العدد الخامس والاربعون - تشرين الثاني

مهرجان برلين الدولي للأدب: خلطة دمجت الأدب ب "قلّته"

مشاركة عربية ضعيفة الإختيار.. لو "شاهدها سعد.. لدفع"!
الثلاثاء 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009.
 

برلين - غسان أبو حمد

فتحت برلين هذا العام أبوابها أمام "المهرجان العالمي للأدب" في دورته السنوية التاسعة (من 9 إلى 20سبتمبر\أيلول الماضي)، وذلك عبر إستقبالها لأكثر من مئتي أديب وشاعر من مختلف دول العالم، خاصة من الذين لم يتسنّ لهم نشر إنتاجهم الأدبي بسبب الهجرة والإغتراب، أو لأسباب سياسية أو جنسية خاصة.

والظاهرة المميزة واللافتة لمهرجان برلين العالمي للأدب هذا العام تجلّت في عاملين: الأول، تخصيص موضوعه وبرنامجه للأدب العربي، بما يشكّل إطلالة على العالمية التي يحملها ويتغنى بها عنوان هذا المهرجان ومنظموه والمطلون على مسرحه. أماالعامل الثاني فتجلّى بخطوة نادرة يشكر عليها ولا يعرف مدى القدرة على تنفيذها وتحقيقها، فتقضي بأن يبادر بعض الميسورين ماديا أو بعض المشاهير العالميين المعروفين في ميدان الأدب العالمي، إلى إختيار واحد من المشاركين في مهرجان هذا العام لرعايته ومساعدته في مجال إنتاجه الأدبي، مشكّلا بذلك "راعيا" يطلق عليه تسمية "عرّاب الأديب"، تكون مهمته الإهتمام بإنتاج الأديب أو الشاعر الذي يختاره، ورعايته، شريطة عدم التدخل في طبيعة إنتاج هذا الشاعر.

وأتت هذه المبادرة، كمحاولة لتشجيع الإنتاج الأدبي في دول العالم، وهي تتم عبر ملء إستمارة من قبل "الراعي أو العراب" يتعهد فيها برعاية وتشجيع الأديب أو الشاعر الذي إختاره من دون التدخل بإنتاجه الأدبي. واللافت هنا، أن معظم الأسماء المشاركة في المهرجان، تعيش خارج بلدانها أو هي لاجئة في بعض الدول الأوروبية بدافع العوز المادي أو الإضطهاد السياسي، ما يعني حاجتها الماسة إلى راعي ميسور ماديا، قد لا يعنيه رعاية الإنتاج الأدبي قدر ما يعنيه خزّان المعلوماتية حول الأوضاع السياسية والإجتماعية في بلد الأديب المهاجر أو اللاجيء الذي يرعاه!

وإلى ذلك، تزامن "مهرجان برلين العالمي للأدب" هذا العام مع سلسلة نشاطات ثقافية وفنية ورياضية عرفتها المدن الألمانية، بدأت بمهرجان فرانكفورت العالمي للسيارات (من 19 إلى 30 سبتمبر\أيلول) الذي شهد تقديم آخر إبتكارات صناعة السيارات في زمن المصاعب التي تتعرض لها الصناعة الأوروبية بسبب الأزمة المالية العالمية، وتلاه أيضا، معرض آخر يلامس الأدب، هو "معرض الكتاب العالمي" في مدينة فرانكفورت، (من 10 إلى 15 أوكتوبر)، وهو أكثر جدّية أدبية. ويضاف إلى هذه الجوانب التاريخية والهامة، سلسلة مهرجانات عالمية تتعلق بالذكرى العشرين لسقوط جدار برلين والذكرى الستين لقيام جمهورية ألمانيا الإتحادية.

ضعف المستوى والسوية

يعتبر "مهرجان برلين العالمي للأدب" المهرجان الوحيد في العالم الذي شاءه مديره أولريش شرايبر مهرجانا يزاوج بين الأدب والحياة بمختلف أوجهها، وخاصة السياسية والمرفوض منها. وعليه فقد وجهت الدعوة هذا العام إلى شعراء وكتاب نثر منفيّين لم تترجم أعمالهم أو لم يسبق لهم أن قاموا بزيارة وصفها منظّم المهرجان بالسياحية إلى العاصمة الألمانية برلين، أو دفعتهم روح المغامرة إلى ملامسة باب الجنس في العالم العربي.

إنها من دون أدنى شك، أفكار جريئة تستحق الخوض في غمارها، خاصة متى كان ضرب بابها من المحرّمات. وعلى الرغم من تأكيد بعض وسائل الإعلام، نقلا عن لسان مدير مهرجانات برلين يواخيم زارتوريوس، "أن هذا المهرجان سيكون من حيث الشكل والحجم بمثابة أول مهرجان من نوعه يسلط الضوء على الأدب والحياة في 22 دولة عربية مثيرة بأحداثها السياسية والتاريخية والأدبية"، فقد تبيّن - مع الأسف - أن هذه الرغبة لم تتحقق على الإطلاق وفشلت تماما هذا العام. اذ أن مراجعة أسماء الأدباء العرب الذين شاركوا في المهرجان الدولي في برلين هذا العام - من دون الإنتقاص من  أهميتهم ومواقعهم في "عوالمهم" الأدبية العربية- جاءت بعيدة كل البعد عن الغاية التي يبتغيها "مهرجان برلين العالمي للأدب" للإطلالة على عالمية الأدب العربي. ويكفي هنا، الدلالة على ضعف المستوى والسوية التي يتمتع بها المشاركون في مهرجان هذا العام مقارنة بأسماء مشاهير الأدب والرواية العربية في جميع أوجهها، خاصة متى كان الحديث عن تخصيص الأدب العربي "ضيفا" رئيسيا لمهرجان هذا العام.

ويبدو أن منظمي مهرجان برلين العالمي للأدب، إكتفوا بالموجود والمتوفّر من الأسماء العربية التي لم "يسبق لها أن زارت ألمانيا" أو التي تعيش لاجئة في بعض الدول الأوروبية، بعيدة كل البعد عن هدف ورغبة مدير المهرجان وخلاصة هذه الرغبة: "تسليط الضوء على الأدب والحياة في 22 دولة عربية مثيرة بأحداثها السياسية والتاريخية والأدبية". 

وتشير بعض وسائل الإعلام الألمانية إلى أن ضعف الموازنة المالية المخصصة للإنطلاق بفكرة المهرجان هي السبب وراء الإكتفاء بما هو متوفر من الأسماء الأجنبية "تقليلا للتكلفة ولا تشكّل إحراجا أمام جمهور يجهل كل الجهل تاريخ وسوية المادة الأدبية التي تعرض أمامه، فلا يلتقط من "عالمية" المهرجان، سوى بعض الأسماء العربية الوافدة للمشاركة من خارج الحدود" (آبند تسايتونغ).

شارك في "مهرجان برلين العالمي للأدب" في دورته التاسعة هذا العام، كتاب من الهند والمجر وباكستان وبريطانيا وفرنسا وإيرلندا وألمانيا وإسرائيل. أما عن العالم العربي فقد وقع الإختيار على كل من يوسف بزي (لبنان)، ومايسه بيه (الجزائر)، ويوسف أمين العلمي (المغرب)، وليلى صبار (فرنسية - جزائرية)، ونعومي شهاب ناي (فلسطينية-أميركية)، نادين توما (لبنانية)، ياسين عدنان (المغرب)، رجا عالم (العربية السعودية)، مالك عللولا (الجزائر)، سنان أنطون (أميركي-عراقي)، فاضل عزاوي (العراق)، علي بدر (العراق)، رحاب بسام (مصر)، ماهي بنابينه (المغرب)، إينام بيوض (الجزائر)، رشيد بوجدرة (الجزائر)، وأسيا جبار (الجزائر)، منصورة عزالدين (مصر)، نجوم الغانم (الإمارات العربية المتحدة)، جومانة حداد (مجلة "جسد"- لبنان)، عبد إسماعيل (اللادقية)، علوية صبح (مجلة الحسناء سنوب - لبنان)، مارغريت أوبانك (عراقية بريطانية)، صموئيل شيمون (عراقي-بريطاني)..

وكان لحضور ومشاركة الكاتبة الهندية أروندهاتي روي، قيمة مميّزة بعد الشهرة التي أكتسبتها في جميع أنحاء العالم من خلال روايتها "إله الأشياء الصغيرة" ، ولكن أيضا بمواقفها السياسية العديدة التي لفتت فيها الانتباه إلى مخاطر العولمة.

أدب الجنس

... هكذاإلتقت هذه المجموعة من الأدباء العرب، ومعظمهم ينتمي بمواقفه إلى سياسة دعم السلام ووقف الحروب والأخوة والتضامن وصولا إلى مجلة "جسد" الإباحية (جمانة حداد) وإلى رواية "نظر إليّ ياسر عرفات وإبتسم" ليوسف بزي..وصولا إلى من لم يسبق له أن زار برلين!.. هذه "المخلوطة الأدبية" دقّت أبواب "مهرجان برلين العالمي للأدب"، لكنها حتما لم تمثل بإنتاجها متاعب العالم العربي الأدبية وإن كان بعض إنتاج هؤلاء الأدبي يعتبر جزءا هاما من متاعب هذا العالم وإرهاصاته، وهي حتما منحت بحضورها خلطة دفعت القارىء ليس " للإبتسام فقط... بل للفقع من الضحك!!".