العدد الخامس والاربعون - تشرين الثاني

...وللأموات سلطة علينا!

سركيس ابوزيد
الثلاثاء 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009.
 

الأموات يحكمون الأحياء. قاعدة تكاد تشمل الأمم والجماعات والافراد .

الذاكرة التاريخية تتحكم أحياناً بخيارات الدول ومصير الشعوب. فاذا عدنا الى الماضي نجد ان صراعاته ما زالت حاضرة منها : التركي الأرمني، العربي الفارسي ، الصفوي العثماني ، السني الشيعي ، الكردي العربي. لكن في لحظة تاريخية معينة يتمكن الانسان من تجاوز عقد الماضي ومآسيه، فتسقط جدران وترتفع مصالحات وتسويات تاريخية على قاعدة تحقيق المصالح المشتركة. وقد شهدت المنطقة مؤخراً تقارباً بين تركيا ، وكل من ارمينيا وايران وسوريا برغم الخلافات التاريخية ومشاكل الحدود.

الشعوب الحية تعرف كيف تستفيد من الماضي ولا تستسلم الى سلطة الاموات. الشعوب الحية تسلم الراية لقيادة واعية تعبر عن توق الأمة الى بناء غد مشرق دون التفريط بأصالة هويتها. والقيادة الرائدة تجمع بين الذاكرة الحية والخيال المبدع.

الأموات يحكمون الاحياء عند الجماعات والافراد ايضاً.

ففي الانتخابات النيابية اللبنانية الاخيرة، استحضر المرشحون موتاهم وجعلوهم جزءا أساسيا من الحملة الترويجية.

تموز المنصرم شهد احتفالات ذكرى الشهداء لكل من "شهداء المقاومة اللبنانية" و"جبهة المقاومة الوطنية" . لكل جماعة شهداؤها. هكذا، تنقسم الذاكرة الوطنية المشتركة بسبب غياب النقد الذاتي والمصالحة الوطنية واستمرار المحاكمة الاخلاقية التاريخية التقييمية للماضي. من جهة، شهداء قتلوا وهم في موقع المتحالف مع اسرئيل، ومن جهة اخرى، شهداء أسسوا لتحرير لبنان من اسرائيل. في الواقع، الجبهتان اليوم عاطلتان عن العمل. لكن ماضي القوات والاحزاب الوطنية على حد سواء ما زال حاضراً رمزياً، يؤكد عجز وفراغ الحاضر وسلطة الأموات والذاكرة الماضوية وقدرتهم على التحكم بسلوكهم تعبئة واستنفارا.

تكريم الشهداء لا يكون باستغلال ذكراهم من اجل تصفية حسابات الحاضر.

تكريم الشهداء يكون بالتزام نهجهم بوعي حقيقي للتاريخ من خلال اعادة كتابته واجراء نقد ذاتي واستخلاص العبر والدروس وتجاوز مآسيه من أجل غد أفضل، حتى لا نبقى محكومين من الأموات.

الأموات ماتوا حتى يضيؤا لنا طريق المستقبل، ضحوا بذواتهم حتى نعي نحن من بعدهم الحقيقة، فلا تقتلوهم مرتين: مرة بسبب الظروف، ومرة أخرى بسبب جهلنا وعجزنا واستسلامنا لقدرهم.

ماتوا لنحيا، لا لنكرر قتل انفسنا على طريقتهم. فلنحيَ للمستقبل، اكراماً وتكريماً لغيابهم .