العدد الخامس والاربعون - تشرين الثاني

فايز خضّور في "أريج النار"

يسند رأس قصيدته الى حافة القلب
الثلاثاء 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009.
 

بعد "عشرون مجرة من العشق" والدواوين الشعرية ، يحوم الشاعر فايز خضّور حول ناره، التي يتعبد برائحتها في "أريج النار"، ليعرض مواقده المشتعلة على حطب ذاكرته التي توجعه من شدة يباب السنين، فيحرق القصيدة ويتدفأ بها. لكن، هل من شيء يطفئ نيران حنينه المتقد، بعد تقدمه في العمر وفي الشعر ؟ بعد في (البدء كان الوطن )، ملحمته الشعرية، يكتب في "أريج النار" ما بقي من بدء الكلمات في شتاءه الذي يبدو بارداً جدا، ويبحث في طي قصائده عن وجع لا يتعب، لكنه يبوء بالفشل ، فيسند رأس قصيدته الى حافة القلب الذي ما زال يوجعه بحنين امرأة لا يريدها أن تستسلم لطغاة القلب الذي شاءه:  

 أنادي إذا ما ظمئت ، انهلي

 من دمي دافقاً

 واضحكي في وجوه الوشاة ،

وتيهي كما تشتهين

ولا تتركيهم يحومون حول دواليك ِ،يستهترون كما يشتهون ..!

في كل باب من مجموعته هذه، يسرق من موقده جمرات قد تضيء عتمة الروح. أم لعله يسرقها ليتدفأ بها في مهب العاصفة التي يرجوها؟

 لا تمري بنا ، أيتها العاصفة .

 مسكبات البنفسجِ وشوشنَ لي ،

 في ارتشاف الصّباح :

لا تمرّي، ولا تتباهيِ ،على طفلةٍَ ،

عمدتها دموعُ الِجراح .

جمراته لا تُشعل في كل مرة ما يريد له عمره، الذي يسير مسرعاً دون رياح . هنا فقد الشاعر عجلات تأخذه إلى حيث كان يريد. هل هو اليأس الذي لا مفر منه في مشوار الزمن، الذي كان يريد له التوقف قليلاً ليشتعل الحنين الضائع في الطريق؟

تمر القطارات

 في موسم الحزن
خاوية من عذاب الرحيل ...

تمر بوحل المحطات مخنوقة :

لا سؤال ، ولا صرخة توقظ الروح ،

عبر خلايا المساء الطويل ...

تمر ولا عاشق ينتشي بعناق ،

ولاشيء يثقل هذا المدى المدلهم ،

 سوى موحشاتِ الصدى ، في رماد العويل ...!

"أهذا الذي صِرته يا جميلْ..؟! "

تجربة الشاعر خضور، اشتعال في مهب العاصفة، فهو لم يتغير كثيراً في محاكاته للطبيعة التي يستند عليها في ملحماته الشعرية، و دائماً تحرقه ببردها. فايز خضور في كل كتاباته تقريباً يستخدم مفرداته ذاتها، ليؤلف قصيدته التي تحمل في طياتها هواجسه، وبيئته الجبلية التي يخيط بها ثياب القصيدة، ويعبرعنها بالتفعيلة حيناً وبالنثر حينًاً آخر. فهل يقف في شعره قرب ما يريد دون أن يلامسه؟ وهل هذه سمة تحسب له أم عليه ؟  

في نواح طفل يبكي ما يريد، وصراخ الروح لما كانت تشتهي ، واليأس الذي أطبق فكيه على ما تبقى من فتات طفولة شاعر، يهيم على وجه الحرف، ليدرك المسافة الفاصلة بين ما يريد وما يمكن تحقيقه .

خورتْ من جوعها الروحُ ، وألقتْ في هزيم الريحٍ طفلَ العاصفةْ :

عارياً حتى من التنهيد لا يقوى على شيء،

 سوى بعض الخفايا المقرفةْ ...!

هكذا أودى به العشق المسجى ، في توابيت رماد العاطفةْ ..!

 بعد ستين جمرة من محرقة الروح، وستين قتيلاً في مقبرة الحب، وستين إثما، ما زال الشاعر يصر على اقتراف الشعر والبكاء والحب، والخطايا التي لا يريد لها أن تغتفر. ما زال الشاعر يصر على ما يريد القلب لا ما أرادت به السنون التي مضت على صهوة الحياة ، يريد البقاء بكل أشياءه التي أحب:

 اثنتان وستون معصية،

انهكت زورقي ،

 في خضم الزمان الزبد ...!!

 إثنتان وستون مغفرة.

 يا إله البغايا مدد ..!!

 ها هي اليوم زادت ثلاثاً وتزداد ليلا ، فليلاً

 وتزداد...تزداد...حتى انطفاء الأبد ..!!

إذا كان الشاعر يحلم بالحياة فلا بد من الخطايا ليبقى، ولا بد من الشعر أن يمحو كل الخطايا التي تبقى بعده .

مجموعة "أريج النار" من إصدار دار نينوى - دمشق، تقع في 122 صفحة من القطع الوسط .

سونيا سليمان