العدد الخامس والاربعون - تشرين الثاني

اليابان تصرخ في وجه واشنطن: لا

الثلاثاء 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009.
 

شكل فوز الحزب الديموقراطي الياباني في الانتخابات العامة التي جرت الشهر الفائت تحولا جذريا في سياسة اليابان الاقتصادية والخارجية، تمثل في استعداد هذا العملاق الاسيوي للتحرر من هيمنة الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية على قراراته الوطنية منذ اكثر من خمسين عاما.

كانت اليابان في تاريخها الحديث امبراطورية طموحة توسعية، فقد احتلت الصين وحكمتها بقسوة رغم التفاوت الكبير في المساحة وعدد السكان. كما الحقت بروسيا هزيمة مدوية مطلع القرن العشرين وكانت الدولة القوية المهيمنة على اسيا قبل الحرب العالمية الثانية. وهي دخلت تلك الحرب بعد هجومها على الاسطول الاميركي في بيرل هاربور في هاواي. كان خطأ الطغمة العسكرية القومية الحاكمة في حينه مصيريا، اذ انها استفزت العملاق الاميركي الذي افاق بسرعة واستطاع استيعاب الضربة واكمل الحرب بامكانات مذهلة مكنته من انزال قواته في النورماندي والاطاحة بالنازية ثم الانصراف الى اخضاع اليابان التي لم تستسلم الا بعد القاء قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناكازاكي. وبالرغم من الهزيمة العسكرية النكراء عام 1945 استطاعت اليابان بناء أقوى اقتصاد في اسيا تاركة السياسة الخارجية والدفاعية للولايات المتحدة الاميركية منذ نهاية الحرب الثانية حتى اليوم. لكن ما جرى مؤخرا أن الحزب الديموقراطي الياباني حقق فوزا ساحقا حمل معه طروحات تتلخص بأن الأوان قد آن لنقول لأميركا :لا.

يشكل هذا التغيير الكبير تحولا استراتيجيا وتغييرا في موازين القوى في شرق اسيا، وكأن النتيجة السياسية لهزيمة اميركا في فييتنام تبلورت اليوم.

لقد أصبحت دول اسيا الكبرى بمعظمها مستقلة، الصين والهند واليوم اليابان، ولن تعود اميركا الى هيمنتها المعهودة على تلك المنطقة.

بعد الانتفاضات المتتالية على سياسة الولايات المتحدة في اميركا اللاتينية وتحول معظم الدول (باستثناء المكسيك وكولومبيا) الى مناوئة الولايات المتحدة، يأتي التغيير في اليابان ليطرح جديا مسألة مستقبل القوة العظمى الوحيدة في العالم، وبداية نهاية هيمنتها.

هذا التغيير يحتاج الى درس معمق لادراك تأثيراته على المنطقة العربية، والى تحرك النظام العربي الرسمي للافادة منه. كما يجب اطلاق دبلوماسية عامة عربية لاستثمار هذا التغيير.

هذا المقال يشرح مجريات التغيير وتأثيراته على السياسة الاميركية في وقت ما زالت النخب الاميركية تدرس هذا التغيير وتداعياته المرتقبة.

 

هيمنة الحزب الواحد "نظام 1955"

 

كان الظهور الأول لنظام "هيمنة الحزب الواحد" في اليابان أو "نظام 1955" كما يسميه المتخصصون اليابانيون في عام 1955. فبعد عقد من "المشاكسة السياسية" بدأ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، توحّدت الأحزاب المحافظة، الليبرالية والديمقراطية، وسط مجتمع ونظام حكم تميز بالانقسامات الأيديولوجية، لتشكل الحزب الديمقراطي الليبرالي في عام 1955.

كتب جرالد ل. كيرتس، أستاذ في جامعة كولومبيا، في كتاب منطق السياسة اليابانية أن هناك أربعة أعمدة من السياسات الداعمة لنظام 1955. فبالإضافة إلى هيمنة الحزب الواحد، هناك أركان اخرى كالتوافق العام في دعم السياسات من أجل التوصل إلى اللحاق بالركب مع الهدف الغربي، وجماعات المصالح الكبيرة المتصلة بالأحزاب السياسية، وبيروقراطية هائلة من الهيبة والسلطة.

ففي البداية، تلقى الحزب الديمقراطي الليبرالي دعماً من المزارعين والتجار وأصحاب الأعمال الصغيرة. ولكن بحلول نهاية السبعينات، كتب كيرتس نفسه، "أن الحزب نجح في تحويل نفسه من حزب محافظ الى حزب حديث وجامع، مخططاً للحصول على دعم من جميع الطبقات الاجتماعية. ويشرح ان الحزب الديمقراطي الليبرالي سعى الى نيل التأييد الشعبي عبر التأكيد على مسائل تتعلق بالانتعاش الاقتصادي، والنمو الصناعي السريع، وعبر التركيز على المؤشرات الوطنية الإجمالية للتقدم الاقتصادي، وعلى الناتج القومي الإجمالي".

في عام 1993، خسر الحزب الديمقراطي الليبرالي السلطة في وجه تحالف ضم ثمانية أحزاب، ليعود الى السلطة بعد أقل من عام فقط عبر الائتلاف مع الحزب الاشتراكي، وليشكل هذا وفقاً لكيرتس نهاية مؤكدة لعصر تدور فيه المنافسة بين المحافظين والتقدميين.

في عام 1994، أقر البرلمان الياباني تشريعا لإصلاح النظام الانتخابي، مما خلق إمكانية وجود نظام الحزبين. في إطار نظام عام 1955، كان النظام الانتخابي الياباني يقوم على التمثيل النسبي، حيث يمكن انتخاب أعضاء مجلس النواب في دوائر متعددة. لكن النظام الجديد الذي دخل حيز النفاذ في عام 1994 ينص على أن 300 من أعضاء مجلس النواب من أصل ما مجموعه 480 ينتخبون في إحدى الدوائر (أي على مرشح الحصول على غالبية الاصوات في كل دائرة ليفوز) والباقي عشر مقاطعات على قاعدة التمثيل النسبي الاقليمي.

 

تغيُّر اذواق المستهلك

 

بعد مضي خمسة عشر عاما على انجاز الاصلاحات الانتخابية، شهدت اليابان تحولاً سياسياً مع تفوق الحزب الديمقراطي الياباني، أكبر احزاب المعارضة، بزعامة يوكيو هاتوياما على الحزب الديمقراطي الليبرالي.

نشأ الحزب الديمقراطي الياباني في عام 1998 عن طريق دمج أربعة أحزاب صغيرة، لينضم اليها في وقت لاحق حزب خامس، لذلك يشكّل أعضاؤه مزيجاً من اليمين وأصحاب الميول اليسارية. وقد فاز الحزب بالأغلبية في مجلس الشيوخ في عام 2007. ويرى المحللون ان تقدم الحزب الديمقراطي الياباني يعود الى نفور الناخبين من الحزب الديمقراطي الليبرالي الذي فشل في الاستجابة لتغيرات أساسية في المجتمع الياباني. ويقول كيرتس ان اسباب خسارة الحزب الديمقراطي الليبرالي وافلاس جنرال موتورز هي نفسها. فكلاهما لم يفهما ان أذواق المستهلكين قد تغيرت، والسوق قد تغيرت، والناس يريدون شيئاً آخر". الحزب الديمقراطي الليبرالي فشل في الاستجابة للاحتياجات المتغيرة لسكان يطلبون الوصول إلى المرافق الطبية، والرعاية الاجتماعية، وليس المزيد من الطرق.

ولكن الحزب الديمقراطي الياباني لديه مهمة شاقة في المستقبل. فالحزب ليس صاحب تجربة كطرف في السلطة، بالاضافة الى ذلك، من المتوقع ان يعاني من خلافات داخلية بين أجنحة المحافظين والليبراليين لكونه مزيجاً من اليسار والوسط واليمين. يرى ريتشارد ج. صامويلز، مدير برنامج اليابان في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إن الخلافات في السياسة اليابانية لا تمثل دائما انقسامات سياسية مختلفة، لكن في حالة الحزب الديمقراطي هناك اختلاف حول قضايا رئيسية في السياسة العامة وحول مسائل قوات الدفاع والتحالف الاميركي الياباني، خاصة ان الحزب كان منقسما حول مسألة تعديل المادة 9 من الدستور التي تحظر على اليابان الحفاظ على جيش أو استخدام القوة على الصعيد الدولي لأي سبب من الأسباب.

وعد بالإصلاح


عانى الاقتصاد الياباني من الركود خلال هذا العام جراء تضرره بشدة من الأزمة الاقتصادية العالمية. وعلى الرغم من انه بدأ بالخروج من أزمته في الربع الثاني من عام 2009، حيث سجّل أقل من واحد في المئة من النمو في إجمالي الناتج المحلي، لا يتوقع معظم الاقتصاديين الشفاء العاجل. فمعدل البطالة ارتفع الى 5.4 في المئة في حزيران، واليابان لا تزال عرضة لأي تعثر في الطلب على الصادرات.

ويدعو الحزب الديمقراطي الياباني الى اصلاحات اقتصادية وادارية، لكن الخبراء يرون ان الحزب يفتقر الى تفاصيل بشأن كيفية تمويل الخطط الإصلاحية وتنفيذها.

ويقول ستون كونيشي، محلل الشؤون الآسيوية في خدمة أبحاث الكونغرس، ان الحزب الديمقراطي الياباني يقترح اصلاحي، من يسار الوسط، لجدول الأعمال المحلي الياباني". كما يقول ان احد الأهداف الرئيسية للحزب هو" التقليل من نفوذ أصحاب المصالح الخاصة على صناع القرار عبر تعزيز قدرة الحكومة اليابانية على صنع القرار من اجل تخطي البيروقراطية القوية، وبالتالي تغيير دينامية السلطة السائدة منذ فترة طويلة والتي يتمتع البيرقراطيون من خلالها بقوة اكبر من السياسيين في وضع السياسات". فالبرلمان الياباني، بالمقارنة مع معظم الديمقراطيات الصناعية، ضعيف بنيوياً، وكذلك مكتب رئيس الوزراء والحكومة.

وتقول شيلا سميث في إطار الإصلاحات المقترحة، إن البيروقراطيين والسياسيين سيعملون لصياغة علاقة جديدة. كما أن الحد من سيطرة البيروقراطية على وضع السياسات، يحتاج إلى تطوير مراكز بديلة لخبرتها في السياسة العامة مثل مراكز الأبحاث والمنظمات غير الحكومية، أو الاستفادة من قطاع الأعمال للحصول على أفكار جديدة.
في الواقع، اقترح الحزب الديمقراطي الياباني لإصلاح الاقتصاد المتعثر، مجموعة اجراءات على نطاق واسع لتحفيز الاقتصاد ولزيادة الدخل المتاح للأسر المعيشية من خلال تخفيض أكبر للضرائب وتحويلات الدفع المباشر. هذه الحوافز قد تمتد لمدة عامين تقريباً وتصل الى 218 مليار دولار، وتتضمن ما يقارب ال $ 3،300 لكل طفل في السنة.

يقول ادوارد ج. لينكولن، مدير مركز اليابان للولايات المتحدة من أجل الأعمال والدراسات الاقتصادية في جامعة نيويورك، كلية ستيرن للأعمال، إن انتصار الحزب الديمقراطي الياباني قد يكون له تأثير اقتصادي إيجابي. فتحقيق تغيير في الحكومة قد يبعث الشعور بالتمكين بين الناخبين اليابانيين، مما قد يحسن ثقة المستهلكين في الاقتصاد بحيث يصبحون أكثر استعدادا لإنفاق الأموال.

ويدعو كثير من الخبراء الاقتصاديين في الغرب اليابان الى الانتقال من اقتصاد يوجهه التصدير الى اقتصاد يقوده المستهلك عبر تدابير لتحفيز الإنفاق المحلي على أمل رفع الواردات اليابانية من سلع وخدمات أميركية. كذلك اقترح الحزب الديمقراطي الياباني اتفاقا للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة.

الا ان الزراعة لا تزال نقطة شائكة في العلاقات التجارية بين البلدين. والواقع أن الحزب الديمقراطي الياباني، مثل الحزب الليبرالي الديمقراطي، يفضل السياسات الزراعية التي تحمي المصالح الزراعية المحلية، في حين أن الولايات المتحدة تدفع لطوكيو لتحرير قطاعها الزراعي وتخفيض التعريفات الجمركية على الواردات.

 

" اليابان التي تستطيع أن تقول لا"


قد يكون لتغيير السلطة السياسية في طوكيو انعكاسات على تحالفها مع واشنطن. ففي حين تمثل اليابان رابع أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة مع أكثر من 205 مليارات دولار في تجارة السلع بإتجاهين، وموطن لأكثر من 50،000 عنصر من القوات العسكرية الأميركية، ونقطة مهمة في خطط الولايات المتحدة لصون السلام والأمن في شمال شرق آسيا، يشدد الحزب الديمقراطي الياباني على أن السياسة الخارجية اليابانية ستكون أكثر استقلالا عن واشنطن ويدعو الى "المساواة" في علاقة تحالف مع الولايات المتحدة.

يوصي العديد من الخبراء بتوسيع أبعاد الأمن لتشمل كفاءة استخدام الطاقة وتغير المناخ لفتح المجال أمام اليابان للعب دور قوي والمضي قدما نحو تحقيق المزيد من التحالفات المتناظرة بين الولايات المتحدة واليابان.

وفقاً لكونيشي، أرسل الحزب الديمقراطي الياباني في ظل الانقسامات الداخلية التي يعاني منها وصراعه من أجل تمييز نفسه عن الحزب الديمقراطي الليبرالي، اشارات متضاربة بشأن سياسته تجاه التحالف بين الولايات المتحدة واليابان. في حين وضع الحزب رسالته بشأن قضايا عدة متعلقة بالتحالف، اقترح بيان انتخابات 2009 إعادة النظر في اتفاق مركز القوات بين اليابان والولايات المتحدة، وتنظيم القوات العسكرية الاميركية فى اليابان، ودور القواعد العسكرية الاميركية هناك.

في الماضي، كان الحزب الديمقراطي الياباني من المعارضين لاستمرار الدعم العسكري وتزويد السفن الأميركية المشاركة بالحرب على أفغانستان في المحيط الهندي بالوقود. كما عارض الحزب نقل 8000 عنصر من مشاة البحرية الاميركية من قاعدة اوكيناوا الى غوام بحلول عام 2014، وعارض تحمل اليابان تكاليف إعادة نشر القوات الاميركية وفقاً لخطة 2006 حيث كان يتوجب على اليابان دفع 6.09 مليار دولار من اجمالي يقدر بـ 10.27 مليار دولار لنقل جنود أميركيين إلى غوام.

ويتوقع صامويلز من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ان تكون اليابان أكثر استعدادا لتقول لا للولايات المتحدة في المستقبل بشأن قضايا لا تصب في المصالح اليابانية. لكن معظم المحللين لا يتوقعون أي تغييرات رئيسية في الحلف. كما أنهم لا يرون اليابان تلعب دورا أكثر فعالية على الصعيد الدولي، على الرغم من وضعها كثاني أكبر اقتصاد عالمي. وقد أعرب محللون كثر، سواء في اليابان أم في الغرب، عن خيبة أملهم من تقلص الدور الياباني في العالم، وبخاصة من عدم رغبتها في الاضطلاع بدور عسكري أكبر في المنطقة والعالم.

لقد جهدت اليابان لتصبح عضوا دائما في مجلس الامن الدولي من اجل زيادة مكانتها الدولية لكن تلك الجهود لم تثمر حتى الآن، على الرغم من حقيقة أنها ثاني أكبر مساهم في ميزانية الأمم المتحدة العادية. في عام 2004، انضمت اليابان الى القوات مع الهند، وألمانيا، والبرازيل بهدف السعي الى التوسع في هيئة الامم المتحدة. لكن تقريراً أشار إلى ان الولايات المتحدة في ظل ادارة الرئيس جورج بوش قامت بدعم مساعي اليابان، الا أنها لم تؤيد الاقتراح المشترك، وعارضت اجراء تصويت على توسيع مجلس الأمن حتى التوصل الى اجماع واسع على اصلاح المنظمة. وفي الوقت نفسه، تواجه اليابان "غيرة" جارتها الصين، التي أكدت مرارا رفضها المساعي اليابانية للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن.

 

 جاشري باجوريا

ترجمة وعد أبو دياب