العدد الخامس والاربعون - تشرين الثاني

ثقافة الحمير لا بغال الثقافة

نرمين أبو خليل
الثلاثاء 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009.
 

هل استفزكم عنوان مقالتي؟! وتساءلتم لماذا ثقافة الحمير أو بغال الثقافة ؟!

أيا من هاتين الثقافتين سنكون...؟

نعم ، نحن نعيش في بلد كل شيئ فيه متوقع .. لكن الذي لا نتوقعه هو أن تضم كلماتي وحروفي كل هذه الكمية من الحمير.

ومن جملة ما نتطلع اليه هو أن يكون لنا حق التعبير بحرية ، وان نتوقع من الآخر أن يوجه انتقاده الينا بحرية لكن بموضوية تامة.

أردنا مصادقة العارفين ، لأن الصدق جزء من التعبير عن اسلوب حياة ونمط تبيّن أنه أنجح الأنماط دون أن نخشى الوقوع في غدر الآخرين.

أترجم أحاسيسي على ورق لأقول لكم هيا الى كلمة حلوة هادئة ، نبتعد فيها معا عن القبح لنصيب في المعرفة جمالا وحقا وخيرا.

ولأننا " نماريد" ، أخشى عليكم الوقوع في حالة " التتييس" التي ستؤدي بكم وبي الى لقاء مصارحة في نهاية الأمر على عزيمة ، إن لم يكن في فضاء الحبر فعلى كيس شعير او تبن.

نحن حمير بالصدفة دون تخطيط ، دون رقيب ، دون حسيب ولسنا نفتقد حماراً آخر يشفع بنا فلا يجير "حمرنته" إلى بشري يستوطي حيط الفكرة.

اذا ،أنتم أيها الأصدقاء  معزومون معنا إلى عمارة لنبني بحجارتها جدران الحياة ، ولنوسع بأمكنتها فكرة الابداع دونما خوف. هي إذا مساحة نبتعد منها عن الخوف والشك والقلق لنلتقي معكم في رقعة تحيي الروح ،تضيف عليها رونقاً وروعة وتألقا في مساحة من الجرأة والوضوح واليقين.

ملتزمون ، نعم ، لكن إلتزامنا نهضوي ، لا يحده أفق إلا النهضة التي تبحث عن أهمية وجودنا كحضارة وشعب يستحق أن يعطى فرصة جديدة كي يبني ذاته بعيدا عن التعصب والانتهازية والعدو الواحد " اسرائيل".

بناؤنا التزامي ، لأنه يبتعد عن طبول الثقافة الفارغين ، أصحاب الياقات وربطات العنق والمدّعين ، الذين يجمعون الى جانب عقدهم المنزلية ، عقدة الخوف من أن يتجرؤوا على الحمير ، فيظلوا دائما في مرتبة " البغال" .. .

لن أدخل في الأعراق والإثنيات ، لأن ثقافتنا ثقافة جامعة موحدة تكتب بحبر العز وترسم بألوان النظرة الجديدة الى الكون والفن التي نذرنا أنفسنا لها ، حضارة تتسع المدى.

سنحاول معاً أن نقترب الى صورة الجمال الأسر ، لتتمتعوا بنغمة الضوء ومساحة الدهشة ، الصدفة العالقة بين الرجاء والتمني ، فرصة لنستدل معكم على أهم المعارض المحلية واللوحات العالمية ، ولنثمن دور الرواد الذين سبقوا. انها فرصتكم معنا كي تشهدوا ، على سيرة الحمير...

وتسألونني بعدها : لماذا نحن حمير ؟!

لأننا نطمح أن نكون صبورين على الزمن الأسود الذي يحاول مع كل هبّة عاصفة أن يصدع بناءنا المعرفي ، إنه زمن الجهل والتخلف واستيراد الأفكار ، إنه زمن " بغال " الثقافة.

لذلك فإن شعاع فلسطين المضيء بين أحضان الكلمة ورحيق التبغ يحاصر الإرهاب ، وشمس بغداد تلوح لبدر الشام أن يسهر على ضفة نهر الأردن. كأننا نزرع شجرة الحياة في عمق الروح ونصغي الى صوت النوارس الآتي من تعب السهول والوديان.. فلا تجزعوا إن سقطت ورقة في خريف غاب ، فنحن ننتظر إاجتراح معجزة بأقلامنا على أوراق جديدة تحل محل الغياب...

ولماذا أنا أول حمارة في العالم..؟

لأني لست عنصرية ، ولا طائفية ، أو مذهبية ، أدعو الى المحبة والتسامح والغفران ، قلبي لا يسعه ملامسة طفل كي لا أسيئ لبراءته ...

ألاطف كل الناس ، أساير كل العقائد والفئات ، أتمتع بقدرة هائلة على التحمل ، أحس وأرى الأشياء في الوقت الذي أقع فيه تحت ضغط البرية والفرية في آن واحد... لا أخطط مسبقا ، بل أرتجي نظاما أسير عليه وفق " المقدر " والعين المجردة من الضلال.

ولذا ، أنا أروع حمارة في العالم ...!

لأني أكل وجبة واحدة في اليوم ، لا أخزن الطعام ، ولا الحقد ولا المهاترات وصنوف العقد .. أتجاهل النميمة ، أقوم الفساد ، أحاول أن أكون أمينة في حفظ الأسرار ، أسرّ للصغير والكبير مغفرتي ولا أدعو لأحد بالسوء ، لا أكره أحدا ، لكني أشمئز من لا أحد ... أعاقب نفسي كلما سنحت لي فرصة التقاط النفس... أصبر على الضيم والفقر والعوز ، أخاف من نفسي على الآخرين ، لا أخشى لومة لائم أو مثلبة ، غير نية المعصية... عنيدة في قناعاتي ، لا أرتجي سؤالا بغير محله ، ولا أنازع جوابا يسامر المقامرة.

ولذلك ، أنا أكبر حمارة في العالم !!

لأني صبورة وحكيمة ، ومحبة للجمال والخصب .. لا أحسن اللبيط كالبغال.. أعرف كيف أقيس المجالات بعين ظافرة ملؤها الرؤية .. أصبر على غضبي.. وأحجم عن الدخول في المناورات.. واذا صدف أن رأيت حمارة مثلي أوجعتني، أحرص على عدم إهانتها كثيرا ، فأخاطبها :" يا بنت آدم اسمعيني "... أذناي ليستا طويلتين وهذه هنّة بي لا أمتاز بها ، أحاول أن أقنع الناس أنني مستمعة جيدة حتى لو كانت أذناي قصيرتين... وحين " أتنح " على شيئ ، أمشي طريقي ب"شعطة" جنون ، انظر خلفي فأرى من يتبعني بخفي حنين دون أن يزعج نفسه بانه " يقلد  الحمار"، فاضحك في سري عندما أعلم أنه مهندس الأفكار وصاحب المخططات الكبرى.

ولذلك ، أنا أهم حمارة في العالم...

لأنه رغم وعيي المبكر ، أصررت على التعامل مع الوقائع بصفتها وظيفة للحقائق ، في الوقت الذي لم أغدر فيه مرة نفسي إلا لأغادرها... وحين علمت أن النظر هو غير الرؤية ، قررت أن أرى الأشياء لتكون الحقيقة لا أن أنظر اليها لتكون واقعا".

ولأني أؤمن بالخصب والحرية ، ومسامحة العقل ، أكتشف أن إسمي هو " حمارة " برتبة فارس ، وقد رفضت سابقا أن يكون إسمي " بنت آدم " برتبة " بغل " ... ولا أدعي صفة حين أشكر الكاتب العبقري سعيد تقي الدين حين وصف الرأي العام " بالبغل " لا " بالحمار"... وذلك لفضيلة في نفسه ان ينزه "الحمار" عما هو متعارف عليه ، وأن لا مشكلة في الحمار سوى أنه وديع وأمين وصبور ورؤيوي وعيبه كامن في إسمه " حمار".

ولأن الحمار بطبيعته حر ، نفتح معكم أحبائنا سائر "الحمير" المثقفين والمواطنين والقراء على اختلاف مشاربكم وأهوائكم ومعتقداتكم صفحة ثقافية تجاور المعقول في حدها ، ولا تطمح لغير غاية شريفة واحدة هي الإبداع فلا شللية ولا عصابات ولا إرتهانات باطلة .. بل جدية واتزان وشجاعة وموقف...

وحاسبونا إن كنا " بني آدميين " على هذه المغامرة ، التي كل ما فيها حر ما سوى الحرية..

لن أكون أفضل من كوني " حمارة" سوى القول :" سأتعلم من كيس غيري لا من كيسي".. لأنها شيمة الحمير وبلاغتهم. ولن أنتظر " غودو " الثقافة. طالما البشري حيوان ناطق باللغة الهيروغليفية .. لكننا لن نكون بغالاً ابداً...

لا تؤاخذونا أيها  اللآدميون... إن أصابكم قصد او مكر من مقالتي هذه ... فالله خير الماكرين... أنا هي " حمارة" الثقافة فتدللوا .. وليهنأ بالك يا توفيق الحكيم ، لقد أصبح لك شريكة... والى لقاء جديد مع الحرية.