك به ذات تشرين الأول من العام 1987 الى أن يكتب عن " الاستحقاق الأخير " قائلا :

 

" فأما أن نستحق لبنان ، فيكون لنا ، أو ننكره قبل صياح الديك ، فيكون لغيرنا".

هذا هو الاستحقاق الأخير في عقله ووجدانه. ولا نغفل أبدا دورا للاغتراب أمن منصور عازار فيه، رافعة أساسية لقيامة الوطن اللبناني، وانقاذه من براثن أمراء الطوائف والقبائل، ليتوج انجازاته الكبيرة بهذه " التحية الأخيرة " التي تشكل اشباعا لهواجس العقل عنده ، ولشواغل الوجدان لديه .

 

 أيها الأخوة ،

 

ثمة نفر من الناس، غير قليل، نعرفهم نحن وأنتم، استثمروا القلم والكتابة والصحافة لبناء ثروات مالية لا تأكلها النيران.

بيد أننا لم نقع بعد، على مثقف بدد ثروة لا تأكلها النيران أيضا، لانشاء منبر مشرقي في الغرب، دافعه في ذلك ، كما كتب هو نفسه في العدد، رغبة عميقة في النفس لخدمة الوطن واعادة بنائه على أسس متينة قوامها المعرفة والعلم، وركائزها القوى المادية والروحية.

 

هنيئا لك ، منصور عازار " تحيتك الأخيرة ". هنيئا للنهضة بك ، ولك منا في التيار الوطني الحر ، تحية لن تكون الأخيرة ، على أمل أن نستتبعها بألف تحية وتحية.

 

 

نبيل نقولا

 

 

الى منصور عازار...التحية الأولى والأخيرة

 

 

عندما تسلمت مركز الأمانة العامة للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم ، واجهت الطائفيين ، أصحاب الفكر التصادمي ، وعرفت أن منصور عازار واجه المتاعب نفسها في المؤسسة اياها. قصدته للافادة من تجربته وخبرته في هذا المجال بالذات ، وكانت المرة الأولى التي أبحث فيها معه موضوعا يتعلق بالشأن العام. من الجلسة الأولى قلت لنفسي أن هذا الرجل ، شعلة من الفكر والثقافة والنشاط والمعنويات. وتكررت لقاءاتي به وكنت أستمتع في كل لقاء ، لأنه في حركة تجددية دائمة ، وفي كل مرة كنت أكتشف صفة جديدة لديه. تساءلت مرارا ، كيف يمكن لرجل في سنه ، قاسى ما قاساه في حياته من نكسات في أماله الحزبية والمالية ، أن يستمر بهذا العطاء والنشاط ، ونحن نعلم ، ان ما يحض الانسان على تحويل فكره الى فعل، هو الحلم والأمل بتحقيق هذا الحلم الذي تحطم مرات متتالية وبقسوة ما بعدها قسوة. بالرغم من ذلك، تابع منصور عازار نشاطه الحزبي والفكري بالزخم نفسه : من " المنبر " الى " مكتب الدراسات العلمية " الى " مجلة تحولات " الى كثير من المقالات والنشاطات الفكرية. حتى في موضوع الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، حيث لم يترك لحظة الا وكان داعما وناصحا وموجها، ولا بد هنا من التأكيد على تقديري وتثميني لهذا العطاء.

 

عندما أهداني " التحية الأخيرة " اتضحت اللوحة أمامي بكليتها وبتفصيلاتها الدقيقة.

هذه التحية هي غليان وجداني عن تجربة حياة انصهر فيها القلب بالعقل ، انها نسيج عاطفي رقيق وفلسفي متين محبوك بشكل جمالي رائع.

تكشفت لي اللوحة بشموليتها . فيها سيرة حياة ، بدقتها وتفصيلاتها، وفكر جسّد مسارها الفلسفي النهضوي.

ان ما قرأته في هذه التحية هو سيرة رجل على درب سعادة ، درب الجلجلة الجسدية والنفسية. هل هي درب عبثية كدرب المفكر " ألبير كامو " الذي يحمل الصخرة من القعر الى القمة ويتركها تتدحرج نزولا، ثم يعيدها الى القمة لتتدحرج من جديد، ويعيد الكرة من دون توقف ؟هل هي جلد للذات ليس الا؟ أبدا! فايمانه بفكره وبأمته، وفهمه لفلسفة سعادة ولنقلته القيمية بعمق أعماقها، صهرا شخصيته وحولاها الى شعلة لم يخف وهجها مع السنين. فهي باقية ومستمرة ببقاء الأمة.

" فانسانيتي بكل قيمها وأخلاقها تنبع قواعدها من قوميتي " كما يقول دائما.

فهم فلسفة سعادة بعمقها، وهذا أمر جلي من لغة الكتاب. فاللغة هنا هي الفكر، ولغة الكتاب تجعلك تعيش مع المؤلف حياته الخاصة ووجدانيته، كما تسبر معه أغوار الفكر النهضوي . لم يترك بابا الا وطرقه، ولو بجملة واحدة تعبر عن موقف في أمور أساسية . لهذا، المؤلف قالب من لغة سهلة وبسيطة، تتكشف عن أفكار في غاية العمق. هو مؤلف باختصار جمع بين العمق والبساطة، انه السهل الممتنع.

وأود هنا القول ان فكر سعادة لم يقع في المحظور الذي وقع فيه بعض الفكر السياسي في أوروبا، الذي بدأ عقلانيا وانتهى الى عقائد مغلقة في القرن التاسع عشر ، تمثلت بتوتاليتاريات لاحقة أو حتميات تاريخية ، حدت من فعل العقل والتطور الفكري الفلسفي والسياسي.

العقل عند سعادة ، ظل الحكم الأخير في المنطلق والمسار معا، وعليه تتأسس العقيدة وبه تصحح مسارها في سياق التطور الدائم.

أما مسألة تطور الظاهرات التاريخية ، وتطور النظر اليها ، وطرق التعامل معها، فعالجها المؤلف بايجاز ووضوح ودقة وفهم عميق المعرفة بالعقيدة.

ان فهم قيم سعادة أمر، والعمل بها وبأخلاقياتها أمر أخر مختلف. ولطالما شهدنا هذه المفارقة التي انعكست في معاناة صاحب "التحية الأخيرة" وتفسر بقوله : ( كل حرف مشقة وكل انجاز معجزة..).

منصور عازار، الآن نعرف سر اندفاعك الدائم وكأنك في العقد الثالث من العمر ، أطال الله عمرك وأبقاك معنا لنستفيد من فكرك ونستأنس بضحكتك الدائمة ومحضرك اللطيف .

ان حياتك فعل ايمان ، ولست أدري من منّا يستطيع أن يردد ما قلته في " تحيتك الأخيرة" : " لو يقدر لي أن أعيد صياغة حياتي ، لاخترت الطريق التي سلكتها".

 

 

 

 

بيتر الاشقر

 

 

 

 

 

نصري الصايغ لمنصور عازار: لك... يا من يئس اليأس من أمله

 

 

 

كان عليك أن تيأس ، فلم تفعل .

منتصب القامة، والزمن انحنى مطيعا لأيامك. مشيت ، وها نحن على ركام. بلاد الرافدين تضيع دمها، فلسطين على انتظار، ولم ينهض بعد مسيحها.

لبنان، مقيم في الجبة والصاية، في الجيبة والحقيبة، وفي كل مكان أخر غير لبنان .

وبلد العرب، عالمك ولغتك وحضارتك، مسمولة بنفط فاجر، وأديان تتاجر، وسلطات من عساكر وشعب داجن، ظن أجنحة ماضيه تعوض عن قعوده في اروماته العائلية والقبلية والعرقية والطائفية والمذهبية. من قال أن الدجاج يطير ؟

وأنت عشت على وعد الأمة والحرية والاستقلال والحداثة...فكيف تحتمل أملك المقيم ؟

كان عليك أن تيأس ، فلم تفعل.

 

اكتشفناك في باريس ، وظللت من هناك الجميلة، الخصبة، تطل على بلادك. وكما أقفلت بلادك أبوابها، وعاشت طوائفها، هي هي بالأمس، هي هي اليوم، هي هي غدا. توابيت من كلام وناس وانتخابات ودم. أعود: لما أقفلت بلادك أبوابها، سمعت شطر لبنان المغترب، حفرت في المجهول، فرأيتهم. كما هنا هناك، حضاريون وديمقراطيون وحداثيون. لكنهم عندما يلتقون على لبنان، يقعدون على وثير الطائفية. حتى هناك ، وفوعة الأمل والحركة لم تهدأ ، وصلت الى الجدار ، قلت : نتسلقه .

وكان عليك أن تيأس، فلم تفعل.

مرارا عدت الى وطنك من مغتربك. رفعت يدك بالتحية الأولى ، لمجد سورية الأمة ، من منابت الثلج في زاغروس، الى مواطن الموج في البحر . وهتفت و عملت وكافحت و....

ما بين تحيتك الأولى وتحيتك الأخيرة، ذهب سدى. فلا حزبك حزبك ، ولا أنطوان سعاده نفسه، ولا رفقاؤك يرفقون بحالهم ، بددا بددا ذهبوا . فظللت على ايمانك عاملا . يقلقك السؤال عندما لا يجيب. يحزنك من مات، ومن ظل مسمرا على مقعده المتخثر .

مرارا، حاولت وما وصلت، ما بينك وبين الأمل الضئيل. مستحيل، هممت على اجتيازه . كأنك كنت مذ موت القضايا ، مذ موت الوطن ، مذ موت الفكر ، مذ موت الحرية ، وما بينك وبين الأمل...فشل.

وكان عليك أن تيأس ، ولم تفعل.

فمن أنت ؟

أنت من جماعة آمنت ، وقيل فيها : لو كان لكل ايمان مثل حبة الخردل، وقلت لهذا الجبل انتقل من هنا ، فسينتقل. وقفت، وقلت له انتقل، فلم ينتقل. انما..انما...انما... وهل الصوت، تألفت قبضات، قالت معك : يا جبل الاحتلال زل ، فزال.

لقد كسبت الرهان يا منصور.

من حقك أن تيأس، فلم تفعل.

معك حق ، أملك باحتك. يعود من خلال بنادق المقاومة الاسلامية هنا ، ولا يضير اسلامها في هذا المقام ابدا ، معك حق. املك موطنك ، يعود من خلال أشقاء عقيدتك في التحرر . غزة الذبيحة ، القربانة الأولى في قداس فلسطين ومعراجها الى الوطن، ومعك حق. ان الشعب الذي راهنت عليه ، يقف اليوم امام جبل الاحتلال في العراق ويقول له : زل ، وسيزول.

لقد كسبت الرهان يا منصور.

 

من حقك أن تطرز أملك بما تبقى من عمرك.

فارفع يدك بتحيتك الاخيرة. ولا تول وجهك قبلة الطوائف، فذئابها جائعة للنهش. بل ولّ وجهك قبلة المقاومة، فقواها الحية، بالاشتقاق الديني والعقائدي ، ستغير وجه التاريخ . أليس على ذلك راهنت ؟

نيالك يا منصور. عشت وشفت، شفت المأساة وشفت بداية الخلاص. لذا نبشرك، ونقول معك : لمجدك يا أمتي هذا العمر وهذا القليل.

نيالك، اطمئن! أنطون سعاده ليس مقيما في مكان واحد، له الأمكنة كفعل لا كحرف، كسيف لا كحد، كروح لا كنص .

 

 

 

كمال ذبيان في توقيع "التحية الأخيرة" لمنصور عازار

 

"التحية الأخيرة"، عنوان لكتاب مذكرات، يوقعه صاحبه جالسا أمامنا، يصفع الوجدان ويهز العواطف وهو الذي قال أنها وصيته الأخيرة.

لن أصدق أنها التحية الأخيرة أو الوداع الأخير ، لأن ابن عازار يقوم من بين الأموات وهو دائما يودع الموت ، ويلقي عليه التحية الأخيرة لأنه من أبناء الحياة وتليق به الحياة.هذا الثمانيني الذي يصارع بين الأمراض ويتفوق عليها ، ليبقى معطاءا في كل شيء، وكريما في تكريم المفكرين والمثقفين والمناضلين.

فأنا أوجه التحية الأولى ولن أقبلها الأخيرة لمنصور عازار ، الرجل الكبير الذي ما رأيته عجوزا ، وما خاطبته شيخا، وما تعاطيت معه متقاعدا عن العمل ، وما زرته الا لأبحث معه أفكارا ومشاريع مستقبلية، لأنني كنت أجالس صاحب فكر متنور بعيد عن التحجر. هذا الشخص الذي يعيش المستقبل دائما متطلعا الى غد نقيم فيه ندوة، والى يوم نكرم فيه مفكرا ، والى شهر من سبات ، وعام من النشاط الثقافي.

هذا المنصور ، هو منصور لأمته ، فهو انتمى الى نهضتها السورية القومية الاجتماعية ، في منتصف الأربعينات. فكان خلال مسيرة نضاله الحزبي ، رافعا التحية ، متحديا الصعاب ، فلم ينحن لها. وهو منصور للمغترب الذي هاجر اليه شابا ، فكان نصيرا لأبناء الجالية ، متابعا قضاياهم ، انخرط في مؤسستهم الجامعية اللبنانية الثقافية في العالم ، فتبوأ منصب الأمين العام فيها. وهو منصور للعلم، فقد أسس مكتب الدراسات العملية مطلع السبعينات ، ولم يتوقف نشاطه في سنوات الحرب الأهلية الدامية ، فأصدر الكتب وأقام الندوات والمحاضرات، وكانت السنوات الخمس زاخرة بالنشاط الفكري والثقافي. وهو منصور للكلمة والرأي ، فهو الذي أصدر مجلة المنبر، واحتضن الصحافيين والكتاب الذين هجرتهم من لبنان حواجز القتل على الهوية ، وأبعدهم أمراء الحرب الذين أقاموا دويلاتهم وكانتوتاهم . فكانت منبر المغتربين الى لبنان ، ومنبر اللبنانيين الى عبر الحدود.

وهو منصور للعمل العام ، فقد خاض تجربة انتخابية ، كانت فريدة ، ليؤكد على أن السياسة هي اخلاق، وأن السياسي هو صاحب مشروع وحامل فكر سياسي وليس تاجر سياسة ، أو مخادع ومنافق في السياسة، التي فهمها منصور عازار على أنها أسلوب ووسيلة لخدمة أغراض قومية واجتماعية، وان النيابة هي المكان الذي يكون فيه النائب مرآة الشعب، ليعكس همومه وتطلعاته وطموحه، ويقدم المشاريع باسمه لتطوير المجتمع وازدهاره وتحقيق وحدته بطرد واستئصال الأمراض منه.

هذا المنصور لا يلقى التحية، بل ستبقى يمينه زاوية قائمة، منارة وعبرة لمن حنثوا بقسمهم القومي ، وانحرفوا عن معتقدهم ، وابتعدوا عن قيم النهضة ، واستأثروا بمواقع السلطة فاستخدموها بغير اتجاهها. لكل هؤلاء، ستبقى تحيتك دائما مرتفعة، ولن تكون الأخيرة.

 

 

 

كمال ذبيان