العدد السادس والاربعون - كانون الاول

ادارة الاستراتيجية في المنظمة العقائدية"

انطون سعاده نموذجا
الاحد 3 كانون الثاني (يناير) 2010.
 

في كتابه الأخير "ادارة الاستراتيجية في المنظمة العقائدية" يقدم الباحث اسامة عجاج المهتار منهجية جديدة لدراسة الاحزاب وفق علم التخطيط الحديث وتطبيقها على الحزب السوري القومي الاجتماعي كنموذج.

وهكذا بعد قراءة انطون سعادة وتاريخه يعيد المؤلف مسيرته وحزبه على ضوء مقاربة جديدة لواقعه ومعاناته متسائلاً عن اسباب تصوره في تحقيق غايته: هل كانت عقيدته خاطئة ام لم يحسن تطبيقها؟

"تحولات" حاورت الخبير في الادارة الاستراتيجية اسامة المهتار حول منهج التخطيط الاستراتيجي وتطبيقه على الحزب القومي من اجل استشراف المستقبل وفهم اسباب الانقسامات والانحرافات و"تبدد الاتباع".

اسامة المهتار عرفنا على منهجية جديدة لفهم "المنظمة العقائدية"، فهل تعي الأحزاب مفاتيح التجديد والحداثة علّها تصحح مسارها من اجل مزيد من الفعالية التاريخية والدور الرائد.

 

 

 

 

تميّز كتابك الأخير بإدخال منهج جديد الى دراسة الأحزاب. استناداً لهذا المنهج، كيف تحلّل واقع الأحزاب اللبنانية اليوم لا سيما الحزب السوري القومي الإجتماعي؟

 

لقد اعتمدت منهجية علم التخطيط الاستراتيجي الحديث في الإدارة والذي يضع تسلسلية سببية من نظرة إلى غاية فمجموعة أهداف استراتيجية فمبادرات تؤدي عبر انجازها إلى تحقيق المؤسسة (أية مؤسسة بما فيها الأحزاب) لغايتها ونظرتها.

إنطلاقًا من هذه المنهجية نرى أن بعض الأحزاب قد مات عمليًا وإن لم يدفن بعد. وأن بعضها الآخر لم يكن لديه أصلاً نظرة أو غاية، بل هو تجمع طائفي أو مذهبي حول زعامة إقطاعية.

قبل الكلام عن الحزب السوري القومي الاجتماعي، سوف ننظر إلى ثلاثة أحزاب من خلال أهداف استراتيجية حققتها أو هي في صدد تحقيقها: حزب الله والتيار الوطني الحر وحزب القوات اللبنانية.

الأول حقق هدفًا استراتيجيًا كبيرًا في تحرير الجنوب. سبق ذلك مجموعة خطوات: تقديم الحزب لنفسه كعامل جذب مادي وروحي لأبناء الجنوب المحتل وتعبئتهم وإعدادهم للمعركة، وبناء شراكة داخلية مع الدولة والشعب، وشراكات استراتيجية إقليمية، كلها مجتمعة ومتسلسلة مكّنته من تحقيق التحرير. ثم حقق هدفًا استراتيجيًا آخر في انتصاره في حرب تموز 2006، كان سبقه مبادرة بناء شراكة استراتيجية مع التيار الوطني الحر أمنت له عمقًا وحماية لظهره.

غير أن هذا الحزب يبقى محدودًا بسقف مذهبيته التي تشكل سيفًا ذو حدين. إنها عامل الجذب والقوة الداخلية، ولكنها أيضًا عامل خوف واستفزاز وتعبئة مضادة وحصار خارجي ومذهبي.

التيار الوطني الحر هو الآخر حقق هدفًا استراتيجيًا كبيرًا معلنًا له هو إخراج السوريين من لبنان. سبق ذلك مساهمته في صياغة ودفع القرار 1559 وإيصاله إلى مجلس الأمن. وحقق مجموعة أهداف أخرى منها عودة رئيسه وقياديه إلى لبنان ومساهمتهم في الحياة السياسية وتشكيلهم الكتلة المسيحية الأكبر في البرلمان اللبناني. ونجح في عقد شراكة مع حزب الله وتطبيع علاقته مع السوريين. ونجح في تقديم نموذج متميز للأداء الوزاري.

ولكن التيار الوطني الحر يبقى، مثله مثل حزب الله محكومًا بسقف طائفته بالرغم من علمانيته المعلنة. فهو لكي يكون له دور وازن في الحياة السياسية اللبنانية عليه أن يكون الكتلة المسيحية الكبرى، وهذا ما يوقعه في تناقض بين "علمانيته" و"مسيحيته"، وبين إرادته محاربة الفساد الإداري وكون هذا الفساد قائم أساسًا على طائفية النظام.

حزب القوات اللبنانية هو الأخر حقق عددًا من الأهداف بدءًا من إخراج رئيسه من السجن وصولاً إلى عمله الدؤوب في أوساط الطلاب لكي يكون هو الممثل المسيحي الأول. واليوم نراه يعود إلى عسكرة محازبيه استعدادًا لمتغيرات دولية أو إقليمية يرى أنها ربما تساعده لتحقيق غايته والتي هي قيام دولة مسيحية صرف على جزء من لبنان.

مع الأسف، وبالرغم من أن الحزب السوري القومي الاجتماعي يتميز عن هذه الأحزاب بوضوح عقيدته وبمنهجية علمية لإدارة خطته الاستراتيجية، وبالرغم من أنه هو الأصل في فصل الدين عن الدولة والتمسك بالأرض ومحاربة الفساد والإقطاع، فإننا لا نستطيع أن ندل على إنجاز استراتيجي واحد يستطيع الحزب السوري القومي الاجتماعي أن يشير إليه؟ هذا يستدعي عددًا من الأسئلة: هل الحزب جاد في تحقيق غايته؟ ما هي الأهداف التي وضعها في سبيل ذلك؟ ما هو دور الوحدات الحزبية فيها، ما هو دور القوميين - كل واحد منهم - فيها؟ الجواب ليس بسهل. بالطبع لا نتكلم هنا عن مشاريع مثل اصدار مجلة أو إقامة مهرجان. إننا نتكلم عن أهداف استراتيجية وهي حجارة البناء لتحقيق غاية الحزب.

 

 هل هناك ضرورة لبناء أحزاب جديدة، أم أن تجديد الأحزاب الموجودة أمر ممكن؟ وهل اصلاح الحزب لا يزال ممكناً؟

أعتقد ان من يؤسس حزبًا جديدًا يفعل ذلك لاعتباره ان الأحزاب القائمة ليست على سوية الطموح لديه. هل يمكن تجديد الأحزاب الموجودة؟ طبعًا ونحن نرى أن التنظيمات الثلاث المشار إليها أعلاه قد جددت نفسها كل بطريقته الخاصة.

أما حين نطرح السؤال: "هل يمكن إصلاح الحزب" والمقصود هو الحزب السوري القومي الاجتماعي، علينا تحديد إصلاحه ممّاذا، وكيف؟

للحزب السوري القومي الاجتماعي "نظرة" و"غاية" تشكلان المثال الأعلى للقوميين، وتحقيقهما هو علّة وجود الحزب، وسبب انتماء الناس إليه. وقد شدد سعادة على أن تحقيق غاية الحزب هي المهمة الاساسية الأولى الملقاة على عاتق أتباعه، وحذر من زوال الحزب وتبدد معتنقي عقيدته في حال فشل في ذلك. المشكلة ليست فقط في أن الحزب قد فشل في تحقيق غايته، بعد سبع وسبعين سنة على قيامه، بل أن قياداته المتتالية، أثناء غياب سعادة في مغتربه القسري، وبعد استشهاده، لم تضع هذه الغاية موضع التنفيذ، بل انحرفت عنها أو أهملتها كليًا.

حين تُهمل غاية المؤسسة تزول ويتبدد أعضائها ونحن في هذه المرحلة. التبدد.

أما كل ما يظهر من "فساد" يدعو القوميين إلى طلب "الإصلاح" فهو من نتائج إهمال غاية الحزب أو استبدالها بغايات خصوصية تدفع القوميين إلى الابتعاد عن حزبهم. الإصلاح إذن، في رأيي، بلا جدوى طالما أن غاية الحزب مهملة.

بالتالي أنا أقترح إعادة صياغة السؤال كما يلي: هل يمكن وضع الحزب على سكة تحقيق غايته؟ الجواب نعم، ولكن دون ذلك عدد من الصعوبات ومن الشروط الضرورية.

الصعوبات:

أولا:ً إن قيادات الحزب المتتالية تعيش في حالة إنكار لواقع التبدد. إنها تعيش حالة انغلاق فكري ولا تستمع إلا لمن يوافقها الرأي، وتحارب الفكر الناقد بالتهميش والتجريح والإشاعات. أو كما قال الأمين الراحل عبدالله قبرصي في مذكراته: "تضع الطماشات وتسير." وقد تفاقم هذا الجو في السنوات القليلة الماضية ما يجعل، في رأيي، أية عملية تغيير من داخل المؤسسة أمرًا عبثيًا ومضيعة للوقت، والشواهد على ذلك أكثر من أن تعد وتحصى.

ثانيًا: لم يهتم القوميون قيادات وأعضاء، وأنا منهم، بدرس تاريخ نشأة حزبهم، بالرغم من توصية سعادة بذلك بعد عودته سنة 1947، وإعلانه ان الانحراف ما كان ليحصل لو درس القوميون هذا التاريخ. أثناء الإعداد للكتاب، تعمقنا في دراسة هذا التاريخ انطلاقًا من إطار إدارة الاستراتيجية الذي وضعه سعادة: الإدارة والسياسة والحرب، وحين فهمنا مفهوم الإدارة عنده، والمبدأ العام في العمل السياسي، والمبدأ العام في الحزب، وحين ربطنا كل ذلك بمفهومه للنظام، وكيف أنه لخدمة القضية وليس العكس، وحين فهمنا أن "سر النظام" هو "المبدأ الذي وراءه والهدف الذي أمامه"، وحين شاهدنا سعادة يتحرك فعلاً إدارة وسياسة وحربًا مع الفرنسيين والحكومات المحلية المعيّنة منهم، ويحقق أهدافه واحدًا تلو الآخر، حين فهمنا كل هذا فهمنا قيمة كلام الزعيم، وفهمنا الطريق التي يجب ان يختطها القوميون اليوم إذا شاؤا لحزبهم إنقاذا.

ثالثًا: هناك لامبالاة ضربت القوميين بشكل عام مردها الاحباط واليأس من التغيير.

رابعًا: إن الحزب يهرم، لاسيما في المغتربات. لا أعرف متوسط العمر في الوطن، ولكنه في المغتربات يكاد يقارب منتصف الأربعين إن لم يكن أكثر.

خامسًا: إن أحد أهم آليات الضبط الدستورية مفقودة، وهي مفقودة منذ أيام الزعيم. فلنفصّل: كان سعادة يعتبر المجلس الأعلى، السلطة التشريعية، أحد المراجع الأخيرة للحزب. ولكن أزمة "الواقع اللبناني" حصلت بالتكافل والتضامن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. شكل هذا الانحراف حالة استبداد مرعبة في الحزب وصفها الأمين الراحل عجاج المهتار في رسالة منه إلى الزعيم بعنوان "إفلاس" تاريخها تموز، 1946، نشرنا بضع صفحات منها في الكتاب لأنها في رأينا تصف واقع حال الحزب اليوم. حسم سعادة في الموضوع وطرد من طرد، وأعاد شرح مفاهيم الحزب، ومن ثم أصدر تشريعًا بإنشاء سلطة ثالثة مستقلة هي المحكمة الحزبية التي تنظر في "الخلافات والمخالفات الحزبية"، والتي قرارتها مبرمة، وأصدر مرسومًا بذلك قبل استشهاده بفترة قصيرة.

تجاهلت قيادات الحزب المتتالية هذا التشريع، وفي افضل الأحوال، حين سمحت بقيام محكمة حزبية، كانت قرارتها ولا تزال بحاجة إلى إبرام من المجلس الأعلى!

السلطتان التشريعية والتنفيذية مسؤولتان عن وضع الحزب عبر تاريخه: خلافهما، أو الخلافات داخل كل منهما، أدت إلى انقسامات الحزب كلها، منذ 1957 حتى اليوم ولكن من يحاسبهما، وكيف؟ ليس هناك من آلية، ليس هناك من سلطة حزبية قرارتها مبرمة، تستطيع أن تسائل وتحساب أي من هاتين السلطيتن عن المسائل الكبيرة التي تشغل بال القوميين.

سادسًا: انعدام مفهوم المسؤولية في القيادة وفي الصف الحزبي. لن استفيض، ولكني سوف أعطي مثلاً واحدًا: مجزرة حلبا. استشهد للحزب أحد عشر رفيقًا ولليوم لم يقم مسؤول واحد بتقديم استقالته أو وضع نفسه قيد التحقيق لتحديد المسؤوليات الداخلية. والقوميون ساكتون.

سابعًا: لا يزال الحزب منشقًا بين تنظيمين يحمل كل منهما إسمه. شهد الأول على مرِّ تاريخه إنحرافًا وفسادً داخليين وتنقلاً من موقع سياسي إلى آخر. وقد خاض أعضاؤه معارك قاسية في مواجهة أعداء الحزب الخارجيين من جهة، وفي مواجهة الانحراف والفساد الداخليين من جهة ثانية. والثاني بالرغم من أنه قام على ما عرف بأنه "انتفاضة" إلا أن أعضائه استكانوا بعد ذلك إلى نوع من الأبوية لم تسمح بتدوال السلطة إلا بين ثلاثة رؤساء خلال ستين عامًا.

تاريخيًا، شهد التنظيمان عمليات هجرة موسمية: يتعب قومي من الفساد والانحراف في هذا التنظيم فيلجأ إلى الآخر، ليجد نفسه في مواجهة صنمية وتقوقع. ويتعب آخر من الصنمية في ذلك التنظيم، فيلجأ إلى هذا ليجد نفسه في مواجهة الفساد والانحراف. وفي نهاية المطاف الاثنان ينكفئان ويحبطان.

ثامنًا: نعتقد أن العدد الأكبر من القوميين هو خارج التنظيمين بين منكفئ وصامت ومحبط.

هذه كانت أهم الصعاب. أما الشروط الضرورية فهي في رأيي:

أولاً: استيعابنا جميعًا للمفاهيم التالية: نظرة الحزب وغايته وقَِيمه والعقلية الأخلاقية الجديدة التي جاء بها، وأننا "في الحزب لنعمل على تحقيق غايته". وتحويل هذه المفاهيم إلى أدوات عمل.

ثانيًا: دراسة الخطة الاستراتيجية التي وضع ملامحها سعادة، وفهم آلية إدارتها: إدراة وسياسة وحربًا، ومن ثم تطوير هذه الخطة بما يتلاءم مع التطورات التي حصلت في المنطقة.

ثالثًا: استيعاب أسس الإدارة الحزبية، وفهم المبدأ العام الذي وضعه سعادة في العمل السياسي: "عدم تجاهل الأمر الواقع حين معالجة القضايا السياسية وعدم الخروج على هدفنا ومبادئنا"، وفهم أن سياسة الحزب الوحيدة في الحرب هي الهجوم.

رابعًا: فهم مثلث العقيدة والغاية والأخلاق وإدراك ان لا شرعية لأية قيادة حزبية تخرج عن أي من مكونات هذا المثلث.

خامسًا: فهم أن النظام هو لخدمة قضية الحزب، وليس لحماية الانحراف كما وصف الأمين الراحل قبرصي كيف كان يستعمل أثناء الواقع اللبناني - وحتى حين كتابة مذكراته في الثمانينيات من القرن الماضي - لحماية الانحراف، وهي ظاهرة ما تزال مستمرة.

 

تركز في منهجك على غاية الحزب، لكن الأحزاب تختلف وتنقسم فيما بينها حول الغاية وآلية تنفيذها ومقاربتها على ضوء التغيرات وتحولات الأحداث والوقائع التاريخية. وما بين وحدانية الغاية بطريقة طوباوية يصبح الإنقسام ظاهرة طبيعية وواقعية. كيف تقرأ هذه الحالة؟

لا يجب أن تنقسم الأحزاب حول غايتها أو الآلية لاسيما مع آلية مثل التي وضعها سعادة. ربما يكون هناك خلاف في الأولويات، أو في التحالفات، وهذا لا يجب أن يؤدي إلى انقسامات. إن معظم انقسامات الحزب حصلت بسبب محاولات تغيير عقيدته، أوإهمال غايته واستبدالها بمصالح خاصة اختلفت فشقت الحزب وتصالحت فوحدته، أكثر من مرة. في جميع الأحوال، لا غنى إذا عن قيام المؤسسة الثالثة المستقلة، مؤسسة القضاء لتفصل في الخلافات والمخالفات بما يمنع الانشقاق.

 

شكل كتابك منهجاً لقراءة تاريخ الحزب السوري القومي الإجتماعي. كيف تقرأ مستقبل الحزب على ضوء هذا المنهج؟

 

تكملنا أعلاه عن الصعوبات والشروط الضرورية. لا شك في أن الحزب بحاجة إلى خطوة نوعية لإنقاذه من خطر التبدد ولاستكمال مؤسساته، ولإعادة وضعه على سكة تحقيق غايته عبر خطة استراتيجية واضحة. هذه الخطوات هي مهمة القوميين، ولن يقوم بها أحد سواهم.

نتمنى أن تفاجأنا القيادات الحزبية بأخذ مبادرة جبارة تعتذر فيها من القوميين ومن المواطنين عامة عن ممارساتها السابقة الصنمية منها والمنحرفة، ثم تعلن عن شعار أعلى هو وضع غاية الحزب ونظرته موضع التنفيذ كمهمة وحيدة لها، وتدعو القوميين للمبادرة إلى المساهمة في هذه العملية.

هذه مفاجأة لا نخالها سوف تتحقق.

لا يبقى إذًا سوى ذلك الكم المبعثر من القوميين الصامتين المتألمين المتناقصين موتًا واغترابًا، الذين يروا استثمارًا هائلاً من أعمارهم وأعمار رفقائهم وتضحياتهم ودمائهم يكاد يذهب سدى. هل يستطيعون تحويل أنفسهم من كم مبعثر إلى كتلة متراصة حول المفاهيم الأساس التي وضعها سعادة، كتلة لا تتلهى بالمسائل الصغيرة بل تضع نصب أعينها إنقاذ القضية القومية؟ هذا السؤال هو نقطة البداية.

رب سائل، وكيف لكتلة مثل هذه أن تقوم؟ وألا يقود ذلك إلى شق الحزب من جديد؟

في تقديري، تلعب المؤسسات الثقافية التي أسسها أو يديرها قوميون اجتماعيون، دورًا كبيرًا في عملية الاستقطاب والرص، فتتكوّن كتلة من القوميين ذات ثقل نوعي مادي ومعنوي يشكل حالة ضغط على التنظيمين تنتهي بحلهما سوية، وتؤسس لهيكلية حزبية جديدة واحدة تقود الحزب إلى تحقيق نظرته وغايته في القرن الواحد والعشرين وفق المفاهيم أعلاه.

يجب التفريق بين عمل من هذا النوع يبدأ من القاعدة بهدف تحقيق تغيير جذري، ووحدة فوقية نسمع عن إمكانية قيامها بين قيادتي كل من التنظيمين. وحدة فوقية لن تكون سوى ضمادًا مؤقتًا يلهي القوميين إلى حين.

بالنسبة لشق الحزب، هذه فزّاعة. إضافة إلى انشقاق الحزب سنة 1957، عاد التنظيم الأكبر وانشق وتوحد أكثر من مرة. واللذين شقوه هم اللذين وحدوه في كل مرة! ألا يجب أن يستثير هذا فينا تساؤلاً كبيرًا عما إذا كان هناك مصالح تتضارب وتتآلف فتشق الحزب وتوحده بمعزل عن إرادة القوميين.

إذا قامت كتلة كهذه - ويجب أن تقوم من القوميين أينما كانوا - عليها هي صياغة رؤية جديدة لمستقبل الحزب. رؤية تقوم على عقيدته وغايته وأخلاقه، وتستكمل مؤسساته لا سيما القضائية، وتستنهض القوميين بما يعري القيادات القائمة وتدفعها إلى التنحي تمهيدًا للمحاسبة. نعم فهناك الكثير الكثير مما تجب المحاسبة عليه.

هذا الدور أقول منوط بالقوميين أينما كانوا. إذا فشلنا في هذه المهمة فإن التاريخ لا يرحمنا والزمن ليس في صالحنا.