العدد الرابع والاربعون - أيلول

الأحزاب اللبنانية: أزمة فكر أم تنظيم؟ ( 6) -" الحزب التقدمي الاشتراكي "

الوزير غازي العريضي : الأحزاب لم تعط صورة ايجابية في ادارة مؤسسات الدولة
السبت 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
 

" الأحزاب اللبنانية : أزمة فكر أم تنظيم " ملف أطلقته " تحولات " يمتد على عدة حلقات في محاولة لفهم الواقع الحزبي المأزوم في لبنان. في الأعداد السابقة، تناولنا كلاّ من حزب الكتائب والحزب الشيوعي وحزب البعث العربي الاشتراكي والحزب السوري القومي الاجتماعي . وفي هذا العدد، نضيء على واقع الحزب التقدمي الاشتراكي في حديث مع وزير الأشغال والنقل غازي العريضي .

 

كيف تصف واقع الحزب التقدمي الاشتراكي؟ وهل ما زالت أفكاره صالحة في القرن الحادي والعشرين ؟

 

 

بعد الأزمة المالية العالمية تحديدا، يبدو كافيا أن تطبق الأحزاب اللبنانية، لا سيما منها الأحزاب المبنية على أفكار عقائدية، عشرة في المئة من أفكارها ومبادئها، لتطوير مجتمعنا السياسي اللبناني. فما جرى في العالم عامة يؤكد وجهة نظرنا. في الواقع، هناك بعض الحالات الحزبية الاستثنائية التي لا تزال تعبر عن بناء حزبي صحيح وعن جدية في مقاربة القضايا سواء على المستوى الفكري أو السياسي.

للأسف الحياة الحزبية بهذا المعنى الى تراجع كبير . فاذا لجأنا الى مقاربة بسيطة لما يجري على الأرض، نرى هناك مسافة كبيرة بين التطبيق والأفكار والشعارات التي نحملها، والكل يبرر هذا الموضوع على طريقته. الحقيقة أن حياتنا الحزبية الى تراجع مخيف، وكلما تأخر الوقت في عملية النهوض بعملنا الحزبي ستتسع المشكلة . لذلك علينا أن نشخص الحالة بصدق وواقعية، انطلاقا من التجارب لتحديد وابتكار الحلول بصدق وشجاعة. وهذا الأمر يستوجب مراجعة نقدية لتخطي هذه الحالة مع الوقت،

لأننا اليوم نشهد نمو الحالات المذهبية والطائفية على حساب الحالات الوطنية، وهذه الأمراض أصابت حتى أحزابنا. لذا، علينا استدراك الأمر وايجاد الحلول للنهوض من جديد.

 

كحزب عرف أنه عابر للطوائف مع كمال جنبلاط، ما الآلية التي تطرحونها للخروج من هذا الواقع الطائفي الذي يتقوقع فيه الحزب اليوم؟

 

الحزب التقدمي الاشتراكي أصيب بنكسة كبيرة في حرب الجبل بالرغم من انه انتصر بشكل عام بقيادة الخط العربي الوطني للدفاع عن العروبة ووحدة لبنان ومواجهة المشروع الانعزالي واسرائيل. لكن هذه الحرب تركت أثارا سلبية على الحزب خصوصا في ما يتعلق بحالات التهجير، فلبس الحزب لباسا مذهبيا شئنا أم أبينا. لكن هنا أسجل ملاحظة مهمة: كل رفقائنا الحزبيين في كل المناطق غير الدرزية، استمروا في انتمائهم والتزامهم لمبادئ وأفكار الحزب رغم تعرضهم لمضايقات وممارسات سلبية. غير أن الحزب قصر في التعاطي مع هذه الحالة. وقد تم العمل لاستعادة الحضور في المناطق غير الدرزية، ونجح الأمر في بعضها نسبيا، وجمد في أماكن أخرى بسبب تطورات وظروف معينة ، فحصل انكفاء من جديد.

كما أن هناك موضوع أخر هو التعاطي السائد مع قيادة الحزب على مستوى الدولة، على اساس طائفي ومذهبي ان كان في الوظيفة والخدمات والسياسة والوزارات، على الرغم من أن الحزب موجود خارج النطاق المذهبي.  وهذا أمر أثر على بنية الحزب وقلص من امتداده.

اما المشكلة الثالثة فتتلخص في المغريات السياسية والغرق في منطق السلطة والخدمات ضمن واقع اجتماعي صعب. هذا كله أدى الى تراجع في العمل الحزبي. لكن قريبا ستتم الدعوة الى جمعية عامة تعقد وتكون مخصصة للشأن التنظيمي، في ظل نقاش داخلي حول أصل المشكلة: هل هي في التنظيم أم فينا نحن كأفراد؟ وأنا مقتنع أن المشكلة فينا نحن وليست في التنظيم.

فاذا تم تعديل النظام الداخلي وقدمنا أفضل ما هو معتمد في الدول الارقى في العالم، وليس لدينا الكادر البشري المتمسك بالقيم والمقتنع والقادر على التفاعل والعمل الحزبي الصادق، لن يكون هناك قيمة لهذا التغيير.

 

ما هو واقع العنصر الشبابي داخل الحزب؟ وهل هناك رؤية معينة لتفعيل دور الشباب؟

 

 

 

لطالما شكل الشباب ظاهرة اساسية مهمة في الحزب. ويسجل لوليد جنبلاط أنه أطلق حركة شبابية على مستوى الجامعات والعمل السياسي والطلابي والمنظمات الشبابية .

فشباب الحزب يلعبون دورا اساسيا ولديهم هامش واسع في التحرك. وفي مرات كثيرة، اتخذوا مواقف من دون العودة الى قيادة الحزب.

بصدق أقول أن لدى الحزب كادرات شبابية ممتازة، والنائب وائل أبو فاعور هو خير مثال على ذلك، فهو نتاج هذه الحركة الشبابية . وهذه الطاقات والكادرات مؤطرة في عدد من المؤسسات الحزبية، منها الدراسات الجامعية التي تقوم على أفكار الشباب ذوي الكفاءات العلمية والمعرفية. بالطبع، المطلوب هو المزيد من العمل والتركيز المستمر على الجانب الثقافي. وعندما نتحدث عن الثقافة، نقصد الفن والشعر والموسيقى والأدب والبيئة.

فالأحزاب قامت في الأساس على هذه المبادئ والقيم، فكيف حين نتحدث عن حزب كمال جنبلاط صاحب أوسع موسوعة علمية وفكرية، يمكن أن تنهل منها المزيد من الأفكار.

 

 

 

ألا تلاحظون ابتعادا حزبيا عن فكر كمال جنبلاط؟

 

هناك عوائق كبيرة في هذا الموضوع لعدة اعتبارات. يوجد بلا شك حالة طائفية ومذهبية، وما حصل منذ أربع سنوات حتى اليوم يثبت ذلك. هناك انقسام سياسي كبير وهذه الفترة من تاريخ الوطن ليست عادية، فقدنا فيها سنوات من الحياة السياسية، ومن يقول غير ذلك هو مكابر ومخطئ.

وكل من يدعي أنه لا يتحمل جزءا من المسؤولية في هذه الفترة هو مكابر ومخطئ أيضا. هذا التشنج انعكس على الأرض قطيعة وصلت الى كل الاتجاهات ان كان في السياسة او حتى في الحياة الاجتماعية والاعلام. فانقطعت وسائل الاتصال والتواصل بين الناس والشباب والاعلام . فكيف يمكننا في هذه المرحلة التحدث عن الفكر والشباب؟ انها مرحلة فقدنا فيها كل شيء.

وهنا أسأل كما كنت دائما أسأل: هل من حزب ليس لدى شبابه مشكلة في التعليم والنقل والزواج وفرص العمل والهجرة والفقر والمشاكل الاجتماعية؟ هذه مشاكل تعني كل اللبنانيين . فأين الشباب من مناقشتها؟ أين النقابات والاحزاب من مناقشتها؟ ما فعلناه أننا تمركزنا وراء متاريس لنطلق على بعضنا كل أشكال الاتهام والتخويف والتخوين . حتى في مجلس الوزراء، كنا نناقش قضايا تتلاقى فيها الآراء بين جميع القوى السياسية وبشكل مباشر، ولم نكن نصل الى اتفاق حولها بسبب الانقسام الحاد على الحلبة السياسية. من هنا، يظهر بشكل واضح مدى خطورة ما نحن عليه، والأثر الكبير المتروك على الشباب والنقابات والحياة السياسية والحزبية.

 

هل لدى الحزب رؤية أو مبادرة للخروج من هذا الواقع الحزبي والوطني المأزوم ؟

 

 

لدينا جمعية عامة مخصصة للشأن التنظيمي وستتضمن مناقشة هذه المسائل كلها. أما لناحية المبادرات، فقد كانت مبادرة من قبل الحزب منسجمة مع سلسلة مبادرات سياسية لكسر حدة الانقسام والعودة الى الانفتاح والتواصل .

كما أطلقت جبهة التحرر العمالي، وهي الجسم النقابي داخل الحزب، مبادرة تحت عنوان "وحدة الحركة النقابية في لبنان" وهي تقوم بسلسلة اتصالات ولقاءات مع النقابيين والقوى السياسية.

وهذا الأمر ينطبق على الشباب في ترتيب الوضع الداخلي والانطلاق في حركة شبابية بادرنا الى الشروع بها.

نحن في هذه المرحلة أمام سؤال جدي: هل يمكن أن يستمر الوضع في البلد على ما كان عليه ؟

الجواب أن لا بديل عن الحوار بين اللبنانيين. ما نريده في هذه المرحلة هو الخروج من دائرة الأخطاء واعادة تقييم التجارب. كلنا أخطأنا ، وعلى الجميع ان يبادر للتلاقي.

المطلوب هو حوار مفتوح ودائم بين جميع القوى السياسية، والحضور على مستوى كل القضايا وكل المناطق. كما على الجميع ان يعترف بالاخر، وخصوصا من يتحدث عن مبادئ وعقائد وافكار ومواطنية. هذا ما يجب أن تكون عليه الحياة السياسية، لننتقل لاحقا الى الأهم، أي بناء الدولة .

وهنا بكل تواضع أقول، أن كان لي تجربة مؤخرا في وزارة الأشغال، أثبت من خلالها قدرة الدولة على الحضور، واحتضان الناس، وقدرة القطاع العام على الانتاج. والاستمرار في هذا النهج هو رهن بالقوى السياسية للشروع في بناء الدولة ، ليس دولة المحاصصات والزواريب والمناطق والطائفة.

للأسف، الأحزاب لم تعط صورة ايجابية في ادارة مؤسسات الدولة، انما غرقت في منطق المحاصصة والطوائف. حتى الأحزاب العلمانية غرقت في هذه اللعبة وأساءت الى نفسها وأفكارها ومصالحها.

 

كيف ترى دور المثقف في الواقع الراهن؟

 

للمثقف دور كبير يقع على عاتقه، فهو الناقد والمراقب الذي يعكس الواقع بأفكاره وفنه ورؤيته، ومن المعيب أن يتحول الى مثقف سلطة. للأسف، هناك من المثقفين من يضعف أمام السلطة والمال، وهناك أمثلة كثيرة ومعيبة، عن مثقفين وقعوا في أفخاخ المغريات المادية. ونتيجة ذلك، نحن نشهد غيابا للحياة السياسية واختلافا في المعايير والاختيارات. وبتنا نجد أنفسنا أمام أسئلة كثيرة: ما هي معايير اختيار الوزراء؟ ما هي معايير اختيار المدراء العامين؟ للأسف، نحن أمام اشكالية غياب المعايير، اذ لا يوجد توازن بين الولاء والانتماء والكفاءة.

 

حاوره زاهر العريضي