العدد الخامس والاربعون - تشرين الثاني

المرأة تريد أن تحكي بعد فترة خرس إجبارية

حليمة مظفر ل"تحولات": بعض المسلمين استبدلوا مضمون الإسلام الانساني بآخر مذهبي
الثلاثاء 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009.
 

أسماء وهبة

 

حليمة مظفر، شاعرة وأديبة وصحافية سعودية. من النساء "التقدميات" في المملكة العربية السعودية ، ناضلت وتناضل من أجل تحرير المرأة، وتواجه العقول المتحجرة المسيطرة على المجتمع والمرتكزة على الدين الإسلامي الذي أساء المتعصبون فهمه وتطبيقه!

في حديث حصري، التقت "تحولات" هذه الشاعرة المتحدية لكل أطباع المجتمع التقليدية وكان معها هذا الحوار الإستثنائي:

 

  تقولين: "أن الإسلام في أساسه ليبرالي". ماذا تقصدين بذلك ؟ 

الليبرالية هي الإيمان بالفرد ومنحه الحرية الكاملة، من دون أن تمس او تتعارض مع حرية الآخرين. والإسلام كذلك، هو دين ليبرالي في أساسه لأنه يؤمن بالفرد وحريته أيضا، وأنها تنتهي حين تتعارض مع حدود سياقه الاجتماعي أي بقية الأفراد. واذا ما تتبعت تشريعات الاسلام وفق سياقها القرآني وتأملت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياته ومعاملاته؛ بعمق وتأمل وتشريح، تصلين فعلا إلى هذه النتيجة. ان أهم مفردات الحرية هي حرية الدين، رغم أن البعض يجدها متعارضة مع الإسلام؛ وهي على عكس ذلك؛ ففي سورة البقرة؛ قوله تعالى " لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)". ثم من بعد هذه الآية، تجدين النص القرآني مفصلاً هذه الاختيارات والنتائج المبنية عليها وفق الحق والباطل، لتأكيد مبدأ حرية الاختيار. فهي تحاجج العقل بهدف إقناعه بالإيمان، لأن الهدف هنا ليس الإجبار والإكراه، وإنما الاقتناع العقلي بجوهر هذا الإيمان. ورأيي هنا لا يذهب لتفصيل الليبرالية بصفة إسلامية، لأني أجد الإسلام في فلسفته للحياة، ليبراليا ومحررا للفرد. فالليبرالية كفلت حرية الدين وحرية التعبير والمساواة بين الأفراد في تطبيق القانون؛ وهي حرية مشروطة بتوقفها ومعاقبة تجاوزها إذا مست حرية الآخرين وأضرت بها. والليبرالية آمنت بكرامة الفرد؛ والإسلام آمن بها أيضا وسعى لتحقيقها بإنهاء العبودية من خلال تعزيز عملية عتق الرقاب مقابل الأجر العظيم؛ أو لتكفير المعاصي وهكذا. والليبرالية أيضا كفلت للإنسان الغربي حرية التعبير السياسي؛ والإسلام كذلك؛ فكم شاور الرسول صلى الله عليه سلم أصحابه وزوجاته وأخذ برأيهم وهو في غنى عن ذلك لوجود الوحي؛ لكنه فعل ذلك لتعزيز أمر الشورى بين المسلمين.

 

  هل يعني كلامك أن أسس الإسلام تختلف عن تطبيقاته الواقعية ؟

في اعتقادي أن كثيرا من المسلمين في العالم فهموا الإسلام شكلا لا جوهرا، وأفرغوه من مضمونه الإنساني وأبدلوه بمضمون مذهبي وطائفي ليتطور إلى سياسي. وقد انبثق ذلك عن علماء رفضوا أن يحرروا عقولهم؛ واتخذوا كتبهم كتبا مقدسة، ومع مرور الزمن حولوا آرائهم إلى قوانين وألزموا الناس بها؛ وتحولوا الى حراس تعصبوا لمذاهبهم وتطرفوا في تطبيق أراء بشرية باسم الدين. هذا ما يحصل حاليا في طالبان بوصول أفرادها الى مرحلة دموية خطيرة في تطبيق هذه الاجتهادات البعيدة عن الدين وسماحته! مما اصطلحوا عليه أنه الصواب والمخالفين له على خطأ وضلال، فأجازوا لأنفسهم باسم الإسلام التدخل في علاقة الناس مع الله تعالى بمراقبتهم في بيوتهم وإقامة عقوبات وحدود فهموا ظاهرها لا باطنها؛ وهو ما يتنافى مع مبدأ الدين إسلامي كدين حياة وحرية وتحرير، وكل ما فيه من تشريعات وقوانين وقواعد تصب في ركيزة إنسانية.

 

  أطلق الملك عبد الله مبادرة لتفعيل الحوار الوطني بهدف تحقيق التعايش الداخلي بين الفئات الفكرية المختلفة. برأيك، هل يحدث ذلك تغييرا ما في المجتمع السعودي؟

بالتأكيد، لأن مضمون هذه المبادرة هو الاعتراف بالاختلاف وتعدد التيارات داخل المجتمع. قبل ذلك كان هناك سيادة لتيار واحد وإقصاء للآخر، وإسكاته بتهم التكفير والفسق. أما الآن، نعيش في السعودية إصلاحات هامة، وننعم بما يشبه ربيعا صحافيا وثقافيا، فقد أتيحت من الحرية ما يسمح بحوار مسؤول بين المختلفين. كما أصبحت المرأة شريكة في صياغة الخطاب الثقافي والاجتماعي، وهو ما كان من قبل مرفوضا وممنوعا!

 

  هل ترين أن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تشكل مصدر إحراج ثقافي يعيق مشاريع الإصلاح الفكري في السعودية؟

هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهاز حكومي، مهمته مراقبة الآداب العامة ومنع تجاوزها. ومثل هذه الأجهزة موجودة في دول عربية أخرى ومعروفة باسم بشرطة الآداب. لكن الهيئة في السعودية تقوم بمهمتها من رؤية إسلامية، ويقوم بعض منسوبي هذا الجهاز بممارسة عملهم من زاوية ضيقة مغلقة على أراء فقهية محددة انغلق دون غيرها، بينما هي مسائل خلافية فقهية. وهذه الرؤية الضيقة بما تبعها من سلوكيات أو اجتهادات شخصية لبعض منسوبيها ميدانيا؛ خرجت عن قواعد نظام عمل الهيئة وأوقعتها في أخطاء أدت إلى مواقف محرجة في حق بعض الأفراد والمجتمع، كموقف بعض منسوبيها مني في معرض الكتاب الدولي بالرياض، حين حاولوا منعي من توقيع كتابي الأخير للرجال!

 

  ما الفرق بين كشف المسكوت عنه في النص الأدبي، وبين اعتماد الرمزية للتفلت من سلطة الرقيب الديني ؟

 ولا ننس الرقيب السياسي أيضا! ولعل الرقيب الديني والرقيب الاجتماعي الذي يقف "للجنس" بالمرصاد، أقل حدة من السياسي الذي ما يزال المبدع العربي وإن تجاوزه أحيانا؛ يشكل له تهديدا قمعيا. أما الفرق بين الكشف الصريح والترميز، فهو بمثابة "الشعرة"، التي يتيحها المبدع، فتبقى الرمزية بابا مواربا وسحرا يمارسه المبدع في نصه. لكني ضد الرمزية الغارقة في اللاشيء، أقصد التي تصل الى مرحة الإبهام، فلا تعرف إن كان الباب مفتوحا أم مغلقا من الأساس، وإن حاولت فتحه؛ تجد الباب يحجز خلفه جدارا أصما! مثل هذه الرمزية التي استسهلها بعضهم لسهولة اللجوء إليها في النص الشعري خاصة؛ لا تشعرني بأية متعة في تذوقها.

 

  هل استطاع الأدب السعودي الاجابة عن الأسئلة القلقة في عالم مفتوح عنوانه الحداثة؟

أظن أن الأدب الإنساني في عمومه حتى الآن، يحاول الكشف عن إجابات لأسئلة قلقة مع الآخر أيا كان؛ نتيجة تغير مفردات التواصل الإنساني السريعة. فإثارة الأسئلة ومحاولة الكشف عن إجابات جديدة في الأدب هي ما تعطيه معنى التجدد والحداثة الفكرية في تصوري، وهي مهمة صعبة. أما الأدب السعودي، فيعيش الآن طفرة في جانب الرواية؛ لا سيما أن ما يقدمه أصبح وجبة أدبية شهية للقارئ العربي والأجنبي. والسبب هو أن الجميع يريد أن يعرف عن مجتمع ظل لسنوات مجهولا لديه قبل العولمة.

 

  في العام 2006، صدرت خمسون رواية سعودية نصفها بأقلام نسائية. ماذا يعني ذلك؟

 يعني أن المرأة تريد أن تحكي بعد فترة خرس إجبارية، والحكاية بضاعتها، وقد ردت إليها. وأحسب أنها استطاعت تقديم تجربة جريئة، لكنها تجارب لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة، والبقاء سيكون دائما لمن تصنع الدهشة بفنية عالية.

 

  ما هو موقع الرجل في الرواية النسائية السعودية ؟

كثيرات من الروائيات السعوديات ما يزلن سجينات صورة الرجل النمطية في قمعه، فنرى صورته مشوهة قاسية بينما المرأة هي ضحيته. كما أن بعض الروائيات العربيات يقعن أيضا في ذلك، ولا أعلم متى يتحررن من تقديم بطلاتهن مجرد ضحية للرجل، ويدركن أن القارئ يبحث عن لحظة مدهشة ممتعة في بناء سردي جميل.

 

  كيف يمكن للجنس أن يوظف في الرواية من دون أن يكون مجرد صور إباحية ؟

أنا لست ضد تصوير الجنس في النص الروائي؛ بالعكس، أنا مع ذلك، لأنه جزء من طبيعتنا البشرية، لكني ضد أن تتحول الحكاية بكاملها لسرد سير جنسية لأبطالها. أما عن الجنس في النص الشعري، فذلك الأخير يفتقد المرونة والمساحة التي توفرها فضاءات السرد، لهذا يكون توظيفه فنيا أكثر صعوبة في صور شعرية وبلغة عميقة .

 

  قدمت كتاب "المسرح السعودي بين البناء والتوجس". هل هناك حقا مسرح سعودي قادر على مواجهة رفض المحافظين له؟

لم يتحول المسرح السعودي كحضور اجتماعي إلى فعل مُنظم، لعدم وجود دور مسرحية يرتادها الجمهور. أما عن تعاطي المحافظين ورفضهم له، فهو لم يتغير منذ موقفهم السابق حينما أقفلوا مسرح الرائد الراحل أحمد السباعي في ستينات القرن الماضي في مكة المكرمة!

 

  ما هو التحدي المفروض اليوم على الكاتب المسرحي السعودي وسط شروط قاسية على الإبداع؟

التحديات كثيرة أمامه؛ أهمها رقابة المجتمع وكثرة خطوطه الحمراء التي أوجدت للإبداع حدودا رقابية قاسية في ظل مجتمع محافظ، حتى وان أصبحت لدينا جمعية للمسرحين السعوديين لخدمته وتطويره اجتماعيا وثقافيا. وبالرغم من "الممنوعات"، حين تشاهدين المسرح التجريبي السعودي بما يقدمه ضمن المهرجانات العربية المسرحية، فإنه يثير إعجابك، لأن الكاتب المسرحي بالرغم من هذه التحديات، تعلم كيفية الرقص مع الخطوط الحمراء بطريقة أكسبته سمات خاصة ضمن هوية مجتمعه. برأيي ما زال المشوار طويلا أمام المسرح السعودي، إلا أن بعض الكتاب المسرحين قطعوا شوطا طويلا في التجربة وأسسوا خطابهم المسرحي.

 

  تعملين اليوم في وكالة الثقافة بوزارة الثقافة والإعلام السعودية. كيف تقيمين تجربة المثقف في المؤسسة الثقافية الرسمية ؟

لا أستطيع تقييم دور المثقف بشكل العام لأن التجربة ما تزال جديدة، اذ أن عمر وكالة الثقافة بالوزارة لا يتعدى السنوات القليلة جدا، وقد ولدت منذ انضمام الثقافة إلى الإعلام تحت مسمى وزارة الثقافة والإعلام. وأحسب أن تجربة عمل المثقف تختلف باختلاف فهمه لدوره الثقافي الإنساني ومواقفه وذائقته الخاصة، وفصل ذلك تماما عن أداء دوره كموظف مهمته أن يخدم المثقفين ويتعاطى