العدد الخامس والاربعون - تشرين الثاني

زمن الموت الجميل

الثلاثاء 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009.
 

ويد تصفعه فيقبلها، بطعم ألمه، بقسوة وجعه، قوية حتى العشق، فيستدرك ما هو عليه، ويعرف أن كل ما يحيط به غريب. وهو في عمق الشارع يرسم اخر الطريق، والوجوه تتساقط كأوراق الخريف، وجوه يعرفها وأخرى يحاول ان يرسم ملامحها، ها هي أصبحت بلا لون.

يد تلامسه بلطف، تغيب وتعود، تلوح له من البعيد. انها اليد التي قبلها بوجع وجوع. يغوص فيها بين خطوطها، يبحث بحذر، همسات ووشوشات تلاحقه. "تباً!" كلمة رماها منذ زمن في مكب النفايات، لغة تفوح منها رائحة الحقد والكذب وجنون العظمة . قد يعود الى بيته ويغلق خلفه الباب ويستريح، فكل شيء يتغير، وقد ينتهي اخر الطريق. هنا بين هذه الزواية الأربع، مع انزوائه، تتصارع الأفكار. يكتشف انه في زمن الديناصورات! أحرق كل الجرائد، مزق كل ما كتب، حطم التلفاز، وفي رفوف مكتبته تحولت الكتب الى مهرجان، الى بركان يلتهم ما تبقى روح في داخله ، الى هذيان موجات من الحزن. حالة رقص هو، فنوبات ضحك.

هنا، تأكد من ذلك الجماد، زمن الديناصورات يجتاح كل شيء. انقراض فانقراض، قل لى ماذا تبقى بعض تراب؟ اخرس أيها اللسان! لم يعد لديك كلام مفيد. وحدها الصور تتكرر كل يوم، تتكرر فتنطق بالحقيقة المفجعة. وهو، يلتقط الصور، يجمعها، لعل المشهد يكتمل. عائدا الى عمق الشارع، يرسم تلك الوجوه، يجمع أوراق الخريف ويعلق المشانق، ويغني أنشودة العدم. سنوات من القمع، فاصرخ عاليا! عصر من الجوع، تمرد! ليال من الصقيع، البس صمودك! دهر من التخلف، واليد تلوح له، مثلك أنا، فتعال اليّ!

نعاج نعاج، قطعان تسير الى المجهول. تسير قوافل من الجهل تقبل اليد سوداء، وطبول الشر تقرع مع كل محاولة انبعاث تزف لنا المصيبة. فشارعه ورود وعطر وياسمين، وشارعه مقاه، في زواياه يعزف للحب للفرح، شمالا ويمينا ازدحام، قبلات، أنشودة تحرر، مشروع حياة! لنرقص حتى الفجر! فغدا مجهول من دون يقين. لنغنّ انشودة الحرية علّنا من سكرتنا لا نستفيقّ كم أنت بعيدة أيتها الحرية عن عيون بائسة وقلوب محطمة، عن سلاسل الرضوخ وطوابير الغباء الميتة! واليد السوداء تتمايل، تأمرهم فيرقصون لحن الموت، ينتشون مع نهر الدماء ويصرخون باسم القضية. بالعنف يحيون، بالحقد، بالجهل، ومزيج الألوان يعمي بصائرنا، وكله أشد سوادا. قل شيئا! لا تبقى صامتا كتمثال، كصنم من موت وجماد! يضج الصراخ في الاعماق، وصدى الحرية يثور، لكنهم على سواعدهم يحملون القضية، وهي مسجاة في تابوت .

زاهر العريضي