العدد الرابع والاربعون - أيلول

تجديد الفكر القومي بين الإمكانية والضرورة

أسماء وهبة
الخميس 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
 

كثر الحديث مؤخرا عن الفكر القومي العربي أو العودة إلى العروبة كفكرة وقضية وإيديولوجيا، ربما بسبب ما يتعرض له عالمنا العربي اليوم من أزمات، وما يعيشه من تشرذم. لذلك لم يكن من المستغرب أن تعقد مؤتمرات متتالية في لبنان وخارجه تتناول مسألة العروبة والقومية.

ولكن ما هي العروبة التي يجب إعادة إحيائها؟ أهي الإيديولوجيا الوهمية القائمة على التمييز العرقي أم الإنغلاق والعسكرة والتسلط؟ أم هي العروبة الواقعية القائمة على الإحترام المتبادل والمصالح المشتركة بين الدول العربية لمواجهة الأخطار الخارجية وتحديات التطور والديموقراطية والحرية؟

 

القومية كظاهرة إجتماعية - تاريخية لها دلالات ومفاعيل سياسية وإجتماعية وإقتصادية. وهي تتصل بالفكر السياسي بقدر ما تؤثر في تكوين الدولة وتحديد سياستها داخليا وخارجيا. وترتبط عضويا بالفكر الإجتماعي من حيث هي تعبير عن وجود أمة معينة في ظروفها وخصائصها.

وتتعدى الحركة القومية في مضامينها مجرد الإنتماء إلى أمة من خلال الإرتباط ببرنامج سياسي وإجتماعي وإقتصادي وثقافي يجدر تحقيقه. وقد يكون من بين أهداف الحركة القومية تحقيق الوحدة القومية كما كانت الحال في أوروبا خلال عصر النهضة أو مواجهة غزو خارجي كما هي الحركة القومية العربية بالنسبة للصراع العربي- الإسرائيلي.

وهناك من يرى أن ثمة فارقا بين القومية العربية والعروبة. فلقد اكتسبت القومية بعد الحرب العالمية الثانية معنيين متمايزين: فهي تارة إيديولوجيا، وتارة أخرى حركة سياسية. وشكلت القومية كإيديولوجيا بالنسبة إلى دعاتها عقيدة ومنظومة من المفاهيم والرموز والمفردات والأهداف الثابتة التي كادت تتماهى مع مفهوم الأمة بذاتها، أما القومية كحركة سياسية فنشدت تحرير الأمة وتوحيدها. أما العروبة فهي تعبير عن الإنتماء إلى قومية محددة لها خصائص تختلف عن القوميات الأخرى، وتنطلق الدعوة إليها من قاعدة فكرية- ثقافية بينما الدعوة إلى القومية العربية ففتسم بالحركية السياسية. أما الإنتماء إلى العروبة فيعني التسليم إلى أمة واحدة يجب أن تعبر عن نفسها مستقبلا بشكل من أشكال التكامل أو الإتحاد بين أبنائها.

 

مؤتمرات القومية

اتطلاقا من هذا التمييز بين القومية والعروبة وفي إطار محاولة استنهاض الفكرة القومية وإعادة تفعيلها بما يتناسب مع الحالة السياسية العربية اليوم عقدت ثلاث مؤتمرات تناولت مستقبل العروبة: منها مؤتمر عقد عام 2008 في دمشق بعنوان "تجديد الفكر القومي العربي" الذي تناول علاقة الفكر القومي العربي بالوحدة العربية، ومسألة الهوية والديموقراطية والمواطنة في الوعي القومي، كما ناقش المشاركون مسألة القومية والدين بين الأصولية والتبعية، وتطرقوا إلى العلاقة بين العولمة والمسألة القومية، وكيف يمكن للفكر القومي مواجهة الطائفية. وفي عام 2009 عقد في بيروت مؤتمر نظمه مركز دراسات الوحدة العربية تحت عنوان "من أجل الوحدة العربية: رؤية المستقبل" حيث توقف المشاركون عند الفكر الوحدوي، وآثار تطور النظام العربي على مشروع الوحدة. وخلص البعض إلى ضرورة دراسة التجارب الوحدوية الناجحة المستمرة للبناء عليها وتطوير العمل الوحدوي العربي. كما أكد المشاركون على أن الإتحاد العربي في السياسة والتنمية الشاملة والإقتصاد من ضرورات الأمن القومي العربي. ومن ثم عقد مؤتمر "أي عروبة في القرن الحادي والعشرين" الذي نظمه تيار المستقبل في بيروت أيضا الذي درس العروبة من مختلف جوانبها. فكانت هناك استعادات للمفاهيم القوميّة ونشأتها وتجاربها في الغرب، وكانت مراجعة نقديّة للمراحل التاريخيّة للعروبة وللخطاب القومي العربي، وكان تحليل لتجاربها في بعض الدول العربيّة، وبحث لأطرها الحاليّة لا سيّما منها العولمة وما حملته من قيم إنسانيّة وثقافيّة جديد. وقد خرج المؤتمرون بمقاربة عامة للعروبة معتبرينها "مجموعة السمات الثقافيّة والاجتماعيّة والنفسيّة المتشكلة تاريخياً، والمتصفة بثبات نسبي، للجماعة التي نطلق عليها الأمة العربية". مستبعدين من هذا التعريف "أي مسعى للإقصاء على أساس الدين أو المذهب، أو أي مُعطى ثقافي ثانوي، من شأنه تفكيك بدل جمع النسيج الأهم للأمة". مشددين على أنّ "نسيج الأمة يتكوّن من وحدة اللغة، والتراث، والذاكرة التاريخية للنضال في سبيل الاستقلال، والوحدة، والنضال ضد الاستعمار".

من هنا التقت "تحولات" مجموعة من المفكرين والباحثين الذين شاركوا في هذه المؤتمرات وسألتهم عن رأيهم في القومية والعروبة:

 

أنماط الدول

يعود المفكر والباحث د. رضوان السيد إلى تاريخ نماذج الدولة التي ظهرت لدى العرب بعد سقوط السلطنة العثمانية فيقول: "وجدت ثلاث أنماط للدولة: أولا دولة الشريف حسين أو الثورة العربية التي ظلت تراوح في خطابها بين التمرد على السيطرة التركية واستعادة الخلافة للعرب. ثانيا نموذج دولة عبد العزيز آل سعود الذي وحد شمال الجزيرة تحت سيطرته، ولم يطمح للخلافة، كما لم يقبل الأطر الوطنية أو القومية. ثالثا النموذج المصري الذي يحمل عنوانا وطنيا ومعنى قومي مع حصة وافرة للدين دون أن يتدخل في إدارة الشأن العام".

ويرى د. السيد أنه على رغم الإختلاف بين أنماط الدول الثلاث إلا أن الإحساس بالعروبة والإنتماء العربي كان متصاعدا في أقطار الشام والعراق. ويتابع: "كان هناك إحساس بأن العروبة هي رابطة تشكل استمرارا للمعنى العميق للإسلام الأمر الذي وقف في وجه الإثنيات باعتبارها مدعاة للمزيد من الإنقسام. ولكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك نخب في الشام ومصر والعراق تنادي بالدولة القومية الواحدة على النمط الأوروبي، وأخرى تقول بالدول الوطنية المتعددة التي قامت في الواقع والتي يمكن أن يجمعها إطار أساسه الإنتماء الإٍسلامي أو الإطار العربي على نحو ما آلت إليه صيغة الجامعة العربية".

لكن متى بدأت تتحول العروبة أو الفكرة القومية إلى إيديولوجيا؟

يرى د. السيد أن ذلك تم على ثلاث مراحل: "مرحلة الجدال بين القوميين العرب والقوميين السوريين، مرحلة الجدال بين القوميين العرب والبعثيين، وأخيرا مرحلة الجدال بين القوميين العرب والشيوعيين".

ويعيد د. السيد تطور الفكرة القومية إلى إيديولوجيا سائدة بين النخب من جهة وصعود التيارات الإسلامية في العالم العربي من جهة أخرى ويقول: "بحسب بعض دارسي الفكر القومي العربي إن إهمال الدين كان من أسباب صعود تيارات إسلامية تنكرت للقومية. وفي أواخر خمسينات القرن الماضي حدث صدام إيديولوجي بين الإسلاميين والقوميين. وبعد ذلك اكتملت نظرية السلطة لدى الإسلاميين الجدد. وبدأت ثنائيات مثل عروبة أو إسلام، وإشتراكية أو إسلام، ثم جاء موت الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970 ليغيب معه تدريجيا الفكر القومي خصوصا أن الأنظمة القومية أساءت إلى الفكرة".

وفي هذا السياق يرى دكتور محمد قانصو أن عطل العروبة السياسية تجسد في "التبسيطات شبه الخرافية للتوصيف القومي- الوحودي ما جعلها تجافي الواقع الجغرافي السياسي للعالم العربي في نظرتها إلى الدولة القطرية بصفتها ثمرة تجزئة إستعمارية لا أكثر ولا أقل"!

 

المسيحية والعروبة

أما د. ميشال عون فيربط بين العروبة والفكر العربي الديني المسيحي المعاصر عبر ثلاثة نماذج يصنفها على الشكل التالي: "النموذج الأول مستخرج من البيئة الفكرية اللبنانية الأرثوذكسية يجسده المطران جورج خضر الذي يعتبر العروبة حاضنا ثقافيا للمسيحية وللإسلام تتجاوز بطاقاتها المعرفية والإيحائية مقولات الإختبار الإيماني المسيحي والإسلامي. ولا يلبث أن يحملها مضامين الإنفتاح والرقي والعقلانية والإعتراف بالتعددية. أما النموذج الثاني فنجده في البيئة الفكرية المارونية ويجسده الأب ميشال الحايك الذي يضع العروبة في سياق عجزها المبدئي عن مجاراة التمدن المعاصر، وفي سياق عجزها التاريخي عن النهوض بالإنسان العربي. والنموذج الثالث نجده في البيئة الفكرية اللبنانية الكاثوليكية وفي أفكار الفيلسوف اللبناني بولس الخوري الذي يجتهد في حمل العروبة على تجاوز ذاتها عن طريق معارضتها بمقتضيات الحداثة".

 

تحديات العروبة

ومن جهته اعتبر د.حسن منيمنة منسق مؤتمر "أي عروبة في القرن الحادي والعشرين" أن التحديات التي تواجهها العروبة في يومنا هذا لا تقتصر على سبب واضح بعينه: "بل إن تعيين العلة وتحديد أسباب إخفاقاتنا النهضوية هي الغاية من عقد المؤتمر عبر استفزاز عقول نخبة من المفكرين العرب واللبنانيين لكي يتبادلوا الرأي ويتشاركوا القول في قضية جوهرية هي العروبة".

وهنا يرى د.غسان العزي أن هذه المؤتمرات لا تشير إلى عودة الفكر القومي كما يرى البعض، بل تطرح أسئلة حول معنى العروبة، ويتابع: "لا أعتقد أن دولا مفككة تستطيع أن تقيم بنيانا واحدا تحت شعار القومية خصوصا أن هناك دول مطروحة على طاولة التقسيم مثل العراق وفلسطين والسودان. ومازلنا نتذكر عندما تحدث البعض عام 2008 عن تقسيم لبنان على قاعدة الفيدرالية! لذلك علينا أولا بناء دول حقيقية قطرية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا ما يسمح لنا لاحقا ببناء اتحاد عربي على صورة الإتحاد الأوروبي. وإلا كيف لنا أن نصل إلى مرحلة الأمة ونحن لم ننجح في بناء دول؟! صحيح أن هناك أمة عربية موجودة في ضمير كل عربي. ولكن الوصول إليها عبر أطر عشوائية يؤدي إلى الهلاك كما حدث في كل التجارب العربية الوحدوية السابقة سواء بين مصر وسوريا أو بين تونس وليبيا".

 

دولة حديثة

لذلك يؤكد د. العزي على ضرورة بناء دول عصرية ديموقراطية قبل أن تقرر الشعوب الإنخراط أو عدم الإنخراط في إتحاد عربي يجمع الدول العربية. إلا أن المفارقة التي يراها د. العزي تكمن في أن الشعوب العربية ترغب في الوحدة، في حين أن الشعوب الأوروبية غير وحدوية! بدليل أنهم أفشلوا الدستور الأوروبي، ولكن القادة الأوروبيون وحدويون، ويدفعون فكرة الوحدة الأوروبية إلى الأمام، على الرغم من وجود 22 لغة في أوروبا! "فهم يحتاجون إلى مئات المترجمين خلال إجتماعاتهم. في حين أننا تجمعنا اللغة العربية، ولكن فشلنا في تحقيق وحدة عربية بين دولتين، لأن القادة العرب ليسوا وحدويين! وهذه أهم العقبات التي تواجه الفكرة القومية اليوم" بحسب د. العزي.

 

عقبات الوحدة

ويتابع د. العزي حديثه عن العقبات الأخرى التي تواجه الوحدة العربية فيرى أنها لا تكمن في الأًصولية الصاعدة في المجتمعات العربية التي تحاول سد فراغ إيديولوجي وفكري، "بل هناك عوائق لا حصر لها، خصوصا أن التيار القومي عندما وصل إلى السلطة فشل في تحقيق المشروع القومي. وأفشل معه الفكر القومي بفعل سلطات غير ديموقراطية لم تؤسس على قاعدة الدولة العصرية".

 

اقتراحات

ولكن على الرغم من الواقع السياسي العربي المتردي والمتشرذم يرى بعض المفكرين أن العودة إلى القومية والتمسك بالعروبة هي أحد الحلول الأساسية التي ستنتشلنا مما نحن فيه. وهنا خلص د. فايز قزي إلى مجموعة من التطلعات لمواجهة تحديات الفكر القومي أبرزها: "تحقيق التكامل بين القومية والعروبة وبين الأوطان والأمة، خصوصا أن هذا التحدي استحال تجاوزه في التجارب الوحدوية السابقة الأمر الذي لن يتم إلا بإعادة صياغة القومية لا العروبة، بشكل سياسي إجتماعي ديموقراطي منفتح على النظم السياسية الإنسانية الحديثة- تخلي الدول العربية عن الأساليب غير الديموقراطية في التعاطي مع الأوضاع الداخلية أو الإقليمية حتى يتحول الجميع إلى اعتماد الطرق القانونية- وقف كل أشكال التأثير أو الضغط المتبادل من قبل الدول العربية فيما بينها، ووقف استغلال تحالفاتها الإقليمية أو الإفساح المجال أمامها للإساءة إلى دول عربية أخرى- إعادة الحيوية إلى جامعة الدول العربية، وتكريس العمل العربي المنظم والهادف إلى تطوير صيغة التعاون العربي، وتوزيع عادل للثروات- طمأنة الأقليات إلى حقها في العيش الكريم الآمن ضمن بقعة سلام وديموقراطية حقيقية ترعى العلاقات بين دول الجوار وشعوبها- حل المسائل الإقليمية سلميا وضمن قواعد الحق والعدل والديموقراطية، ورفض العزل، واعتبار العيش المشترك لا يستثني طائفة أو دينا أو عرقا- تحقيق ثورة ثقافية تعيد إلى الدول العربية دورها في نقل رسالة العيش المشترك الحضارية".

إلا أن المشكلة الآن تكمن في أن بعض القوى القومية العربية لم تدرك بعد أن القومية العربية هي حالة انتماء وليست مضمونا فكريا وسياسيا قائما بذاته، بالإضافة إلى تضخم خطاب الفكر القومي العربي منذ ميلاده حتى الآن حول الأمة، والعجز الفادح في ذلك الخطاب في مسألة الدولة القومية بالتفكير في معنى الأمة وبناء مفهومها. فهل يمكن أن نتخطى هذه الإشكالية بإيجاد خطاب "قومي عصري وحديث" يمكن أن يجد له جمهور عربي متعطش أصلا للعروبة والوحدة تحت مظلة دولة عربية قومية؟ !