العدد السادس والاربعون - كانون الاول

الإبداع بين العلمانيّة والدين

هوازن خداج
الاحد 3 كانون الثاني (يناير) 2010.
 

تستند العمليّة الإبداعيّة، بمعناها السائد وليس الميتافيزيقيّ "أي الخلق من عدم"، إلى جملة من الظروف الزمانيّة المكانيّة والبيئة الثقافيّة والاجتماعيّة والتوجه الفكريّ ومستوى هذا الفكر والعوامل التاريخيّة والحضاريّة المؤثرة أو الفاعلة فيه. فكلّ ما نراه اليوم هو عبارة عن حلقة في سلسلة الأفكار الإنسانيّة التي شكّلت العقل البشريّ من خلال رحلته الحضاريّة عبر الشرق والغرب.

بدأت تعدديّة الاتجاهات الفكريّة المؤثّرة في العمليّة الإبداعيّة في فترة الاحتلال الأوروبيّ للوطن العربيّ، ويمكن اعتبارها إيذانا بدخول الفكر الغربيّ الذي أنضجته أوروبا منذ عصر النهضة ليهزّ سكون المشرق، الذي غلبت عليه التوجّهات الفكريّة الدينيّة وتياراتها في فترة ضعف السلّطنة العثمانيّة كتيّار الرابطة العثمانيّة، وتيّار الجامعة الإسلاميّة وغيرها ممن حاولوا البحث عن حلول لمعالجة مشكلات السلّطنة العثمانيّة كدولة إسلامية. أما التيّارات الأخرى كتيّار القوميّة العربيّة، وتيّار الوطنيّة الإقليميّة، فقد اتّهمت من قبل بعض المؤرخين والدارسين بالتأثر بمخططات الغرب الرامية إلى إضعاف الخلافة العثمانيّة، وفصل العرب والمسلمين عن جسم الخلافة، وتشتيتهم حتى يستطيع الغرب بسط نفوذه ووضع يده على كل ما يملكه المسلمون. فالدين كظاهرة اجتماعيّة وكمكوّن ثقافيّ يتداخل ويتقاطع دوماً مع مسارات تطور الجماعة البشريّة المعنيّة، وقد ولّدت التوجهات الفكريّة الدينيّة العديد من التيّارات والقوى الإسلاميّة الرافضة لهذا الفكر الغربيّ الدخيل، منها المسلّحة بالفكر السلفيّ كحركة محمد عبد الوهاب في الجزيرة العربيّة أو الممزوجة باتجاه صوفي كالثورة السودانيّة والحركة السنوسيّة في ليبيا. ومازالت هذه الاتجاهات حتى يومنا هذا مستمرّة بتوليد حركات الإحياء أو التجديد، التي استندت إلى الأحكام الدينيّة واقتصرت ممارساتها الفكريّة على الاجتهاد ومحاولة تأويل النصّ وملائمته مع ظروف المجتمع بعيدا عن إمكانيّة الإبداع رغم بروز العديد من المفكرين في الاتجاه الدينيّ كسيّد قطب الذي ترك آثارا فكريّة متعددة وطوّر مفهومين أساسيين الحاكميّة والجاهليّة المعاصرة، زوّد بهما نهر الفكر السياسيّ الإسلاميّ، مؤثرا في فكر الإخوان المسلمين وغيرهم من حركات إسلاميّة معاصرة كالتيّار الدينيّ المعتدل أو السلفيين الجدد. هذا التيّار الفكريّ الذي يدعو لتطبيق الشريعة الإسلاميّة مع الأخذ بمعطيات العصر من تطور وتحديث، اكتفى بالتكنولوجيا رافضا ما ورائها من فكر وعلم وفلسفة وأدب وأبحاث، وظل سعيه محصورا في إقامة علم وفكر يرتكزان على الأسس الإسلاميّة، برغم حظوة العديد من شخصيّات التوجه الدينيّ بالاحترام الشعبيّ وأحياناً الرسميّ مثل الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ فيصل مولوي والأستاذ فتحي يكن وغيرهم. لكن أفكار هؤلاء لم تخرج من الإطار الدينيّ باعتباره الرابطة التي يمكن أن يلتفّ حولها المسلمون، وبدل أن يطلق العنان لأصحاب الفكر والعلم والأدب والأبحاث ليمهّدوا الطريق أمام نهضة إبداعيّة تساهم في انبعاثنا الحضاريّ، تمّ تجميد الفكر في مدارس ومذاهب لم تطرح جديدا بالمعنى الفكريّ، بل هي تعتمد على الخطب والمواعظ، والمقالات السطحيّة المكرّرة. فالتوجهات والتيّارات الدينيّة رغم قوتها والانتشار الواسع الذي تحظى به ووفرة المال والوقت والمكتبات والبعثات الدراسيّة، تعاني من الفقر والسطحيّة وقلّة الإبداع، في مجالات الثقافة والفكر والرواية والشعر والفنّ والفلسفة ، وهي لا تزال محصورة في نصوصها وثوابتها ومعاداتها للثقافة الإنسانيّة العامّة، حتى إنها لم ترفد الثقافة اللغويّة والقانونيّة وعلم مقارنة الأديان، ولم ينكبّ علماؤها على بناء فكر إسلاميّ مبتكر في طبيعة هذه المجتمعات لأي نوع من أنواع العلوم.

 إن الغياب الواضح لجانب الإبداع، يعتبر أحد أزمات الفكر الدينيّ الهامّة، لأنه يساهم في ركود الإنسان بين الخرافة والتقليد، وما ينتج عنه من سقوط حضاريّ بمختلف المستويات العلميّة وغير العلميّة، في زمن لم يعد كافيا فيه امتلاك موروثات ثقافيّة أو دينيّة للمساهمة بالتطور العلميّ أو الفكريّ أو الأدبيّ والدخول في حيّز الإبداع. وتشجيع الأدبيّات الدينيّة لحريّة البحث والتفكير والإبداع والرأي لم يحرز تقدّما لافتقار هذا التوجّه إلى الحريّة في التعبير، فحريّة الإنسان في العرف الدينيّ يجب أن تبقى مرهونة بالطريقة التي تحددها له تلك الأيديولوجيّات، وبالثوابت الدينيّة المعروفة والمحددة سلفاً والمقولبة في أنماطها الثقافيّة وأطرها اليقينيّة، مما يؤدي إلى انحسار المساهمة الفعّالة في بناء صرح إنسانيّ قوامه الإنسان. والملفت أن أصحاب الفكر الدينيّ يستمرّون برفع راية الجهاد لمواجهة التيارات الفكريّة الحديثة البعيدة عن سياق أدبياتها الدينيّة واتهامها بالتبعيّة إلى الغرب والغزو الثقافيّ الغربيّ، مغرقين في مجال التحريم والتشدد، غير مدركين لقوّة التطوّر الحضاريّ، متجاهلين أن العلمانيّة لا ترتبط بالثقافة الغربيّة الحديثة وحدها وإنما هي تراث إنسانيّ يرتبط بالتاريخ المتطور للإنسان نفسه، وهي ثمرة الجهود والخبرات العلمية والأبحاث، التي تركت أثرا لا يمكن منافسته من قبل التوجه الدينيّ، في الإبداع الذي شهده العالم العربيّ وربما الإسلاميّ على امتداد القرن التاسع عشر والعشرين.

لا شك أن عصر النهضة الأوروبيّ كان المعبر الذي دخله عالمنا لنهضته الحاليّة، فالشعوب جميعها لا تبدأ نهضتها بالانغلاق عما أنجزته الثقافات والحضارات التي سبقتها في التاريخ أو في التقدّم الذي كان له تأثيره الواضح في رواد التيّار العلمانيّ كطه حسين والعقاد وغيرهما. فالتوجهات العلمانيّة على اختلاف تيّاراتها ما بين يساريّة وليبراليّة، وقوميّة وأمميّة، سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة وأدبيّة بجميع أطيافها، تقوم على أساس استقلال العقل والوعي الذاتي. وتعدد التيّارات التي ماج بها الفكر العالميّ ولّدت مذاهب أدبيّة وتيّارات ومدارس، كتيّار الواقعيّة الاشتراكيّة والرومانسية والوجوديّة، وغيرها، كان لها أثرها الواضح في مجرى الإبداع العربيّ. وقد غطى تيّار الواقعيّة الاشتراكيّة مساحة كبيرة في بعض البلدان خاصّة في فترة الخمسينات، وتتابعت كتابات سليم خياطة ورئيف خوري ونجلاء عبد المسيح وحسين مروّة، والعشرات غيرهم من أنصار هذا الاتجاه، وبرز في الشعر السيّاب والبياتي وسعدي يوسف، وفي الرواية كان للواقعيّة الاشتراكيّة نصيبها من الإبداع في أعمال صنع الله إبراهيم وإسماعيل فهد إسماعيل وفارس زرزور وغسّان كنفاني وإميل حبيبي وأبي بكر خال والطاهر وطّار، والكثيرين غيرهم. وقد شكل هؤلاء عملا انقلابيّا يهدف إلى تنوير الجماهير لتعي ذاتها وتحتل مكانا تحت الشمس، وكان للوجوديّة بوصفها نزعة إنسانيّة من ناحية وبوصفها داعية لالتزام الأديب بقضايا مجتمعه. وقد ترجم الدكتور عبد الرحمن بدوي العديد من مؤلفات الوجوديين محاولا أن يجد الرابطة بين الوجوديّة والصوفيّة في المبدأ والمنهج والغاية. ودعا محمد النقاش في مجلة الآداب، حول الأدب الديمقراطيّ في نوفمبر 1953، إلى استلهام الوجوديّة لأنها تمثل الاستجابة المباشرة لحاجة الإنسان المعاصر إلى إعادة النظر في وجوده. كما تظهر المضامين الوجوديّة في أعمال صلاح عبد الصبور وأدونيس ويوسف الخال وخليل حاوي ونزار قبّاني ونجيب محفوظ وجبرا إبراهيم جبرا وجبران خليل جبران. هؤلاء وكثر غيرهم كانوا من روّاد التيّار العلمانيّ واضعين بصمتهم الإبداعيّة في التأليف والنشر في فنون شتى من العلوم وبالأخص في الفكر والأدب والفنّ على اختلافه.

يقول محمود درويش "في مِكْنة المبدع أن ينهض من خراب إذا حرّكه أمل عظيم أو بأس عظيم"، فالإبداع ليس منوطا بمستوى تطوّر المجتمع لكنه لن يقوم بمعزل عن الآخرين عبر نفي انجازهم الإبداعيّ من فولتير ومالارميه وسوزان برنار وسارتر وغيرهم ممن أثّروا في الإبداع العربيّ الذي تبنته التيارات العلمانية، ورفضته التيّارات الدينيّة التي تقوم بزجّ المزيد من العراقيل، لتبقي على تخلّفنا وتبعيّتنا الحضاريّة والاستهلاكيّة في جميع المجالات، مترصّدة لكلّ جهد فكريّ إبداعيّ وكلّ إنتاج أدبيّ لا ترضى عنه، متهّمة إياه بأنه ثقافة دخيلة مستوّردة تلغي وتنبذ كلّ قديم في الشكل والمضمون وفي الأسلوب والمحتوى وتخلخل القيم الخلقيّة الراسخة في المجتمع الإسلاميّ. لا يمكن للتيارات الدينية تجاهل الفائدة الكبيرة التي جنتها الحضارة العربية الإسلاميّة من الحضارات السابقة كاليونان والفرس والهند منذ القرن الهجريّ الأول، عن طريق ترجمة مجمل نتاجهم الفكريّ من علوم وفلسفة، بالإضافة إلى اندماجها وتفاعلها مع الحضارات القائمة أساساً في مناطق الفتح. فهل يمكن تغييب حقائق التاريخ؟ لقد استخدم عمر بن الخطاب شريعة وضعها كسرى أنو شروان الفارسي المجوسيّ بوضع ضريبة على الأرض الزراعيّة، وما زال هذا التشريع الاقتصاديّ يعرف في التراث الإسلاميّ باسم "وضائع كسرى" أي القانون الذي اتفق عليه الناس.

أمّا الآن في عصر الحداثة التي ساهمت بوجود الإبداع، وانطلقت بالإنسان إلى آفاق رحبة، صار التوجّه الدينيّ نائما في شرنقة الجمود والانغلاق ناسيا "اطلبوا العلم ولو في الصين" مغلّفا في حقبة تاريخيّة معيّنة يُعيد من خلالها إنتاج ذاته بعيدا عن الإبداع، ساعيا إلى تّمير كلّ الجهود الممكنة في سبيله، متجاهلا أن العلوم الإنسانيّة والإبداع ليست له هويّة قوميّة أو دينيّة.