العدد الرابع والاربعون - أيلول

انكماش اقتصادي، فوضى سياسية - أمنية - اجتماعية

هل تبقى مصر دولة مستقرة؟
السبت 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
 

منذ أواخر الخمسينات وخلال الستينات، كان لمصر دور اساسي ليس في المنطقة العربية فقط بل في ارجاء العالم الثالث قاطبة .وشكلت الوحدة مع سوريا وكذلك الانفصال عنها تأثيرا سياسيا مصريا في سوريا ولبنان، واضاف انقلاب العراق عام 1958 توسعا للدور المصري ناهيك عن انقلاب اليمن والوجود العسكري المصري الذي اقر لمصر دورا في دول  الخليج العربي. والى الغرب، كان دعم الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي شغل مصر الشاغل، ومحط متابعة من قبل القوى العظمى التي لم تتوان عن اتخاذ قرار بالحرب على مصر وشن العدوان الثلاثي الاسرائيلي والبريطاني والفرنسي اثر الاعلان عن تأميم قناة السويس. وفي داخل القارة الافريقية كانت مصر تدعم حركات التحرر من الاستعمار البريطاني والفرنسي والبلجيكي والبرتغالي. وقد شكل مؤتمر باندونغ عام 1955 واعلان ائتلاف عدم الانحياز الدولي بقيادة الهندي نهرو واليوغوسلافي تيتو والمصري جمال عبد الناصر، حالة اساسية وهامة في النظام الدولي ما وسع دور مصر على الصعيد الدولي. ونذكر في تلك الايام أن الصحافة المصرية وتلك المتعاطفة معها في الدول العربية كانت تنشر أخبارا عن ان الجمهورية العربية المتحدة (وهي الاسم الذي كان يطلق على مصر من عام 1958 ولغاية 1971 ) هي الدولة الكبرى الخامسة في العالم. 

بعد عام 1967 والهزيمة الكبرى التي منيت بها مصر في حربها مع اسرائيل و وقوع صحراء سيناء وقطاع غزة الذي كان تحت الادارة المصرية تحت قبضة الاحتلال الاسرائيلي، لم تتراجع اهمية مصر ولا دورها، بل أخذت تعد العدة لحرب جديدة مع إسرائيل، واستطاعت في تشرين الاول عام 1973 عبور قناة السويس واستعادة هيبتها. ونشير هنا ان مصر استطاعت بعد حرب 1973 ان تشن حربا بسلاح النفط على اسرائيل والغرب، وقد انضم اليها في حينه شاه ايران صديق الغرب بناء على حسابات خاصة به، كما قطعت جميع الدول الافريقية علاقاتها الدبلوماسية مع اسرائيل وشكل ذلك نصرا سياسيا كبيرا لمصر. 

بدأ تراجع دور مصر منذ اعتماد الرئيس أنور السادات سياسة السلام بعد كامب دافيد 1978 . فانعزلت مصر عربيا وتراجع دورها المذكور انفا بشكل مثير لمصلحة إسرائيل. وهنا، لابد لنا ان نشير ان تراجع الدور السياسي بالترافق مع تراجع الاقتصاد والتنمية في مصر. ما أسقط الحجة التي تدعو الى السلام كيفما كان على طريقة كامب دايفيد طمعا بالتنمية والتطور الاقتصادي، وهي حجة استخدمها مروجو كامب دايفيد وأسلوب السلام الذي يتضمنه من اجل تقديم وعود السلام بأنها تجلب الثراء والرخاء. لكنها في الحقيقة جلبت الفقر والتخلف، وبات المصريون المعروفون بروح النكتة يرددون "فين مصر بتاع زمان". 

في العام 1981، وصل الرئيس مبارك الى الحكم بعد الاغتيال المثير للرئيس السادات. وتميز عهده بالتمسك بعملية السلام على الاسلوب الكامب دايفدي، الامر الذي ادخل مصر في مسيرة تراجع لم تتوقف لتاريخه . ان قرار الرئيس مبارك بعدم تعيين نائب له منذ استلامه للسلطة وما يحكى عن التوريث، ادخل مصر في دائرة المستقبل المشكوك به والحامل لاوجه القلق على المصير خصوصا في ظل الاوضاع المتدهورة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. 

هذه الدراسة اعدها عتاة اليمين الاميركي المحافظ والمفترض بهم ان يحافظوا على هذا الحليف الاستراتيجي. وهذا جدير بالتوقف عنده لانها لو صدرت عن جهات مناوئة لقامت الدنيا ولم تقعد، ولتتالت ردود الفعل القوية كما يحصل عندما يسمع اصحاب السلطة في مصر اي انتقاد لهم. 

كلمة نضيفها وهي ان السبيل الوحيد لاستعادة قوة مصر وازدهارها ودورها المفقود ليس التلهي بالكلام عن خطر ايراني مزعوم، ولا بتحريك النزعات المذهبية التي رفضتها مصر عبر تاريخها الطويل. بل هو وبكل صراحة، انهاء العمل بهذا النوع من سياسة السلام الموعود والعودة الى سياسة المواجهة نعم المواجهة، لانها وحدها التي تضمن لمصر استقرارها وتعيد لها قوتها وازدهارها الاقتصادي. 

 

 

 

كتب الدكتور علاء الدين الأعسر دراسة نشرتها صحيفة الشرق الأوسط بعنوان "هل مصر دولة مستقرة؟"، تحدث فيها عن الوضع السياسي والاقتصادي والأمني في مصر، والتحديات التي تواجه النظام المصري والشعب المصري على حد سواء، متسائلا ومجيبا: ماذا يخبئ المستقبل لمصر؟

والدكتور الاعسر هو استاذ سابق في اللغة العربية ودراسات المساحة في معهد الدفاع اللغوي وفي معهد مونتري للدراسات الدولية، وهو مؤلف "الفرعون الأخير:مبارك ومستقبل مصر الغامض في شرق اوسط متفجر"، وقد منعت الحكومة المصرية كتبه. وقد جاء في دراسته:

 

 أتم الرئيس المصري حسني مبارك عامه الثامن والعشرين في الحكم، في حين يبدو مستقبل مصر ضبابياً أكثر من أي وقت مضى. فالمجتمع المصري قد أصابه الركود، وبينما يفتخر المصريون بتراثهم الذي يعود إلى آلاف السنين، هم يبدون متشائمين حيال مستقبل بلدهم، لأنهم غير واثقين ان كان باستطاعة مصر ان تنجو بسلام من الانكماش الاقتصادي ومن انتقال السلطة المقلق بعد عجز او موت الرئيس ذي الثمانين عاماً.

في الواقع، عندما وضعت إدارة الرئيس الأميركي باراك اوباما مرة أخرى سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط حول مدة تولي الحكومة المصرية، قام العديد من المصريين - ومنهم المتحدث الصحفي الشهير "عبد الحليم قنديل" - ليعلنوا أن حكم مبارك هو على شفير الهاوية.

اقتصاد ضعيف...الى مزيد من التدهور

يشهد الاقتصاد المصري حالة مضطربة. فوفق إحصائيات المنظمات الدولية تصل البطالة المصرية إلى أكثر من 20%، ما يعادل ضعف إحصاء الحكومة الرسمي. وتدني فرص العمل هو حالة سارية؛ فوفق الشفافية الدولية، تتربع مصر على قمة البلاد العربية في مستوى الفساد السائد لديها. أما معدل التضخم، فيستمر بالارتفاع ضاغطاً بشكل متزايد على العاطلين عن العمل وعلى الفقراء والكهول.

وفي نيسان من عام 2008 ارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى 20%. والفجوة بين الغني والفقير تتعاظم باستمرار. ربما هناك ثلاثة ملايين مصري يعيشون في فيلات أنيقة فخمة مثل مناطق الرحاب والشروق وشرم الشيخ، ومارينا ومرتفعات المقطم، بينما يعيش ما نسبته أكثر من 44% من سكان البلاد بأقل من دولارين يومياً. فأقل من 20%من المصريين يمتلكون ما يقارب 80% من ثروة البلاد.

مبارك وحزبه القومي الديمقراطي لا يمكنهم الهرب من المحاسبة، بما أنهم كانوا في أساس السيطرة على الاقتصاد لأكثر من ربع قرن.

عندما تسلم مبارك السلطة كان الاقتصاد المصري بحال أفضل بكثير من الآن. لقد كان دخل الحكومة العام 8.3 بليون جنيه مصري عام 1981. ومن عام 1986 إلى عام 1987 تضاعف الإنفاق تقريباً من 13.2 بليون جنيه مصري إلى 22.2 بليون.

كما ازداد عجز الميزانية من 4.9 بليون عام 1985-86 إلى 8.7 بليون عام 1986-87. وجاء في نتيجة بحث الاقتصادي الأمريكي "إبراهيم م. عويس، وهو خبير في الاقتصاد المصري، انه منذ أواسط عام 1980 " أصيب أساساً الاقتصاد المصري بركود"، إذ بلغ معدل نمو الناتج الوطني الإجمالي بالنسبة إلى الفرد الواحد، الصفر تقريباً.

لم يكن مبارك قادراً على إجراء إصلاحات ضرورية للقضاء على البطالة والتضخم، ومسائل الإسكان، وأزمة الغذاء، والاحتياجات المصرية الأخرى الملحة.

خلال العقد الماضي، فقد الجنيه المصري نصف قيمته تقريباً مقابل الدولار الأمريكي. ويفيد التقرير الحديث لـغولدمان ساكس ان هناك سقوط اكبر أي  انخفاض اكبر في قيمة العملة قد يلوح في الأفق. وقد وجد التقرير أنه: "دون انخفاض أكثر في قوة العملة الشرائية للجنيه المصري، فان المصرف المركزي المصري قد يتعرض لخسائر كبيرة في صرف الاحتياطي الأجنبي، لكنه يؤجل فقط الضبط الضروري الذي لا يمكن تجنبه". فاذا كان لا بد من تخفيض قيمة العملة، فإن كلفة المعيشة سوف ترتفع لأن مصر تعتمد على الاستيراد لكثير من السلع والخدمات. وهذا سيؤدي إلى جر عدة ملايين من المصريين إلى تحت خط الفقر وهم ممن يجاهدون للحفاظ على اكتفاء عائلاتهم الذاتي.

ينبغي على مصر أن تهتم بموضوع صرف العملة الاحتياطي الأجنبي الذي كان يراوح بشكل قوي بين أعوام 1997 و2001، والذي انخفض إلى النصف من 30 بليون دولار أمريكي إلى 15 بليون قبل أن يستعيد قيمته بـ31 بليون عام 2008.

على أي حال، بعد موضوع نيسان 2008، قد لا تملك الحكومة المصرية الإرادة السياسية لتخفيض قيمة التداول وبذلك تتعرض لاستنفاذ الصرف الاحتياطي، الذي بالمقابل، قد يقيّد قدرتها على تثبيت تداولها ذاته.

هناك مؤشرات ضعيفة حول استطاعة الحكومة المصرية وقدرتها على تحويل هذا الوضع. فالنمو السنوي ليس كافياً لامتصاص دخول جديد إلى سوق العمل.

ووفق تصريح وزير التجارة السابق في مصر "احمد كويلي" فإن النظام التربوي المصري لا يحضر الطلاب بشكل ملائم لاحتياجات سوق العمل، والذين ينجحون يغادرون في اغلب الأحيان إلى البلاد التي يتمكنون فيها من الحصول على فرص أفضل للكسب وفرص اكبر للعمل.

ووفق منظمة العمل الدولية في الأمم المتحدة، سيكون دخل العمل اليومي للفقراء بحلول العام 2015 جزء من الدولار في اليوم الواحد، وقد ينمو إجمالي الناتج الوطني بمقدار 4-5 % سنوياً. مع العلم أنه لكي يصل دخل العمل اليومي للفقراء إلى دولارين في اليوم الواحد حتى العام 2015، على الناتج الوطني الإجمالي أن ينمو 8-10 % في العام الواحد. وتجدر الاشارة الى ان معدل النمو المصري قريب من 3% في هذا العام، وسوف يتقلص إلى 2.4% في العام 2010.

وما يزيد الطين بلة، أن الإنتاج المصري لا يتحرك بتناغم مع الناتج الإجمالي الوطني، ما يعتبر نموذجا غير عادي، تعزوه منظمة العمل الدولية إلى "ارتفاع في عائدات النفط المترافق بركود إنتاجي".

في مصر، عدد كبير من الشبان يقع 37% منهم في الفئة العمرية الواقعة تحت سن الـ15 سنة، و58% ممن تبلغ أعمارهم اقل من 25 سنة، فيما تزداد نسبة سن العمل ارتفاعاً بنسبة 3% تقريباً في العام الواحد.

اذا، ربع الشبان الذكور وعدد هائل من النساء الشابات ( 59% ) هم عاطلون عن العمل، دون أن تفعل حكومة مبارك الكثير لزيادة فرص العمل لديهم. والأكثر خطرا في الواقع هو أن 90% من العاطلين عن العمل تتراوح أعمارهم بين سن الخامسة عشرة والرابعة والعشرين ربيعاً. وقد عبّر أحد الكتاب في الصحيفة المصرية الأسبوعية "الأهرام" عن إحباطه وخيبة أمله من وضع سوق العمل قائلاَ:"إن التخلص من 184 شاب مصري على الشواطىء الإيطالية لم يؤدي إلى أي أزمة في ذلك البلد. وقد حصل ذلك في ليبيا وفي اليونان، ويستمر الوضع على هذه الحال حيث يواجه شبابنا الموت ليذهبوا بعيداً... إذ إن هناك أسباب تدفعهم لذلك. هناك قدر كبير من الفقر واليأس العميق الذي يدفعهم للتصرف بشكل غير سليم".

المسألة تتجاوز الموضوع الاقتصادي وقد يكون لها تفرعات اجتماعية عميقة منذ ان باتت الأكثرية الساحقة من المصريين غير قادرة على توفير دخل او شراء مسكن او الزواج. إنها ظاهرة خطيرة في بلد اضطر في الماضي القريب الى التصدي لانتفاضة شباب تم تجنيدهم من قبل مجموعات إسلامية عنيفة.

وسط هذه الأزمة السكنية الحاصلة، قام القيمون على التنمية ببناء مجمعات فاخرة وغنية مسببين بذلك صدمة مفاجئة للفقراء. اذ حتى لو ان الشباب العاطلين عن العمل لم ينضموا الى الإسلاميين المتطرفين، إما لعدم القناعة بهم او لفاعلية الجهاز الأمني الحكومي، غير أن يأسهم وإحباطهم يظهر نفسه جليا بارتفاع معدل تعاطي المخدرات والكحول والطلاق والعنف الأسري، وجرائم الشرف والدعارة، أي كل ما يشكل المسائل الاقتصادية والاجتماعية المصرية.

المعارضة المصرية؟

"إدوارد. س. واكر" - السفير السابق للولايات المتحدة الأمريكية في مصر من عام 1994 إلى عام 1997، والذي عين لاحقا سكرتير دولة مساعد لشؤون الشرق الأوسط - انتقد الازدواجية في السياسة المصرية، التي عبر عنها ب" الحصول على الكعكة وأكلها في آن ٍ معاً".

فالنظام الحاكم، يمثل على جمهوره الوطني عبر الإعلام، ويضمن علنياً رجال الدين والجهاز التربوي. كما تنتقد الحكومة كل نقاط الضعف في الامبريالية والصهيونية، والغرب، والولايات المتحدة الأمريكية، وتستخدم ذلك لبناء دعم وطني.

وبالرغم من ان مصر قد سمحت لعدد من أحزاب المعارضة بالعمل مثل: حزب مصر العربي الاشتراكي، وحزب الأحرار، وحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، وحزب الوفد الجديد، وحزب الغد، وكفاية، وحزب الجبهة الديمقراطي، غير أن مبارك اختار الطبقة العليا من الموظفين من ضمن حزبه أي الحزب القومي الديمقراطي، وذلك ليعملوا في كل وظائف المستويات العليا وغالبية الوظائف المتوسطة. وبعد عقود من عجز الديمقراطية، تبقى أحزاب المعارضة غير فعالة وذات قدرة تنظيمية ضعيفة، وعندما تلجأ للتنظيم تواجه نقصاً في الموارد وسياسة حكومية قمعية شديدة.

حكومة مبارك تمتلك وسائل الإعلام، وحتى أفضل الأحزاب المعارضة تنظيماً ليس باستطاعتها الوصول الى الجمهور بشكل جيد لعرض أفكارها.

وعندما يستغل الحزب الحاكم سلطته او يخرق الدستور، فما من حسيب ولا رقيب. فوفق وزارة الخارجية الأمريكية ، تتشارك السلطة التنفيذية المصرية مع السلطة القضائية، بحيث يمكن للموظفين الكبار الافلات من العقوبة وخرق القانون وارتكاب المخالفات كما يريدون.

ويزداد الطين بلة عندما نصل الى المراقبة القضائية للإنتخابات. فقانونياً، في مصر، السلطة القضائية هي التي تشرف على الانتخابات وتراقبها، وهناك العديد من القضاة منذ سنين يعلنون ان الحكومة تضغط لتشرعن التزوير.

ومنذ عام 2005 عام الانتخابات الرئاسية المصرية، قاد القضاة احتجاجات ومعارضة ضد قرار الحكومة مقاضاة زميلين كبيرين: هشام بسطاويسي ومحمود مكي، عضوي محكمة النقض وهي أعلى محكمة استئناف مصرية، على خلفية طلبهما التحقيق في التزوير الذي حصل في الانتخابات الرئاسية ومطالبتهما بإصلاح انتخابي وسياسي.

في الواقع، القضاء هو قيمة مركزية وأساسية بالنسبة الى المصريين، وغيابه هو في صميم كل احتجاج ومعارضة. وما يثبت هذه الحقيقة بشكل دامغ، العدد غير المسبوق من المواطنين الذين تضامنوا مع القاضيين بشكل سلمي. ما دفع بمبارك الى اللجوء الى قانون الطوارىء الذي فرض عام 1981 والذي أعطى قوى الأمن صلاحيات واسعة في الملاحقة دون ضوابط، وفي الاعتقال دون محاكمة. وعندما وعد مبارك بإنهاء نظام الطوارىء، قام الحزب القومي الديمقراطي الذي يسيطر على البرلمان بتقديم تحفظاته مضمنا اياها طلب تشريع ضد الإرهاب.

 

لا حريات...لا حقوق

عندما استغنت ادارة بوش عن أجندتها في الحرية بعد فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية، واعترفت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون علناً بأن ادارة اوباما تعطي الأولوية لحقوق الإنسان، بدا نظام مبارك وكأنه شعر بامتلاك الصلاحية المطلقة في بتر الحريات المدنية.

ففي التقرير الصادر عن وزارة الخارجية الاميركية في العام 2008 والخاص بحقوق الانسان، ورد ان احترام القاهرة لحريات الصحافة والدين والجمعيات قد تراجع عبر السنوات.

وتستمر الحكومة المصرية بتقليص الحريات المدنية لاسيما حرية التعبير والدخول الى الانترنت، وحرية التجمع، وتتخذ إجراءات صارمة لفرض النظام على نشاطات الجمعيات غير الحكومية.

وبالنتيجة، بات هناك فجوة سياسية خطيرة في مصر. إذ ان معظم المواطنين المصريين يشعرون بأن صوتهم غير مسموع.

فبالرغم من ان مصر تسمح نظرياً بانتخابات متعددة الأحزاب، غير أن ذلك لم يؤدِّ الى اي تغيير. وفي العام 2005، علقت "المجموعة الدولية للأزمات" على الانتخابات بقولها: "بداية خاطئة للاصلاح" مشيرة الى ان "الانتخابات الرئاسية هي رمزية طالما ان المعارضة تبقى ضعيفة ولا يمكنها ان تنتج مرشحين جديرين".

والواقع أن تخلي الولايات المتحدة عن طلبات الإصلاح وتبني مبارك وابنه جمال من قبل رايس وكلينتون في وزارة الخارجية، شجع القادة المصريين على تسريع وزيادة الإجراءات الصارمة لفرض النظام على المواطنين، وبرزت اثر ذلك سخرية جماهيرية واسعة ضد الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن الطامة كانت في العام 2008 في الانتخابات البلدية التي شكلت حدثا معيبا جدا ومخجلا للمصريين وللمراقبين الأجانب. إذ لم يحرم المرشحون المستقلون القريبون من الاخوان المسلمين من حماية القانون فقط، بل كذلك كل السياسيين المنضوين في أحزاب المعارضة المسجلة. فقد أقرّ الجميع بصعوبات التسجيل والترشح في خضم حملة حكومية واضحة وشرسة لمنع مرشحي المعارضة من المشاركة في الانتخابات. فقد منعت الحكومة أكثر من 3000 مرشح من الترشح، فقاضوها. ومع ان المحكمة حكمت لصالح المرشحين في 2،664 حالة، إلا أن القرارات قوبلت برفض تنفيذ القوانين من الحكومة.

في 30 آذار،أصدرت منظمة مراقبة حقوق الانسان بياناً تساءلت فيه عن شرعية انتخابات  يربح فيها مرشحو الحزب القومي الديمقراطي ب 92% من المقاعد، تشكل النساء تسع منها فقط من مجموع 454 مقعد، و21 في مجلس الشورى من مجموع 264. أما على صعيد الوزارات، تسلمت أربع نساء فقط حقائب وزارية من أصل 32 حقيبة، هي وزارة التعاون الدولي، وزارة الطاقة البشرية، ووزارة الهجرة، والعائلات والسكان.

وعلى الرغم من أن الأقباط يشكلون من 8 إلى 12 % من المصريين، إلا أنهم لم يحصلوا إلا على على 2% من المقاعد في مجلس الشعب ومجلس الشورى.

وقد وصفت "لجنة السلام الدولية" الانتخابات بأنها "خطوة الى الوراء بالنسبة الى السياسة المصرية". كما لم تنقل "منظمة حقوق الانسان المصرية" الانتخابات بسبب اعتكاف المواطنين عن المشاركة باعتبارها انتخابات لا تنافس فيها.

"مصر إسلامية"؟

الخطر بالنسبة الى الغرب هو عدم الرضا الذي تم التعبير عنه في الشعور العام ضد الغرب، وعلى الأخص ضد الأميركيين، ما قد يكون نذير حركة إسلامية حادة ضد الغرب.

ومن الممكن اليوم إيجاد ظروف مؤاتية في مصر، شبيهة بتلك التي رافقت طليعة الثورة الاسلامية الإيرانية.

فقبل الثورة الإسلامية في إيران بسنين عديدة، كان الشباب الايراني يصفق لـجلال الأحمد في "التسمم الغربي"، وهو ادانة لتأثير الغرب على المجتمع الإيراني في عهد الشاه. وهذا ما يحصل اليوم في مصر.

وقد بين السيد إيريك رولو، وهو دبلوماسي فرنسي سابق قبل اكثر من عقد من الزمن، ان بروز اسلام سياسي في مصر ينبغي الا يفاجئنا، نظراً للأمراض الاجتماعية التي تتسبب البطالة بانتشارها بين الشباب المتعلم على وجه الخصوص؛ والاستقطاب الاجتماعي المتفاقم الذي غلب فيه المرض على الصحة، بالإضافة الى الفساد المعمم المنتشر في أعلى المستويات الاجتماعية وأعلى مستويات الدولة.

والمخيف أكثر، أن المستقبل لا يبدو أكثر اشراقا. فبخلاف جمال عبد الناصر وأنور السادات، لم يعين مبارك نائباً له ابداً، بل من الواضح أنه يحضر ابنه جمال ليكون خليفة له، الأمر الذي يسخر منه جميع المصريين، جمهوريين وديموقراطيين.

وفي حال تسلم جمال الحكم، يخاف المصريون من استمراره بسياسة والده القائمة على إغناء النخبة وقمع الفقراء، متجاهلاً الإصلاح الفعال.

لقد حكم مبارك مصر بقبضة حديدية وحوَّلها الى دولة بوليسية تقوم بناها التحتية على قوى الأمن التي يبلغ عددها أكثر من مليوني عنصر.

في الحقيقة، يعترف العديد من المحللين الاميركيين بعدم استقرار مصر وضبابية مستقبلها السياسي ونظامها الحاكم بعد مبارك.

فوفق توماس بارنت (محلل الامن القومي واستاذ سابق في المعهد البحري الحربي الاميركي): "الخلافة غير الآمنة قد تخلق فراغاً قد يبرز منه الاخوان المسلمون بتقوية انفسهم عن طريق خدمة الجماهير من خلال شبكات منظمة للخدمة الاجتماعية، تعبِّد أمامهم طريق الانتخابات للوصول الى السلطة: القلوب والعقول اولاً، فالدم والشجاعة لاحقاً".

وفي هذه الاثناء، يبدو أن هناك بوادر شقاق بين واشنطن والقاهرة. وقد عبر عن ذلك روبيرت ساتلوف (المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الاوسط للجنة العلاقات العامة الاميركية) بالقول: ان الاساس لعلاقة ثنائية الجانب قد تآكل، وقد برزت خلافات في مجموعة كبيرة من السياسات المصرية".

قريبا ربما، سيجد أوباما نفسه في مواجهة خيار صعب عندما يطرأ حال من عدم الاستقرار على اكبر بلد عربي.

عبر السنين الماضية، بزغ كل قائد مصري منذ عبد الناصر، من الجيش. فهل هناك من ضابط طموح يقوم بانقلاب آخر؟ هل تقوم طغمة ما - ربما تحت الضغط الشعبي - بالتخلص من اتفاقات كامب ديفيد كما طالب بعض القضاة خلال حرب تموز 2006 بين اسرائيل وحزب الله؟ هل من الممكن ان تميل القوة الى الاخوان المسلمين بالرغم من أعلى درجات السيطرة المفروضة؟

شعبية أو إسلامية أو غير ذلك... ينبغي ان يكون هدف مصر المقبل في المستقبل، تحقيق الاقتصاد المحتضر وتقليص الفروق المتزايدة بين طبقات المجتمع، والاستفادة من مجموعة التجهيز العسكري والتقنية النووية التي جهزت بها الحكومة الأميركية مصر.

لكن احتمال تسلم الإخوان المسلمون الحكم في مصر يبقى قائما. وفي تلك الحال، فان تدمير إسرائيل قد يكون مرة أخرى المبدأ الموحد لحكومات المنطقة.

 ترجمة الدكتورة ماري شهرستان