العدد الخامس والاربعون - تشرين الثاني

محمود حيدر في "لاهوت الغلبة"

حين يكون الإجرام الأميركي أمراً الهياً!
الثلاثاء 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009.
 

حين أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش في العام 2001، ايران وكوريا الشمالية دول محور الشر، كان يؤكد بذلك "طهرانية" الحرب التي يخوضها ضد أعداء أميركا في العالم، في امتداد واضح لما صرّح به معظم الرؤساء والمسؤولين الأميركيين الكبار، حول هوية الولايات المتحدة الدينية، برغم دستورها العلماني.

تستحق العلاقة بين السياسة والدين، النظر في خطورة توظيف "المقدس" في الحركة السياسية، وامتدادتها الاستعمارية. لهذا كان كتاب الباحث محمود حيدر "لاهوت الغلبة" شرحاً وافياً حول التأسيس الديني للفلسفة السياسية الأميركية.

يقول حيدرفي مقدمة كتابه المؤلف من حوالى 380 صفحة من القطع الكبير، إن "كل الكلام الذي يجرى حول مهمة أميركا في العالم، يظل محفوفاً بالنقص، ما لم يتعلق بالأصل الروحي والفلسفي الذي قامت ولادتها عليه".

ويعتبر أن التاريخ الأميركي شريط من مشاهد آيديولوجية متصلة: "ثمة ما هو فوق قومي، وفوق استراتيجي، يحكم، ويوجّه، ويغذّي، ويسدّد إغواءات السيطرة الأميركية على العالم. ذلك هو الوضع الذي وجدنا أن نضعه ضمن مصطلح "الميتاستراتيجيا". ذاك يعني حضورية الإيمان الديني والإعتقادات الغيبيّة في تشكيل الزمن السياسي وصناعة التاريخ".

 

ويبدو أن الكاتب قد وفّق في اختيار عنوان "لاهوت الغلبة"، الذي يحمل مدلولات ملائمة لما هي عليه الولايات المتحدة من رغبة في السيطرة على الشعوب الأخرى والهيمنة ثقافياَ واقتصادياً، مدعومة بتعاليم لاهوتية تعطي هذه الرغبة بعداً "طهرانياً" و "قداسوياً" على غرار حرب الفسطاطين عند أسامة بن لادن. 

هكذا هو "محور الخير" الأميركي في مواجهة "محور الشر"، الذي يقف ضد سياسة الامبراطورية الرأسمالية "العظمى"، تجسيد واضح لما رسمه الآباء المؤسسون من مستوطنات على آراضي الهنود الحمر، بعد "الانتصار" عليهم بعنوان حرب المسيحية ضد الوثنية.

ربما كان أحد نواقص هذه الدراسة، عدم توفر مراجع ومصادر أجنبية، تغني البحث بشكل أفضل من الاعتماد على التراجم التي لا يمكن ان تتلافى لعبة خيانة النص الأصلي. لكن بأي حال تمكّن الكاتب بإسلوبه الصحافي السلس والمعلومات الأرشيفية القيّمة والشهادات الموثقة، من تحويل الكتاب الى مرجع مهم في التاريخ الأميركي، مرجع لم يقع في لغة الرتابة، بل تحلّى بسبكة روائية تأريخية تشد القارىء الى معرفة المزيد عن هذا الموضوع.

 

يتناول حيدر في فصله الأول "طبائع أميركا الأولى"، متحدثاً عن فلسفة ولادة الكيان الأميركي، معتبراً أن كريستوف كولومبوس حين قررأن يركب البحر ويمضي مغامرته لاكتشاف أميركا، كانت الإيمانية المسيحيّة حاضرة في وجدانه. 

كما يستفيض في الحديث عن ثقافة الحرب الأهلية الأميركية (1756- 1763)، والجدل الذي ساد آنذاك وما بعد تلك الفترة حول الإيمان المسيحي والطرق التي انشقّت عن المؤسسة الدينية آنذاك. ويسلّط الضوء في هذا السياق على الجدل الميتافيزيقي - العلماني.

في الفصل الثاني يناقش الكاتب "أميركا بما هي دولة دينية"، وتحت عنوان "مثلث الأصولية والليبرالية والانجيلية" يتحدثً عن التيارات الثلاثة، معتبراً في السياق، أن كلام المبشّر المحافظ ريتشارد لاند، في الدعوة الى "مسحنة العالم"، لم يكن تصريحاً عفوياً حول أمر يعتقده ويدعو إليه. بل هو على ما يبدو تمثيلا فعليا لمناخات أصولية تمتد جذورها لتشمل خريطة دينية واسعة في أميركا.

يرصد المؤلف العلاقة بين رأسمالية النظام الاقتصادي والبعد اللاهوتي، قائلاً "كان الدين حاضراً ليقول للرأسمالي بأنه "مقدّر لك" أو بأنك مرصود لاستكمال عملية الخلق، التي تركها الخالق من دون أن ينجزها بشكل كامل". ويستنتج من هذه المقولة أن التوسع في بناء المصانع، والتوفير، والاستثمار العقلاني والمنهجي، وكذلك إخضاع الأشخاص الآخرين بما فيهم النساء والأطفال للعمل المنهك، أصبح إكمالاً لعملية الخلق التي بدأها الله نفسه، وتمجيداً لله، وتحقيقاً للغاية التي من أجلها خلق الله العالم والإنسان.

 

ويشير الى أن المسيحية الأميركية، كانت غارقة في بحر الإيمان، فيما كانت المسيحية في القارة الأوروبية، في انحسار وغير قادرة على مواجهة الثورات الصناعية والسياسية والثقافية، موضحاً أن البروتستانتية الإنجيلية قد أثبتت أنها هي الدين الأميركي العام للمجتمع المدني الأميركي بحلول العام 1830.

 

وعلي لسان الكسي دو توكفيل فان "الدين في اميركا يجب النظر اليه على انه اول مؤسسة سياسية لدى الاميركيين".

ينتقل الكاتب في الفصل الثالث للحديث عن "فلسفة المكان"، متحدثاً عن مفارقات الهوية القومية في أميركا، وأعمدة هذه القومية، ويناقش في هذا الفصل "الآيديولوجيا كتجلِّ لوحدة الدين والقوميّة". ويخلص هنا إلى قول الباحثة الفرنسية، نيكول غيتان، من أن الآيديولوجيا الأميركية تستند الى ثلاثة مفاهيم كبرى، تشكّل بالتالي عوامل أساسية وحاسمة في صياغة هويتها القوميّة : الطهرانية والاستيطانية والقدر المتجلِّي أو "المصير الظاهر".

 

لعل الفصل الأهم في الكتاب الذي يهم القارىء العربي، هو الفصل الرابع الذي يتناول "فلسفة أميركا الإسرائيليّة". ويجري هنا مقاربة بين اللاهوت اليهودي واللاهوت المسيحي، محاولاً إسقاط الحالة الاسرائيلية على الحالة الأميركية.

فالقيامة هي نفسها في الدولتين؛ "السمة الاستيطانية لكل من الولادتين الأميركية والاسرائيلية، والسمة اللاهوتية التوراتية".

 ويقول في الصفحة 173 من الكتاب "إن يهود الروح الذين يمثلهم الأنكلوسكسون، هم الذين يحملون "رسالة "اسرائيل"، التي تخلى عنها اليوم يهود اللحم والدم، وهم الذين أعطاهم الله العهد والوعد، وهم الذين ورثوا كل ما أعطاه الله تاريخيّاً ليهود اللحم والدم ومعظمهم من ألد أعداء الساميّة".

وفي مجال آخر، يخلص الكاتب إلى أن "ابتعاث "العصب الإسرائيلي" لأميركا في زمن المحافظين الجدد، لم يكن إلاَّ لتأكيد الميتافيزقا التاريخية، التي رست عليها المقولة الأميركيّة. وهذا "العصب"، الذي يمنح لأميركا معناها الإسرائيلي، هو عصب مربوط بحبل وثيق إلى سلسلة غير متناهية من المفاهيم التي تؤول على الإجمال إلى إعادة إنتاج عقيدة الفرادة، أو ما يرسّخ خرافة النوع الأميركي النادر". 

في الفصل الخامس ينتقل محمود حيدر الى "فلسفة الحرب" وتعميم "رسالة الرجل الأبيض"، التي درجت عليها الحروب الكولونيالية الأوروبية.

وتحت عنوان "لاهوت الاقتدار" يقول "ظلّ ريتشارد نيكسون الرئيس الأميركي الأسبق، يُردّد في خطبه العصماء الموجهة الى الجيش والشعب هذه الكلمات: "الله مع أميركا، الله يريد أن تقود أميركا العالم".

ويعنون الكاتب الفصل السادس بـ "فلسفة الفوضى" مستشرفاً الحرب العالمية الرابعة ولاهوتها الخاص بفكرة نهاية العالم.

أما في الفصل السابع فيتحدث عن "نقّاد الامبراطورية المعصومة". ويختم دراسته القيّمة بعنوان "أميركا بوصفها إمبرياليّة دينيّة".

وهنا يمكن استحضار مدى توظيف الإدارة الأميركية للبعد الميتافيزيقي في تحالفاتها المصلحيّة، فالكل يذكرعزفها خلال حرب الأفغان ضد السوفيات على وتر الدين، حين أطلقت لقب "المجاهدين"، ملمّحة إلى أن المعركة هي بين المؤمنين بالرسالات السماوية وبين الملحدين. مشهد يتكرر في قضايا أخرى، حين توحي الولايات المتحدة لبعض الحكومات الإسلامية أن أوروبا تمتلك مشروعاً ثقافياً يهدّد القيم الدينية للمؤمنين بالله، مثل تشجيع الإجهاض والمثليّة الجنسية، فيما "تحافظ" الولايات المتحدة على ثقافات المؤمنين، مكتفية بتدمير البشر والحجر كأفضل وسيلة يأمر بها الله لاصلاح الأمم.