العدد السادس والاربعون - كانون الاول

الأحزاب القومية: ما بين القومي والإسلامي

نسيب الشامي
الاحد 3 كانون الثاني (يناير) 2010.
 

ان التربية القومية في شقها الفكري العقيدي التي نشأ عليها وتربى في ظل ثقافتها اعضاء الاحزاب القومية وانصارها ومحبيها، كانت تربية حاسمة لجهة ترسيخ المفاهيم وآليات التحليل حتى باتت من الثوابت التي لا يصح النقاش فيها او محاولات نقدها، مخافة ان تشوبها شائبة التقليل من اهميتها او من صحة الفكرة - العقيدة وثبات بنيانها،

او ربما الانتقاص من جدارتها في طرحها للحلول التي عالجت مشاكل الامة وولدت قناعات راسخة عند معتنقيها.

سنعالج في هذا المقال اشكالية لعله من المفيد للمتابعين واصحاب الرأي والمفكرين القوميين ان ينظروا اليها بدراية وحكمة قبل الحكم عليها بمنطق الثابت والتربية القومية. وعنوان هذه الاشكالية هو:

- كيف يتم التعامل مع الثابت القومي - كمبدأ- اذا ما نشأت ظروف موضوعية بالغة الاهمية اصبح فيها هذا الثابت عاملاً غير مساعد في خدمة القضية القومية؟

-كيف يتم التعامل مع المعطى الديني الذي اصبح فيها هذا الثابت عاملاً غير مساعد في خدمة القضية القومية؟

-كيف يتم التعامل مع المعطى الديني الذي اصبح بفعل هذه الظروف الموضوعية البالغة الاهمية عاملاً مساعداً وغير متنافر مع المصلحة القومية؟

تركيا وايران كنموذجين:

بمنطق التربية القومية القائمة على ثقافتها التعيينية والتي علمتنا في مدارسنا ومنتديات احزابنا - ان لواء اسكندرون وكيليكيا هما اراض سورية تم سلخها عن الوطن الأم في نهاية الحرب الكونية الاولى من قبل الدولة التركية - العثمانية بتواطؤ فرنسي - وبالتالي كان هذا الاستيلاء بمثابة اعتداء على حق الامة السورية - وسيادتها على اراضيها - مما جعل روح العداء تشوب العلاقة بين الجارين السوري والتركي.

 

وينطبق الحال عينه على ايران بالنسبة للاحواز التي هي حق الأمة السورية الطبيعي والتي تم سلخها بالقوة العسكرية في وصلة تاريخية سابقة، كما ينطبق على ايران روح العداء القومي ما بين هاتين الامتين الجارتين السورية والايرانية. اما الظروف الموضوعية السلبية فهي اننا نواجه في فلسطين كياناً عنصرياً استيطانياً اسمه اسرائيل مما شكل قضية الأمة المركزية خلال ما يزيد عن الستين سنة الأخيرة،

او مسألتها المركزية تماشياً مع ثقافة وتربية الاحزاب القومية. كما واجهنا على مدى سنين طويلة تحالفاً استراتيجياً صراعياً بين اسرائيل وتركيا من جهة، وما بين اسرائيل وايران الشاه من جهة ثانية.

وتحولت هذه الظروف الموضوعية السلبية الى ظروف موضوعية ايجابية على وقع الثورة الايرانية بقيادة الامام الخميني عام 1979 التي رسمت معاييرالنصرة والتحالف والتآخي كاستراتيجية ثابتة في تعاملها مع عالمنا العربي، عوضا عن اسرائيل. وبالرغم من حرب الثماني سنوات التي خاضها صدام حسين ضد الثورة الاسلامية في ايران بقصد وقفها عن اعتماد هذه الاستراتيجية التي تضر باسرائيل ومصالح العالم العربي وبالرغم من الخسائر الفادحة التي اصابت هذه الأمة، وأخذت مسيرة ثورتها الفتية بعض رعونة صدام حسين وضيق أفقه السياسي والقومي.

كما تحولت الأوضاع في تركيا بعد وصول حزب العدالة والتنمية بقيادة طيب رجب اردوغان الى رئاسة الحكومة في تركيا وقدرته الباهرة على ترويض المؤسسة العسكرية والسياسية، فتحولت تركيا من خصم قومي الى صديق يتعاطف مع قضايا العرب. وقد تجلى ذلك بأبهى حلله اثناء وبعد حرب غزة مطلع العام 2009، والتظاهرات الشعبية الحاشدة من اجل نصرة شعبنا، اثناء الاعتداء الصهيوني، وبعده والموقف اللافت لرجب طيب اردوغان في رده على رئيس الدولة اليهودية في دافوس ومثله في موقفه من المسلسل التلفزيوني التركي الذي اغضب إسرائيل. ولا ننسى الغاء تركيا للمشاركة الاسرائيلية في المناورات الجوية المشتركة في حلف شمال الاطلسي على الاراضي التركية، وهذا يعني:

ان ايران الدولة العدوة قومياً بمعنى السالبة للحقوق القومية في الاحواز هي عينها ايران الحليفة القومية ضد إسرائيل، وتركيا الدولة العدوة بمعنى السالبة للحقوق القومية في كيليكيا واسكندرون هي ذاتها الدولة المناصرة لشعبنا السوري في فلسطين والعراق ولبنان. اما اسباب هذه النصرة ايرانيا وتركياً فهو العامل الديني الاسلامي اولاً والمصالح الاقتصادية الثقافية السياسية ثانياً. بحيث اذا ما اعتمدنا المبدأ القومي - كثابت بمعزل عن الظروف الموضوعية والمصلحة القومية لأمتنا، سيكون عامل تنافر وتباعد مساعد في رفد قضية الأمة المركزية بكل عناصر القوة من اجل صيانة الحقوق فتكون المعادلة كالتالي:

ان أمة عريقة كأمتنا السورية العربية والتي تستمد روحها ومواهبها من تاريخها الثقافي السياسي والدين الاسلامي والمسيحي، هو بعض هذا التاريخ وربما أهمه. هذه الأمة هي بأمس الحاجة الى تأوين هذا الفكر العقيدي القومي اي جعله في صورة اوان العصر وضروراته وظروفه الموضوعية واستراتيجيته الناضجة لمستقبل اجياله الطالعة . وهذا التأوين قد يخضع الثابت لمعيار ان مصلحة الأمة قد تتجاوزه ولا تلغيه ما يسمى بلغة المعلوماتية بـIN QUEUE اي المواج بإنتظار ظروف موضوعية مؤاتية - وهذا التجاوز محكوم في مرحلة تاريخية معينة من اجل صيانة مستقبل الأمة وأجيالها، وبالتالي صيانة هذا المبدأ عينه.

الدين هو خزان من خزانات هذه الأمة، هو وديعة لديها قد طلبته ووجدته.

الدين هو جزء أساس من تاريخنا وثقافتنا، وهو سلاح قومي لا يجب عزله عن دينامية الصراع وأدواته في معركتنا المصيرية ضد اعداء الأمة.

نسيب الشامي