العدد الرابع والاربعون - أيلول

كأنه في مقتبل العطاء

منصور عازار
الخميس 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
 

مقدمة كتبها الزميل نصري الصايغ لمذكرات الأستاذ منصور عازار " التحية الأخيرة" والكتاب صدر مؤخرا ، يطلب من دار الفرات - الحمرا والمكتبات . وفي الملحق الخاص لتحولات تغطية شاملة لحفلة توقيع الكتاب وفي العدد المقبل يعود منصور عازار كالمعتاد الى منبره في تحولات.

 

 من يكون هذا الرجل الذي لا يزوره التعب بعد ازمنة من العمل؟ من يكون هذا الرجل الذي يستخف بالمصاعب، بجسامة الأمل، وطاقة البحث عن بدائل؟

او، من عرف رجلاً سخر من الموت مراراً، وردّه بارادة الحياة؟ او من صادف رجلاً ظل في الخسارة رجلاً وفي الربح مساوياً لنفسه؟ يعيش الماضي بلحظات قصيرة، ويتطلع الى المستقبل كأنه في مقتبل العمر، بل في مقتبل العطاء.

ما عرفت في حياتي، رجلاً يوشك على الوداع، وهو يخطط ويعمل وينفذ، مرة في الاقتصاد ومراراً في الثقافة، ودائماً في العقيدة، ولا يكلّ من شباب فيه، وهو يدنف في الثمانين.

لمنصور عازار، في خاطري، صورة من لا يهدأ. أيعقل؟ وهو منقول الى العناية الفائقة في حالة الخطر الشديد، ان يطلب ممّن حوله، تأمين نصاب المحاضرة في المركز الثقافي في بيت الشعار؟

أيعقل، بعد استفاقته من غيبوبة طويلة، في المستشفى، ان يسأل اصدقاءه القلقين على قلبه وعمره وما بينهما من تآمر على الروح، متى موعد نهاية هذا المشروع؟ وماذا حلّ بنظام المحاضرات، ومتابعة الأبحاث؟

كنت في الأربعين، وهو في الرابعة والستين تقريباً، خارجاً من جراحة في القلب، عندما خارت قواي من التعب، فيما كان ينهض من ورشة ليبدأ بورشة اخرى. دينه العمل، ايمانه الانجاز، طائفته المثابرة...

عندما ادخل المستشفى للمرة الثانية، لخيانة قلبه لمراده، قال له الطبيب في لندن: كنت قد طلبت منك ان لا تمسك بطيختين، فأجابه منصور: يا دكتور، صاروا ثلاثة: الصناعة والثقافة والحزب.

وعندما زرته بعد وعكته التي ألزمته الاقامة في منزله، وجدته مقيماً في غرفة عمليات ميدانية: يتصل من اجل قضية حزبية، يطالب بحضور لقاءات، يراسل بالحاح اصدقاءه الاعلاميين. ينظم لقاءات ومحاضرات. واشد ما كانت دهشتي، عندما لقيته، ذات زيارة، يكتب فصولاً، ويصحح مقالات، كأنه ما زال في مجلته "المنبر" في باريس.

أقول: أتعبنا هذا الرجل ولم يتعب. أرهقنا، فيما هو يجهد عمره، كأنه في نزهة: لا يحزن، لا يعاتب، لا ييأس، لا يعرف لليوم مقياساً، وللأسبوع اياماً، وللشهور حدوداً. الزمن لديه امتداد قصير لمدى طاقاته.

اذاً آمن اندفع. رهانه دائماً على الانجاز. دأبه تخطي الصعوبات، وليس "النق" عليها.

ذات مرة انتابتني ازمة في مجلة "المنبر" في باريس، عندما كنت مديراً لتحريرها، دخلت عليه مراراً في مكتبه، اشكوه مصاعبي في العمل، وقد كانت كثيرة. والغريب، انه كان يطمئنني الى ان هذه المصاعب عادية، ولكني م انتبه الى ان كلامه يذهب باتجاه آخر، الى ان دخلت عليه مرة كعادتي لأشكو ما يواجهني. وكنت انتظر منه مساعدة لأداء عملي بشكل افضل. صمت قليلاً ثم سألني: كيف احوال العائلة؟ كيف الأولاد؟ هل قبضت راتبك هذا الشهر في موعده؟

عجبت لأسئلته الخارجة عن الموضوع، وتساءلت لماذا يصرفني عن همومي: وفيما انا في حيرة اسئلته واجاباتي الباهتة، قال لي:

انت تقبض راتبك، لتحل لي مشاكلي. اذا كان عليّ ان احل لك مشاكلك في العمل، فانني سأقبض راتبك عوضاً عنك... يا عزيزي، ليس مهماً ان تصف لي مشكلتك، بل ان تسعى الى حلها.

ومنذ ذلك اليوم، اقلعت عن "النق" وعن عبقرية وصف المشكلات. وبالغت في تعصبي لهذا الرأي، بحيث ابلغت سكرتيرتي في باريس، بأن تمنع عني مقابلة كل من يرغب بالشكوى (النق).

مشكلة اخرى اعترضتنا، في مطار لاغوس ابان انتقالنا منها الى مدينة كانو في شمال نيجيريا، لتفقد مشاغله والجالية اللبنانية هناك. وكعادة الطيران في دول العالم الثالث تتخلف الطائرة عن الاقلاع، لأسباب همايونية ، فرغب الأستاذ منصور باجراء اتصال هاتفي، (وهو لا يكل التهاتف والمتابعة والملاحقة والمعرفة). فبحث عن "نيرة" (عملة نيجيرية) لاستعمال الهاتف، فلم يجد في جيوبه فلساً. فطلب مني بسرعة والسماعة في يده، "عطيني مصاري". قلت له: لا احمل مالاً، فما كان منه الا ان ترك السماعة ومضى في القاعة الى اول رجل التقاه، فطلب منه "فكة" ليفك حاجته.

اما عندما حدثني مستشاره المخلص البريطاني "بن بدجن" عن كيفية تخطيه المصاعب، في عالم الصناعة، في بلاد صعبة المراس كأفريقيا، فعرفت ان في منصور موهبة الاقناع. ذات مرة، ضيّق عليه احد المصارف بمطالبه، فطالب مستشاره التأجيل لبضعة ايام، فرفض المصرف اعطاء تسهيلات للمصنع... فما كان من منصور، صاحب معامل ميتالو بلاستيك الا ان ذهب بنفسه الى المصرف، وبعد ساعتين، عاد مؤمناً لمصنعه، سيولة وقروضاً فائقة.

قال لي بن بدجن: كان مطلوباً منه ان يسدد بسرعة، فعاد بغلة جديدة من التسهيلات ثم ختم قوله: ذهب ليدفع فقبض.

وبرغم هذه التحديات، فقد عانى منصور نكبات كبيرة، كادت ان تطيح بكل منجزاته الاقتصادية. كان في مواجهة هذه العواصف، يتشبه ببطل رواية "الشيخ والبحر" لارنست همنفواي: "الانسان ينحني، كالقبضة في وجه الريح، ولكنه لا ينكسر".

ولم ينكسر، ظل منتصباً. رجلاً، كما كان في ايام انتصاراته، وفي ايام محنته.

عاش حزبه بيومياته، ومازال. حزبه حياته. حزبه امله. وفي هذا الكتاب بعض من صفحاته، عن معاناته، وانتصاراته، وانكساراته....

غريب: ومازال واقفاً يؤدي التحية، وهو على عتبة الوداع.

ماذا بعد؟

عندما تعرفت عليه في باريس، كنت ارفض فيه ادواراً كثيرة، ولا ابالغ، عندما اقول ان ما كنت ارفضه فيه، كان بعض ما تعلمته منه.

هذا الكتاب، وثيقة حية، عن حياة رجل قرر ان يبقى على قيد الحياة، مدة طويلة اضافية.

فالموت، ليس قدره. هكذا يشعر. وهكذا يتصرف. لذا، جاءت تحيته الأخيرة، ليتعرف جيل ابنائه واحفاده على سيرة رجل كان من الذين حرثوا الحقل، ومازال الحقل بحاجة الى فعلة كثيرين.

تحيته الأخيرة... من يرد عليها، بتحية افضل منها؟

 

نصري الصايغ