العدد الرابع والاربعون - أيلول

مسرحية "صيف 840": تحية لمنصور الرحباني تحرض على الحب والحرية

أسماء وهبة
الخميس 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
 

 على مسرح جبيل الأثري أعيد تقديم مسرحية "صيف 840" برؤية الجيل الثاني من الرحابنة مروان، غدي، وأسامة، الذين حافظوا على بصمة صاحب العمل منصور الرحباني الذي سبق وقدمها منذ 22 عاما تحية إلى شقيقه الراحل عاصي الرحباني. ولحرصهم على أن تكون هذه المسرحية القديمة الجديدة، تحية إلى الكبير منصور بعد وفاته، بدا المضمون العام للمسرحية وكأنه خارج للتو من بين أصابع منصور وقريحته الغاضبة والمتمردة على الواقع السياسي اللبناني "القلق".

عاد بطل منصور الرحباني الثائر، سيف البحر (غسان صليبا) مع أهل العامية، ليقسموا اليمين على انتفاضة تضم كل الطوائف والمذاهب، ضد الأمير بشير المتواطئ مع المصريين والفرنسيين في 7 أيار 1840.

امتلأ المسرح بالثوار المنتفضين على الفقر والظلم والضرائب الجائرة. وبدأ الرقص الفلكلوري اللبناني تحت رايات مختلفة تلوح عالية فوق رؤوسهم، كناية عن التمزق بين ولاءات خارجية مختلفة، لينطلق العمل مستفيدا من كل أدوات القرية اللبنانية وعدة الحروب مثل الفؤوس والبنادق والسيوف والسراويل، من دون اغفال الألوان الزاهية التي تميز اللباس التقليدي النسوي.

وإذا كانت الحوارات والأغنيات البديعة قد استعيدت بنسختها الأصلية، فإن التعديلات على الرقص كما تطوير السينوغرافيا، انعكس إيجابا على تشكيل اللوحات البصرية. وما ساعد على ذلك المسرح المفتوح في جبيل على البحر والجبل والفضاء الذي يتميز ببهائه الخاص. كما عرف مخرج العمل مروان الرحباني كيف يستغله، باستخدام تجهيزات ضخمة في الإضاءة وفي توظيف سحر المكان، ففتح المسرح على جهة علوية من الجبل الخلفي ليستخدم كمكان لهروب الثوار.

تأريخ للواقع

ينطلق العمل من الأمراض اللبنانية السياسية، والانقسامات الداخلية، مع نقد السياسيين المرتهنين للخارج باستمرار. هكذا كان وجود اليوزباشي عساف الضاهر (أنطوان كرباج) المتحالف مع إبراهيم باشا، وجنوده المصريين إضافة إلى الفرنسيين، للقضاء على الثوار، ركنا أساسيا لاستكمال المشهد اللبناني في مواجهة الثوار الذين سرعان ما يقعون في حبائل التحالف مع الإنجليز والعثمانيين لضمان نجاح ثورتهم. كما نجد شخصية أبو إلياس (بول سليمان) الذي يستجدي عطايا كل المتدخلين الأجانب، ويعمل على مختلف الجبهات، لتكديس بعض المال، وحفظ الرأس عند تغير العهود. هو نموذج لكثير ممن باعوا ضميرهم الوطني، من أجل حفنة من المال. ثم ينتصر الثوار، لكن فرحة الانتصار سرعان ما تذوي. اذ يعود العثمانيون إلى لبنان، ويعين الإنجليز واليا على العباد، وكأنما لا ثورة حصلت ولا تحرير تحقق.

وللحب حضوره وسط كل ذلك المشهد الثوري السياسي، اذ أننا نتابع قصة الحب بين سيف البحر وابنة اليوزباشي عساف المدعوة ميرا (هبة طوجي التي أخذت دور هدى حداد في النسخة القديمة)، التي رفضت الزواج من القائد المصري في لبنان، لتهرب مع سيف البحر، ليلة العرس، وتصبح واحدة من الثوار.

وبعودة العثمانيين والإنجليز الذين يقصفون بيروت، ويملأون المسرح غبارا من جهة مرفأ جبيل، يشعر الثوار أنهم انتصروا على الرغم من الخراب الذي حلّ، وترفع اليافطات للترحيب بالمحتل الجديد، ربما أكثرها إثارة للسخرية تلك التي تقول: نعم للسلطة العثمانية، لا للاحتلال الأجنبي. لكن سيف البحر وحده يتمرد ويقول: أنا بدي قاتل ليفلوا كل المحتلين. عندها ينفض الجميع عنه، ومعهم حبيبته ميرا التي ترفض أن تنتظره حتى يندحر آخر أجنبي. لحظتها، وعلى الصخرة التي أقيمت وسط المسرح، يبقى سيف البحر وحيدا، حاملا رايته، ويغتال بالرصاص. على الأثر، تعود ميرا ومعها الثوار، متراجعين عن موقفهم القديم مصممين على الحرية، فتعتلي ميرا الصخرة لتنضم إلى جثة حبيبها حاملة رايته الحمراء العملاقة المرفرفة.

 

السهل الممتنع

انطلاقا من هذه الأحداث الثورية، يرى الفنان أنطوان كرباج الذي شارك في النسختين الأولى والثانية للمسرحية أنها احدى أهم "تحف" الرحابنة، لأنها " ترصد صفحة من تاريخنا، ولعل اللحظة الأهم في المسرحية هي المشهد الأول الذي تجتمع فيه الطوائف اللبنانية من دروز ومسيحيين وسنة وشيعة في كنيسة أنطلياس، حيث يقسمون على تحرير البلد من كل الأغراب الموجودين فيها".

ومن المفارقة بالنسبة لكرباج، أن هذه المسرحية على الرغم من تقديمها منذ 22 عاما، مازالت تحمل نفس إسقاطات الواقع السياسي اللبناني "وكأن شيئا لم يتغير"!

أما عن دوره في المسرحية، فيقول كرباج أنه قدمه بسلاسة وكأنه يتلاعب بخشبة المسرح: "أضفت بعض اللمسات على دوري في المسرحية الذي قدمته منذ 22 عاما، من دون أن يطال ذلك تكوين الشخصية".

 

وإذا ما اعتبرنا أن النص الذي لم يتغير أعطى المسرحية جرعة نجاح مسبقة، فإن النسخة الجديدة لم تكن أقل إبداعا، لاسيما مع أداء الممثلين القدامى ومنهم غسان صليبا وأنطوان كرباج الذين زادتهم السنوات خبرة وتألقا، بالإضافة إلى الفنانة هبة طوجي بصوتها الرائع.

توقع المستقبل

وإن كان النص لا يزال حيا رغم تواتر السنين، فالحياة فيه لا تدب من نبض التراث فحسب بل تعطيه قيمته، لأنه يؤرخ حادثة من تاريخ ما. الأمر الذي يثبت كم كان منصور الرحباني صاحب رؤية ثاقبة حين كتب هذه المسرحية . يقول الكاتب والفنان عبيدو باشا قائلا: "هذه المسرحية تتمتع بخصائص الإتصال بالزمن الراهن وكأنها لم تقدم منذ 22 عاما بسبب تركيبة لبنان السياسية! وعندما ندقق النظر في نص منصور الرحباني نظن أنه كتبه بالأمس. لذلك تعتبر هذه المسرحية من أهم أعمال الرحابنة في التعبير عن الواقع اللبناني. ويمكن القول أن بطل هذه المسرحية هو العمل نفسه، خصوصا أنها عمل غنائي ينتمي إلى التراث الأنجلو سكسوني. كما أنها تندرج تحت خانة المسرحيات الغنائية الغنية بالمشاهد والموسيقى والممثلين والأدوار والفضاء والمناخ الذي يسمح للمشاهد اللبناني أن يرى فيها نفسه ويهزأ منها ويتسلى بها".

نظرة جديدة

ولعل من الأمور الايجابيّة الاضافية التي تحسب للمسرحية: تسارع إيقاع العرض الذي كان موفّقاً في تقطيع المشاهد وتمريرها بسرعة، ما يدل على الاجتهاد في الرؤية الاخراجيّة، حيث رأينا توزيعا جديدا للمجموعات على الخشبة، بين الممثلين والكومبارس والراقصين. وكلّ مجموعة منهم أخذت حقّها من خلال الاضاءة والحركة، فكانت المشهديّة مريحة للنّظر، وموزّعة بشكل لم يختلّ معه توازن الخشبة.

يمكن القول أننا كنّا أمام عرض لم يتوقف طويلا عند الكلمات واللطشات (التي كان لا بد منها بالرغم من هذا) بل لبس العصريّة من خلال الايقاع السريع بين المشاهد. كما أن الرؤية ركّزت على تسليط الضوء على الحدث في المشهد، مع ايفائه حقّه بلحظات قليلة ثم الانتقال الى الفعل أو ردّ الفعل على هذا الحدث وكأننا  أمام قصة سريعة، مترابطة.

ولابد من الإِشادة بسينوغرافيا المسرحية التي استخدمت عناصر الحبكة. وكان لاقتا الديكور الذي تآلف مع قلعة جبيل وبدى استكمالا لها، وكذلك الأزياء التي شغلت بذوق رفيع من دون مبالغة، فحاكت الحداثة في التصميم والتراث في الروحية، من دون أن ننسى الرقصات التي صمم أغلبها عبد الحليم كركلا، مما أتاح للجمهور أن يتابع الرقصات الفولكلورية الحقيقية والدبكة اللبنانية الفعلية.

وفي هذا الإطار، يرى مخرج المسرحية مروان الرحباني أن تجديد المسرحية في السينوغرافيا والكيروغرافيا كان ضروريا من دون المساس بالنص الكلاسيكي والموسيقى. ويقول: "لذلك يمكن اعتباره عملا جديدا ليس له علاقة بالماضي. فهو يضم رموزا مختلفة عن سابقتها منذ 22 عاما بالإضافة إلى الألوان البراقة التي زينت مسرح قلعة جبيل".

من دون مبالغة، يمكن القول أن المسرحية كانت تحية موفقة إلى روح منصور الرحباني الذي ابتدأ بهذه المسرحية مشواره منفردا بعد غياب عاصي والتي تختلف عما كتبه من بعدها، وبخاصة لجهة قيام حواراتها بشكل أساسي على الغنائية، والاهتمام بالكلمة المنتقاة على حساب البهرجة البصرية الفائضة. ولعل أروع ما في "صيف 840"، أنها لا تستحضر التاريخ فحسب، ولا تتمتع بإسقاط من التاريخ على واقع يتجدد فقط، بل تقدم محاكاة مسرحية لمستقبل ينتظرنا!

تصوير: أكرم عبد الخالق