العدد الخامس والاربعون - تشرين الثاني

بين الضربة والصفقة

هل تختار ايران التسوية؟
الثلاثاء 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009.
 

يبدو ان الوقت بدأ يضيق امام ايران ومجموعة ال 5+1 (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين زائد المانيا) من اجل حسم ما اصطلح على تسميته الملف النووي الايراني. حتى الان ما تزال الهوة واسعة بين الطرفين، فالغرب يطالب ايران بوقف نشاطات تخصيب اليورانيوم، وايران ترد بأنها لن توقف ذلك مستندة الى حقها القانوني وتحت مراقبة المنظمة الدولية للطاقة النووية. يخشى الغرب ان تسعى ايران لبناء سلاح نووي والاطاحة بالتوازنات القائمة في منطقة الخليج، وايران ترد بأنها لا تنوي بناء سلاح نووي عازية ذلك الى فتوى الامام السيد علي خامنئي المتعلقة بأسباب دينية تدخل في صلب العقيدة الاسلامية.

لكن من الواضح ان الغرب لا يثق أبدا بالقيادة الايرانية وبخاصة بعد ان اثبتت هذه القيادة حيوية عالية في استغلال التطورات الحاصلة في المنطقة والافادة منها من اجل توسيع دور ايران والحفاظ على مصالحها. بعد احتلال افغانستان والعراق، تخلصت ايران من عدوين لدودين أساسيين: نظام طالبان ونظام صدام حسين اللذين كانا سدين امام توسع النفوذ الايراني شرقا وغربا.اليوم، لم يعد النفوذ الايراني في العراق والخليج والسودان والقرن الافريقي وفلسطين سرا، بالاضافة الى لبنان وسوريا. وقد أثار هذا التوسع الايراني مخاوف الغرب وهلع إسرائيل، فحلفاء الغرب او ما يسمى بدول الاعتدال يعيشون عجزا كبيرا ويتخبطون في مشاكل داخلية.

فمصر لم تستطع استمالة غزة بالرغم من العلاقات التاريخية والتواصل الجغرافي الوحيد والمصالح الحيوية. كما أن نفوذها في السودان والبحر الاحمر يتراجع، والسعودية تقف مشدوهة امام التغيرات في العراق وصراع الحوثيين مع الحكومة اليمنية على حدودها الجنوبية مع ما يمكن ان يثيره ذلك في نجران وجيزان المحاذيتين لصعدة.   

وفي لبنان، حاولت مصر والسعودية ابعاد سوريا وايران عن الساحة اللبنانية، لكن المحاولات لم تنجح وبقي نفوذهما اساسيا .

امام هذه الوقائع، لا يبدو ان الادارة الاميركية قد اعتمدت استراتيجية جديدة في الشرق الاوسط وشمال افريقيا. وما نشهده اليوم لا يعدو تغييرا في لهجة الخطاب السياسي واظهار الانفتاح، من دون دلائل على وجود تغيير واضح في الاستراتيجية. 

وعلى اثر الأحداث التي جرت في طهران بعد اعلان نتائج الانتخابات في 12 حزيران، حصل ارباك في الغرب وخصوصا في الولايات المتحدة الاميركية في ما يتعلق بالتعاطي مع ايران وتركيز الجهد على سلطة الرئيس نجاد والامام السيد علي خامنئي: هل لا تزال هذه السلطة قوية ما يسمح بعقد صفقة؟ أم أنها مضعضة ويجب اللجوء الى التمييع والاطالة؟ 

وفي حال عقد صفقة، سترتاح الولايات المتحدة الى حد معقول في افغانستان وربما باكستان وفي العراق والخليج والقرن الافريقي. لكن في الواقع، لم تظهر بعد علامات وجود مشروع صفقة لان ذلك يستوجب استدارة قوية للادارة الاميركية لم تقم بمثلها في تاريخها. كما أن من الصعب على الولايات المتحدة ان تضغط على اسرائيل في الوقت الراهن لاسباب عديدة لا مجال لشرحها، كما من الصعب عليها كذلك ان تحسن علاقتها المقطوعة والعدائية مع ايران، لان ذلك يهز حلفائها العرب ويقوض دعائم الاستقرار الضعيفة في" دول الاعتدال". لذلك، يصعب القول ان هناك صفقة شاملة اميركية ايرانية في المدى المنظور. 

بكن السؤال هو: اذا لم تحصل الصفقة،هل تقدم اسرائيل على توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الايرانية؟

تشير التطورات على الجانب الاسرائيلي الى استعدادات عسكرية تشمل تمركز غواصات نووية من طراز دولفين في بحر عمان مقابل الساحل الايراني ومعها سفن حربية من طراز ساعر. وغالب الظن انها مجهزة بصواريخ تحمل رؤوسا نووية، بالاضافة الى تدريبات لسلاح الجو الاسرائيلي على مهاجمة الاهداف البعيدة. وقد قامت اسرائيل في الاونة الاخيرة بأوسع تدريبات على الجبهة الداخلية شملت كامل الاراضي والسكان والمؤسسات وجميع افراد الشعب في اماكن عملهم وسكنهم.

 

فهل توافق الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي على ضربة كهذه؟ لا يبدو ان الولايات المتحدة التي قررت سحب قواتها من العراق، بوارد استقدام المزيد منها الى المنطقة من اجل "متابعة" الضربة الاسرائيلية الى ايران. هذا اذا ما افترضنا ان الولايات المتحدة نفسها لا تنوي شن هجوم على ايران.

وهنا يبرز سؤال جديد: هل تستطيع اسرائيل القضاء على البرنامج النووي الايراني، خصوصا بعد ان كشفت ايران عن امتلاكها منشأة تخصيب ثانية اقصى شرق البلاد، عشية اجتماع مجموعة العشرين في الولايات المتحدة؟ لذلك، من المرجح ان يكون قد جرى الكثير من البحث بين هذه الدول حول البرنامج النووي الايراني واحتمال توجيه ضربة عسكرية ضدها.

ومزيد من الأسئلة تأتي: ماذا يحصل في حال نفذت اسرائيل الضربة ثم ظهر الرئيس احمدي نجاد بعد أيام في منِشأة نووية سالمة وقال ان ايران سوف تعمل على بناء سلاح نووي للدفاع عن نفسها؟ الى اين يكون البرنامج النووي الايراني قد اتجه؟

هل يمكن توقع رد الفعل الايرانية على الضربة؟ماذا يحصل في العراق وفلسطين؟ ماذا يحصل في الخليج وافغانستان؟ماذا يحصل في الغرب كله اذا صدقنا المعلومات الغربية عن وجود خلايا نائمة لايران؟

لا يبدو ان هناك اجابة واضحة ومحددة لكل هذه الاسئلة، تسمح بالتحضير لادارة الازمة الناشئة عن الضربة الاسرائيلية وردود الفعل الايرانية. وتشير الانباء المتداولة في الولايات المتحدة عن اتجاه قوي نحو عدم منح الموافقة لاسرائيل للقيام بالضربة العسكرية.لكن هل يصل التمرد الاسرائيلي على الادارة الاميركية حد اتخاذ مثل هذا القرار بصورة فردية، وبخاصة أن اسرائيل بمختلف قواها السياسية تعتبر الخطر النووي الايراني وجوديا وكيانيا؟ هل يقدم قادة اسرائيل على هذا الخيار الابوكاليبسي لمنطقة الشرق الاوسط؟ وماذا عن مصالح الغرب والشرق (الهند والصين واليابان) لجهة ضمان تدفق النفط الى الدول الصناعية؟ وهل تتحمل هذه الدول الانقطاع في امدادات النفط؟ وماذا يحصل للاقتصاد العالمي الذي بالكاد يستطيع الخروج من الازمة المالية الراهنة؟ وهل تتخذ في مثل هذه الظروف قرارات حربية تؤدي الى تفاقم الانهيارات الاقتصادية؟

لا يبدو ان قيام اسرائيل وحدها بتوجيه ضربة لايران ممكن الحصول في ظل الامكانات والتوازنات القائمة حاليا.امادخول الولايات المتحدة والحلف الاطلسي واسرائيل حربا دولية ضد ايران فهو ممكن من ناحية التوازنات، لكنه صعب المنال سياسيا نتيجة موقفي الصين وروسيا.

فاذا كانت الصفقة صعبة، والضربة اصعب، ما هي الخيارات المتاحة؟ هل هي التسوية؟ ربما، وبصيغة عقوبات اشد من العقوبات السابقة. لكنها في الواقع تشكل تمديدا لحال الازمة الراهنة وتمديدا لمشاكل المنطقة برمتها وخصوصا الصراع العربي الاسرائيلي الذي يدخل نفق اللاحرب واللاسلم مع تأجيج النزاعات الداخلية ضمن دول المنطقة وفي ما بينها. وفي هذه الحالة، تنبت بذور الفتن وتتفجر المشاكل الدينية والطائفية والاثنية في كل المنطقة وتضرب حالات اهتراء تام في بعض الدول مثل العراق والسودان واليمن وغيرها. ومن يدري؟ هل تبقى سوريا وايران محصنتين أمام هذه الموجة الشرسة والعدائية؟

في الواقع، المخرج الغربي من المأزق الايراني هو مدخل عربي لأزمات داخلية لا حدود لها. فهل يصبح الحفاظ على الوضع الراهن  

يعد بذاته، انجازا كبيرا؟