العدد الخامس والاربعون - تشرين الثاني

في تكريم الخوري يواكيم مبارك

د. جورج قرم: منارة عادة الى ينبوعها
الثلاثاء 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009.
 

عودة رفاة العلامة يواكيم مبارك الى مسقط رأسه في شمال لبنان، هذه الأرض المقدسة حيث توطنت ونمت الطائفة التي ينتمي اليها له دلالة كبيرة، انسانيا ووطنيا وعروبيا. فيواكيم مبارك هو من الشخصيات الفذة التي يهدينا اياها هذا الجبل الملهم ،أعني جبل لبنان ، من جنوبه الى شماله ، منذ المراحل الأولى لتكوينه. وهو في الزمن الحديث ليس فقط وريث جبران خليل جبران من حيث الأهمية عبر تأثير أعماله الأدبية والفكرية واللاهوتية والتاريخية ، بل هو ركن من أركان الوجود الفكري والمعنوي اللبناني الذي يعوض عن ضعف وتشرذم الحكم في لبنان واستحالة تأمين الثبات والاستقرار في كيانه.

وربما ما يميز كل أعمال الاب مبارك هو هذا القلق الوجودي ، المتعدد الجوانب ، على مصير طائفته المارونية ووطنه لبنان وعروبته الثقافية والتاريخية. فقد تميزت أعمال هذا العلامة بثلاثة مستويات من الاطلاع المعرفي الناتج عن التأمل العميق لعقله الثاقب والنير في ان معا وايمانه الديني المسيحي ، والروحانية والصوفية الراقية التي كان يتميز بها.

 

يتعلق المستوى الأول من فكر مبارك وقلقه الوجودي بتاريخ الطائفة المارونية ومصيرها المستقبلي، بتناقضاته وتعقيداته وتطوراته ، في خضم المسار الصعب لكنائس الشرق وعلاقاتها في ما بينها أو مع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في أوروبا. وقد أسس الأب مبارك لمفهوم الكنيسة الانطاكية الجامعة التي تفرعت منها كل كنائس الشرق المتنافرة فيما بينها . ويغدو من الضروري العمل من أجل عودتها الى حالة الانسجام والوفاق في التراث الانطاكي السرياني المشترك ، وهو الذي يجمع أيضا هذه الكنائس مع الكنيسة الأرثوذوكسية الشرقية.

وانطلاقا من ايمانه هذا ، كرس السنوات الأخيرة من عمره لاطلاق فكرة انعقاد مجمع ماروني يكون منبرا لنهضة جديدة للكنيسة المارونية بعد انقضاء أكثر من 200 سنة على المجمع الأخير ، أي مجمع اللويزة في العام 1739 . وقد عمل جاهدا ، ليلا ونهارا ، في باريس كما في بكركي ، للتحضير لمثل هذا الحدث الجليل الذي تحول الى حقيقة ، وان بعد وفاته. وقد كان يمر بفترة من التعب المشوب بشيء من اليأس من امكانية انعقاد المجمع بالشكل الصحيح.

 

ومما لا شك فيه أن نجاح المجمع ، ولو في غيابه، مدين لكده وجهده وعبقريته الى درجة كبيرة. وان عودة رفاته الى مسقط رأسه لهو حدث يجب أن يساعد على ابقاء الروح المجمعية حية بكل أبعادها في كنيستنا المارونية وفي لبنان ، وبخاصة في اطار رسالة البابا يوحنا بولس الثاني الشهيرة حول لبنان التي تجسد أيضا العديد من اراء وطموحات فقيدنا الغالي.

أما أفكار وأعمال ومبادرات وتحركات مبارك في الشأن الوطني، فقد جسدت شجاعة وصراحة نادرة في ربوعنا ، في أهلك وأخطر ظروف الحرب الأهلية، وهي تكون ملحمة وطنية مطلقة صافية ، بعيدة عن اية مصلحة شخصية ومذهبية . وقد سعى يواكيم مبارك دون كلل الى جمع التناقضات وتذويبها في رؤية متكاملة رصينة، لرسالة لبنان في المشرق العربي، وضرورة مواجهة مسؤولية كاملة في خضم النزاعات الاقليمية ، وعلى رأسها ما نتج عن اغتصاب فلسطين من قبل يهود أوروبا من ارتدادات بركانية في الشرق العربي.

 

وهو في الحقيقة قد ناضل طوال حياته لتبيان عدوانية الكيان الصهيوني تجاه العرب ، وبشكل خاص الفلسطينيين واللبنانيين، وبالتالي ضرورة العمل سويا لمجابهة هذا الخطر الداهم . وكان بطريقته الخاصة يسعى الى اختراق الانعزالية السياسية التي استولت على بعض الدوائر السياسية المسيحية في لبنان والتي أصبحت تتجاهل ضرورة انسجام لبنان بعمقه العربي ، بدلا من الاستسلام للأوهام ، بتحالفات مع الدول الغربية المؤيدة بشكل أعمى لاسرائيل.

كما كان لا يوفر جهدا لاقناع أهل القلم والرأي في فرنسا بعدالة الدفاع عن الفلسطينيين وحقوقهم وعدوانية السياسة الاسرائيلية وخرقها لكل مبادئ القانون الدولي ومبادئ الانسانية . وكان بشكل خاص يوجه رسائل جريئة الى الأدباء المشهورين المؤيدين لاسرائيل لثنيهم عن التأكيد الأعمى للممارسات الاسرائيلية في فلسطين المحتلة.

في الحقيقة، لم يوفر جهدا طوال حياته في الدفاع عن عدالة قضية فلسطين وعن التضامن الذي لا بد منه بين اللبنانيين والفلسطينيين لمجابهة الخطر الصهيوني بالتنسيق والسياسة الحكيمة . فهو كان مقتنعا بأن اسرائيل ترى في لبنان عدوا كيانيا بذات الخطورة التي يكونها لها الوجود الفلسطيني. فالتعددية الدينية اللبنانية هي نقيض الاقصائية الاسرائيلية تجاه فلسطين.

ولذلك هذه الوحشية الدموية الخارقة التي مارسها الكيان الصهيوني ضد لبنان ، دولة وشعبا ، ظلت طوال العقود الماضية ، حتى أتت المقاومة اللبنانية بصيغتها الأخيرة لطرد الاحتلال وفرض الهيمنة على العدو.

 

أما المستوى الثالث في فكر يواكيم مبارك ووجدانه ، فهو مستوى لاهوتي رفيع ما نزال نتجاهله الى حد بعيد في لبنان ، لما يدخل من جديد ، مسيحيا واسلاميا ويهوديا ، في استكشاف سيرورة التوحيد الالهي بمتفرعاته الثلاثة . فقد يرى بأن التتالي التاريخي لبروز الثلاث ديانات الابراهيمية ، لا بد من أن يكون من فعل ارادة الله ومشيئته، وعلينا واجب السعي الدؤوب لاكتشاف المعاني العميقة لهذه السيرورة ، بدلا من أن نكمل المنهج العقيم في المجادلات اللاهوتية العدائية الطابع بين أتباع كل من الديانات الثلاثة ، والهادفة الى الغاء الأخر ومعتقداته ونعته بالكفر والضلال.

وكان يأخذ على الديانة اليهودية ، وبكل جرأة ، انها اختصرت نفسها في المطالبة العقارية بأرض فلسطين واضطهاد أبنائها الأصليين . وكان يشير دائما الى جهود الكنيسة الكاثوليكية للقضاء على تقاليد ومعاداة اليهود كقتلة للمسيح على أثر قرارات المجمع الفاتيكاني الثاني ، بينما لم يقم اتباع الديانة اليهودية بأي جهد لاعادة النظر في موقفهم من المسيح والديانة المسيحية.

 

أما موقفه من الاسلام ، فكان باستمرار موقف ايجابي لا عداء فيه ، اذ كان يرى بان نبوة محمد فعلا مكملة للمسار التاريخي للتوحيد وأن خروج النبي العربي من مكة الى المدينة يشبه بشكل ما هجرة المسيحية الأولى من القدس الى انطاكية . وربما نجد في أعمال يواكيم مبارك أروع ما كتب حول الديانة الاسلامية ومعناها في اللاهوت التوحيدي الابراهيمي المشترك . وان من قرأ صفحاته الرائعة في هذا الموضوع يصبح على يقين مطلق بأن لا معنى للوجود المسيحي في الشرق ، وبشكل خاص الوجود الماروني وكذلك الوجود العائد لسائر الطوائف المسيحية الشرقية، الا بالتقارب الروحي ضمن تطور فهم مشترك لسيرورة الارادة الالهية بجمع المسلمين والمسيحيين معا في حياة مشتركة ألفية الطابع في المشرق العربي بمنارته اللبنانية . وفي هذا المضمار، أسمح لنفسي باطلاق نداء ملح لترجمة كتاباته الغزيرة باللغة الفرنسية حول الاسلام الى اللغة العربية. وقد باشرت سيدة لبنانية ، عالمة وكريمة ، في فرنسا ، مقدامة ومعجبة بأفكاره ، بالقيام بترجمة نصوصه . غير أن التراث المكتوب الذي تركه الأب مبارك يتطلب تضافر الجهود المبادرات.

 

هذه اللمح السريعة والمقتضية الى المستويات الثلاثة في فكره هي القليل جدا من الأشعة الساطعة النابعة من ذهنه المتنور الذي ما يزال حيا في الأعمال العديدة والجليلة التي كتبها طوال حياته كأستاذ لامع ولاهوتي ورجل وطني من الطراز الرفيع والسامي ، قل نظيره في تاريخنا الحديث.وهو بث الحيوية المتجددة في تاريخ الكنيسة المارونية وسائر الكنائس في الشرق . وله العديد من الكتابات القيمة والرائعة في سبل اعادة الحيوية الثقافية والروحية والطقسية أيضا الى الطائفة المارونية ، في حياتهم الشخصية والعائلية كما في حياتهم العامة.

وأخيرا ، كيف لا أذكر روح الصداقة العميقة النبيلة الراقية التي كان يطورها مع كل من كان يلتقي به في هذه النظرة الطاهرة والروحانية والمثالية الى الحياة الدنيا ومصاعبها ومشاكلها . فقد كان صديقا وفيا يغذي كل من حوله بأشعة ذهنه المتوقد وحنانه واهتمامه بأمور وهموم جميع أصدقائه.

 

 

جورج قرم