العدد الرابع والاربعون - أيلول

إهدنيّات إهدن

د. نبال الأميوني/أستاذة جامعيّة
الخميس 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2009.
 

إن أتيت ألى إهدن، لا تنسَ أن تمشي حافياً كي تلامس قدماك أرض عشتروت وإيل، وتأخذ من عباب الهوى وحيطان الريح خيوطاً تصلك بالنجوم والقمر!

لإهدن، مناخ آخر في شهر آب، حين تفيق عشتار عند حدود الصيف وتبسط يديها عطاءً في مبنى "الكُبرى"، فتشلح عليه شرشف التاريخ الأخضر وتنزع خيوط العنكبوت من خاصرة الباب، لينشف عتاب الوقت وتتعمّد الجدران بعرق جبينها المقدّس.

إن أتيت الى إهدن في شهر آب، تخبرك العصافير عن "نيّات" عشتار في رسم وجه يشبه وجهها الجميل، لترصدَ "بعَيْن الحب  والفن والجمال"، فترقص الغرف بالألوان في دارها وترحل العقارب من حفافي البساتين.

إهدنيّات، تُفيق الأرض بأيادٍ تحفر على الخشب لتحيي قشّ السهر وتحيك وجوه النورس والقدسيين على لحاف الشمس، وتدجّن الزجاج في نار البال وتخبز تنّور القمح وتعمّر سطوحاً من عرائش الذهب وسجّاد ألف ليلة وليلة وتغزل بك على ألحان الوتر نغماً يحاكي بساط الأزل... فتجالس سندباد الوقت تحت شجر الحور المتعمّد في الندى...

إهدنيّات، لا حيط لها ولا نوافذ. تشعل حصان ذكرياتك ليربع في براويز المدى ويطلع الصوت من جبين عينيك.

إهدنيّات، تشبه جبال إهدن عند نعاس الضباب والغَيْم، فتبسط شال حريرٍ يدغدغ صقيع الفكر ويغيّب البرد عن أكتاف زوّارها. 

 

ولـ "إهدنيّات فرح الأولاد" برواز، حيث ترى الأمكنة راقصةً بمشاهد الألوان والصوت... وتعرف أن للأطفال وطنٌ يحلمون به... وطنٌ على حدود خيالهم، يرسم الجمال في أياديهم والفرح على دروب شفاههم، لينبُت نبض العشب في أسرّتهم ويكرّ السِّحر على مسبحة أحلامهم.

لإهدنيّات سياجٌ أكبر من وطن نحلم به صغاراً وكباراً. سياج يجمع الناس والبيوت في هياكل السهر، ويعمّر أساطير الحكايات ليشرد البجع حاملاً تذاكر الموج. وتتدلى الأشجار من سورها العالي بشعرها الطويل ويظهر قوس الأقزام عند سرير النعاس الأبيض الجميل وتبين عربة الأحلام هاربةً من عباءة الوقت وقصورها.

إهدنيّات أفرحت الأطفال والأولاد بعد أن جمعت جوانح الحمام في "ميدان الكُبرى"، وبلّلت أثواب الصغار بماء عينيّ من أحبّهم وأراد رسم شواطئ ضحكاتهم. فبتنا ننتظر حلم العيد في خيالاتهم بعد موعد الخريف، ليبقى عرس إهدنيّات باقة صدى تتردّد في مملكة الخبريات وتبني دارها على أبواب كلّ فصل، لكي لا تنعس الأرض ولا تغفو غابة حصان الخشب في ذاكرة المواعيد.