العدد السادس والاربعون - كانون الاول

المقاومة الآرامية-السريانية في كتاب موسى مخول

يوسف الاشقر
الاحد 3 كانون الثاني (يناير) 2010.
 

كتاب موسى مخول يروي قصة الآراميين-السريان على امتداد ألفي سنة، من أوائل الألف الأول قبل الميلاد إلى أواخر الألف الأول بعد الميلاد.

هذا في الموضوع والإطار الزمني. أما في المضمون، فهو يروي قصة الحضارة ونشوئها في مهدها الأول، في الهلال الخصيب، التي كان الآراميون-السريان ورثتها الحقيقيين. وهو يروي كيف حملها هؤلاء بأمانة وأسهموا فيها بقوة طوال ألفي سنة، ثم سلموها أمانة لعصور لاحقة بعد أن أغنوها بعطاءات الشعوب الأخرى عن طريق الترجمات والشروح وبروح الشراكة الحضارية. ويروي موسى مخول كيف أسهمت هذه الأمانة-الإرث في مقاومة زوال الحضارة المؤسسة للتاريخ البشري، ثم كيف أسهمت، حقبياً، في تمكين الأجيال اللاحقة من الخروج من أزماتها وسقطاتها الكبرى، لا سيّما خروج أوروبا الغربية من قرونها الوسطى، هذه القرون التي كادت أن تعيد أوروبا إلى نقطة الصفر أي إلى عصورها الأولى المتوحشة.

 

ثقافة الجسور.

هذا جانب أول من رواية موسى مخول، حول دور الآراميين-السريان في تأمين العلاقة العمودية بين السابق واللاحق لمقاومة الإنقطاع.

أما الجانب الآخر الذي يضيء عليه فهو مواجهتهم الخاصّة لثقافة الإمبراطوريات ودورهم مع معاصريهم من فرس ويونانيين وعرب ورومان وبيزنطيين وغيرهم لتأمين العلاقات الأفقية ومقاومة القطيعة.

بذلك مثّل الآراميون-السريان ثقافة الجسور الواصلة، في وجه ثقافة الجدران والهوّات الفاصلة. كانوا، كما نستنتج من كتاب موسى مخول، جسراً حضارياً معلّقاً، في الزمان، يربط بين فجر الحضارة وأواتي العصور، وجسراً حضارياً وسياسياً معلّقاً، في المكان، يُسهم في تحطيم الجدران النفسية والحضارية الفاصلة بين الشعوب المتعاصرة.

لكنّ هذا الجسر المزدوج لم يكن، في مفهوم موسى مخول، مجرد وسيط. كان عاملاً فاعلاً في الأطراف التي يربط بينها وفي المسار التاريخي العامّ، الحضاري والسياسي. وكان الكاتب على حق. فالجسور، في التاريخ الإنساني، ليست مجرد وسائط. إنها ثقافة، ثقافة العلاقات. وهي، هنا وفي نظري، ثقافة العلاقات الطوعية، المؤسسة للحضارة والضامنة لإستمرارها وارتقائها. وقد تجند الآراميون-السريان، طوال ألفي سنة، للدفاع عن هذه الثقافة. وهذا الدفاع عن هذه القضية بالذات، الذي تحوّل إلى فعل مقاومة، هو موضوع حديثي.

 

أريد هنا أن أوضح أنّ ما سأقدمه هو قراءتي للكتاب، التي لا تستنفد مقاصد الكاتب وقد لا تلتقي بالضرورة مع كل تأويل من تأويلاته. إلا أنّ قراءتي جاءت بفعل التحريض الذي قام به الكتاب، والموضوعات التي أثارها، والآفاق التي رسمها. علماً أنّ قيمة كل كتاب كبير لا تكون فقط في الأجوبة التي يقدمها، بل أيضاً وبخاصة في الأسئلة التي يثيرها، وفي الأبواب التي يفتحها، وفي الدعوة الضمنية لاستكماله إستطراداً واستنطاقاً في اتجاهات مختلفة. إنها شروط توفرت في الكتاب على أكمل وجه.

ولا بدّ أيضاً من الإعتراف بأنّ الشريط السريع الذي سأقدمه عن المقاومة الآرامية-السريانية لا يستطيع أن يفي المؤلف حقه، وقد أتحفنا بكتاب من 700 صفحة تضمّنت أغنى ما كُتِب في الموضوع. لم يترك وجهاً من وجوه الحياة والنشاط إلا عرضه واستجلى دقائقه وخلفياته ومقاصده. لم يترك مرحلة من مراحله الطويلة إلا وحللها بعمق وعيّن موقعها في السياق العامّ.

قرأت هذا الكتاب بمتعة كبيرة من أوّله إلى آخره، وعدتُ إلى بعض فصوله لأكثر من مرة. ميزته الأولى أنه كتاب جامع: جامع للموضوعات وجامع للمصادر والمراجع. وميزته الثانية أنه كتاب مترابط، يجيب فيه كل فصل عن الأسئلة التي أثارها أو أوحى بها فصل سابق. وميزته الثالثة أنه يقدّم حصيلات أخيرة ولا يكتفي بالعرض والتحليل. فهو يحمل نظرة شاملة للموضوع في ذاته وللأوضاع الدولية والعالمية التي استطاع الآراميون-السريان أن يظلوا في مركزها وشركاء أساسيين فيها. وميزته الرابعة أنه كتاب ملتزم، بالمعنى الواسع للإلتزام. فهو منحاز لمسيرة الآراميين-السريان من ضمن إنحيازه لمسار الحضارة الإنسانية بعامة.

هذا بعض مزايا الكتاب الذي هو، في آن واحد، كتاب مرجعي للباحثين ورواية شيقة لجميع قرّائه، في أحداث تاريخية غابرة جعلها موسى مخول حية وراهنة.

 

ملحمة مقاومة.

وأنا أقرأ هذا الكتاب، وجدتني أمام نصّ ملحمي في موضوع ملحمي. هي ملحمة المقاومة التي قام بها الآراميون-السريان، فكانت أطول المقاومات في التاريخ.

لكنها كانت ملحمة لا كالملاحم الأخرى من حيث أبطالها وساحاتها وأحداثها.

فأبطالها: علماء، وباحثون، وشعراء، ومترجمون، وكتبة، وتجّار، وبنّاؤون، ورسل حضارة وسفراء، يتحركون وكأنهم خلية نحل نشيطة وعلى تنوّع في عطاءاتها؛

وساحاتها: مكتبات، ومدارس، وطرق مواصلات وشبكات علاقات، ودبلوماسية، ومراكز تجارية، ثم أديرة ودواوين وإدارات؛

وأحداثها: مثافقات، ومجادلات، وإنتاج كتب وأفكار، وترجمات في جميع الإتجاهات، وتعليم، وروحانيات، ودنيويات، وأخلاقيات، وحركة مكوكية دائمة بين الأطراف المتباعدة لتقصير المسافات بين القناعات.

وقد كان لهذه المقاومة شهداؤها المعروفون والمجهولون على ساحاتها كافة.

 

الآراميون-السريان، هنا، هم كامل شعبنا.

قبل الدخول في موضوع هذه المقاومة من حيث قضيتها وأسبابها الموجبة ومسارها ونتائجها، لا بد من توضيح نقطة تاريخية لا يمكن إغفالها أو تجاوزها نظراً لكونها أساسية ومحورية في الموضوع في ذاته وفي مقاربة موسى مخول.

مَن هم الآراميون-السريان الذين نتكلم عنهم؟ بل مَن هم البابليون والأشوريون والكلدانيون والكنعانيون، ومَن هم الأكاديون والسومريون من قبلهم؟

جوابي أنهم مشاهد متعددة ومتنوعة من رواية تاريخية حضارية واحدة. يتمايزون من حيث هم يمثلون مراحل متعاقبة من تاريخنا، ومناطق متنوعة من وطننا، وعهود حكم وسيطرة سياسية وعسكرية، متزامنة أو متعاقبة، متعاونة أو متحاربة. ولكنهم جميعاً ورثاء تجربة تاريخية واحدة وشركاء فيها. تعددت الأسماء، والمسمّى واحد. تعددت الأنساب، والهوية واحدة. تعددت الإسهامات والقضية واحدة.

والآراميون-السريان الذين نتكلم عنهم كانوا شريكاً في هذه المسيرة. ثم صاروا، في الألف الأول ق.م.، وريثاً. ثم صاروا وريثاً وحيداً يمثل كامل شعبنا. فحين نتكلم عن المقاومة الآرامية-السريانية في ذلك العصر فإنما نتكلم عن مقاومة كامل شعبنا لا عن مقاومة جزء من أجزائه أو إتنية من إتنياته أو، بلغة اليوم البائسة، طائفة من طوائفه.

ثم إنّ مقاومتهم تلك كانت دفاعاً عن كامل إرثهم الحضاري الذي صنعه البابلي والأشوري والكنعاني كما صنعه الأكادي والسومري من قبلهم. وقد حرص موسى مخول على أن يستهلّ كتابه بفصل كامل عن جذور هذه المسيرة الحضارية التي صار الآراميون-السريان ورثاءها الوحيدين وحُماتها.

 

قضية هذه المقاومة.

ما هي قضية المقاومة التي قام بها الآراميون-السريان بإسم شعبنا، كامل شعبنا، في الألف الأول قبل الميلاد؟

الألف الأول قبل الميلاد كان مَفصِلاً. نصفه الأول كان الحلقة الأخيرة من الدورة الحضارية الأولى التي امتدت ثلاثة آلاف سنة (من 3500 إلى 538 ق.م.)، ونصفه الثاني كان الحلقة الأولى من دورة الإمبراطوريات التي ما زالت قائمة.

الدورة الحضارية الأولى تمثلت بظاهرتين تأسيسيتين ما تزالان رائدتين في حياة المجتمعات وفي العلاقات الدولية والعالمية: ظاهرة المجتمع المنفتح الموسِّس للحضارة (المجتمع السوري)، وظاهرة العلاقات العالمية الطوعية في صيغة العالم القديم (لا صيغة الإمبراطوريات) حيث كانت القوافل تقطع القارات بأمان، ولا جيوش تحرسها بل شراكة حضارية ناشئة تحمي شبكة طرقاتها ومحطاتها التجارية.

الألف الأول ق.م. حمل تهديداً وجودياً لهاتين الظاهرتين ولما تقومان عليه من قيم ومفاهيم وعلاقات وتراث مادي-روحي.

قضية المقاومة التي قام بها الآراميون-السريان بإسم شعبنا هي مواجهة هذا التهديد بما ملكت أيديهم، والدفاع عن هاتين الظاهرتين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

 

كيف تمثلت هذه المقاومة في كل مرحلة؟

كيف تمثلت في النصف الأول من الألف الأول ق.م

في منتصف هذه المرحلة، وفي القرن الثامن تحديداً، كان قسم كبير من العمران المديني السوري قد تدمّر، وكان معظم التراث السوري المكتوب قد أختفى. هذا في سوريه. أما العالم القديم، فصارت شبكة طرقاته مهددة وخفت حركة التواصل، لا سيما في الشرق، فقلّ عدد الشركاء في عمليات الأخذ والعطاء، وتقلصت اللغة المشتركة التي كانت سائدة من قبل.

الآراميون قاوموا بكل ما ملكت أيديهم على الجبهتين، الداخلية والخارجية.

في الداخل السوري:

تجندوا لإنقاذ ما تبقى من التراث السوري (لا سيما السومري-الأكادي-الأشوري-البابلي) ونقله إلى لغتهم. وساعدهم على ذلك تغلب لغتهم على اللغات الأخرى وتبني الحكم الأشوري لها لغة رسمية. وتعالى الآراميون على جراحهم وتعاونوا مع الحاكم الأشوري الذي كان واعياً لضياع هذا التراث المكتوب فأمر ولاته وموظفيه بجمع ما تبقى من هذا التراث ومصادرته في أنحاء مملكته. وكان للآراميين ولغتهم دور كبير في هذه العملية الإنقاذية للتراث. ويمكن إدراج هذا الدور تحت عنوان مقاومة الإندثار، اندثار التراث السوري.

أما في الخارج، وحيال القطيعة التي هددت علاقات العالم القديم، فقد تمثلت المقاومة الآرامية بوسيلتين، التجارة واللغة الآرامية. لم ينقطع نشاطهم التجاري، ولو بالحدود الضيقة الممكنة، وحافظت لغتهم على انتشارها في الجوار السوري الشرقي بوتيرة ثابتة بشكل عامّ. هذا فضلاً عن أنّ هذه اللغة فرضت نفسها كلغة دبلوماسية بين الدول، أي أنها أمّنت وسيلة حوار وتواصل في عصر افتقد اللغة المشتركة بين الأطراف المسيطرة والمتذابحة.

يمكن إدراج هذا الدور الآرامي مع الخارج وفي الخارج تحت عنوان مقاومة القطيعة الكاملة التي كانت تهدد ظاهرة العالم القديم في جوهرها.

 

كيف تمثلت هذه المقاومة في النصف الثاني من الألف الأول ق.م

دورة الإمبراطوريات ناقضت الدورة الحضارية الأولى ونقضتها. في سوريه، وفي العلاقات العالمية والدولية.

في الداخل السوري:

حصل تدمير شبه كامل للعمران المديني ولحاضراته الكبرى بشكل خاصّ، لا سيما في وسط سوريه وشمالها وشرقها. وكان هذا التدمير عاتياً إلى درجة أنه محا ذكر هذه الحاضرات من الذاكرة الجماعية في ذاتها. حتى إنّ بيروز الكلداني الذي كلّم معاصريه بين 290 و280 ق.م. عن حاضراتهم القديمة التي زالت آثارها من الوجود (بابل ونينوى وغيرها)، اعتبروه مجنوناً أو مهلوساً. ففي خلال مايتين وخمسين سنة (200 سنة فارسية و50 سنة يونانية) استطاعت الإمبراطوريات أن تدمّر آثار ثلاثة آلاف سنة من الحضارة وتمحوه من الذاكرة الجماعية.

في العلاقات العالمية والدولية:

العالم القديم أصبح إمبراطورية فارسية، ثم يونانية، قبل أن يصبح جزؤه المتوسطي حزاماً عسكرياً رومانياً. العلاقات الطوعية أصبحت علاقات قسرية، مع كل ما يستتبعه ذلك من تحوّلات في نظر الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين، وفي القيم والمفاهيم، لا سيما في مفهوم الأمن.

العلاقات الطوعية في العالم القديم التي كانت تستدعي خير ما في الإنسان عند كل طرف فتعزز الثقة ب "الآخر" والإقبال عليه، أصبحت، في الدورة الجديدة، علاقاتٍ قسرية تسودها الصور النمطية، رمز القطيعة التصادمية المنكرة لإنسانية "الآخر". والعلاقات الطوعية التي كانت في أساس المفهوم الأمني الذي أتاح للعالم القديم أن يستمرّ ثلاثة آلاف سنة على امتداد القارات الثلاث، أصبحت علاقات قسرية مرهون إستمرارها بقوة الجيوش وتقلبات أوضاعها، ومرهون عالمها بالحدود التي ترسمها تلك الجيوش.

 

كيف تمثلت المقاومة الآرامية-السريانية، مقاومة شعبنا كله، للدورة الإمبراطورية، كما عرض عناصرها كتاب موسى مخول ومكّننا من إستجلائها؟

تمثلت، أولاً، بأنّ شعبنا ظلّ واقفاً وأثبت حضوره القويّ في تلك الفترة. لم تستطع الدورة الجديدة أن تدمّر إرادته وخصائصه كما فعلت بآثاره الحسية وتراثه المكتوب.

وقد تمكّن من فرض لغته لغةً رسمية عنده في الفترة الفارسية، ثم تمكّن، في الفترة اليونانية، من المحافظة على لغته القومية، لغةً ثقافية إلى جانب اليونانية، ولغةً شعبية في كامل الأنحاء السورية.

وتمثلت مقاومته، ثانياً، ببعث ثقافة الجسور في عصر انقطاع الجسور وسيادة الصور النمطية، الظاهرتين الصداميتين اللتين أشرنا إليهما سابقاً. وكانت الترجمات، التي قام بها الآراميون-السريان، التعبير الأول عن بعث ثقافة الجسور هذه. سنتوقف قليلاً عند موضوع الترجمات قبل أن ننتقل إلى التعبير الأسمى الذي أطلت معه المقاومة الآرامية-السريانية، المقاومة السورية، على العالم وعلى التاريخ الإنساني.

 

حركة الترجمة ورسالتها.

كتاب موسى مخول يعجّ بحركة المترجمين التي لم تتوقف يوماً. كانت الترجمة في جميع الإتجاهات. لم يكن المترجم، في تلك الأوضاع، مجرد وسيط أو ناقل. كان عمله هادفاً. وكان الهدف حضارياً وسياسياً. أراد هذا المترجم أن يكسر حلقة الصور النمطية السائدة عند كل طرف عن الطرف الآخر. قال للفارسي عن اليوناني ولليوناني عن الفارسي ما لم يسمعاه من قبل، إذ عرّف كلاً منهما على خير ما عند الآخر. ثم قال للإثنين معاً إنّ بلادنا ليست مجرد مساحة جغرافية يتذابحون عليها ويذبحونها. خلق هذا المترجم مساحة مشترَكة ودخل هو شريكاً فيها بالنيابة عن شعبنا كله. وكان شعبنا الرابح الأكبر في هذه الشراكة، بحكم كونه مجتمعاً منفتحاً ومصهرياً. فما لبث السلوقيون، المتفاعلون مع شعبنا، أن تأقلموا وأداروا ظهرهم لوطنهم الأم ونشأ عندهم إنتماء جديد. ولم تتراجع لغتنا القومية بل ارتقت وتمددت. وللمترجمين من اليونانية وإليها فضل في ترقية اللغة الآرامية-السريانية وفي إغنائها وتأهيلها للتعبير عن أدقّ الأفكار وعن معظم علوم عصرها، سواء في الفترة السلوقية أم في الفترة الرومانية من بعدها. ما ثبّت شعبنا في لغته التي كانت مستودع تراثه، وما دفعه إلى التمسك بها لغةّ وحيدة له حتى نهاية الفترة البيزنطية ومجيء شقيقتها اللغة العربية. هذا ما يفسّر ،مثلاً، أنّ أسماء مدننا التي غيّرها اليونانيون والرومان واعتمدوها مئات السنين، عادت إلى أصلها فور ذهاب البيزنطيين. كان ذلك أحد الوجوه المعبّرة عن مقاومة شعبنا دفاعاً عن رموز حضارته ومعالم حياته.

 

المسيحية.

لكنّ التعبير الأقوى الذي أطلت معه المقاومة الآرامية-السريانية، مقاومة شعبنا، على العالم وعلى التاريخ الإنساني كان في المسيحية التي ارتقت معها المقاومة إلى مستوى الرد التاريخى العالمي. قد يقال، هنا، أنّ المسيحية دين سماوي لا يدخل في هذا السياق. وردّنا على ذلك، من ضمن المنطق الديني إياه، أنّ المسيحية ما جاءت إلا في البيئة الصالحة لتقبّلها ونشرها. والسيد المسيح نفسه اشترط أن تقع حبة الحنطة في التربة الصالحة لكي تحيى وتعطي ثمارها، لا أن تقع على الصخر فتجفّ وتموت. وقد كانت البيئة الآرامية-السريانية، بيئة شعبنا، تلك التربة الصالحة.

 

أين تأتي المسيحية في السياق التاريخي الحضاري الذي نحن في صدده، وكيف حوّلت مقاومة شعبنا إلى ردّ تاريخي عالمي؟

المسيحية، في هذا السياق بالذات، هي ردّ على ظاهرتين ونقضٌ لهما: ثقافة المجتمع المنغلق، وثقافة العلاقات القسرية. المجتمع المنغلق الذي تنتهي الإنسانية عند حدوده ولا يتسع قلب الله إلا له وحده. والعلاقات القسرية التي تختصر لغات العلاقات الإنسانية بين الشعوب بلغة القوة العسكرية. علماً أنّ هذه القوة، متى تفرّدت، تعود لا تقرر فقط نوعية العلاقات، بل تقلص آفاق الإنسانية إلى الحدود التي ترسمها الجيوش.

وفقاً للمصطلحات التي أعتمدناها في هذا الحديث، أكدت المسيحية ثقافة الجسور ودفعت بها إلى القمة. وقد وجدت المسيحية في شعبنا البيئة الصالحة لانطلاق دعوتها، كما وجد فيها شعبنا التعبير الجديد عن خصائصه كمجتمع منفتح وعن خصائص العالم القديم الذي كان افتقده من خمسة قرون مع دورة الإمبراطوريات.

غزت الإمبراطوريات العالم بجيوشها، وغزت المسيحية العالم، بما فيه الإمبراطوريات، بروحها. لن نتبسط في هذا الموضوع، فهو معروف ومتفق عليه. حسبنا هنا أن نؤكد أنّ بيئتنا الثقافية والإجتماعية كانت مهداً للمسيحية، وأنّ ترعرع المسيحية وانطلاقها وانتشارها الأول قام على أكتاف الآراميين-السريان. ثم أسهم هؤلاء في إغناء التراث المسيحي أكثر مما فعله أي طرف آخر، سواء بما أبدعوه هم أم بما نقلوه من الإرث الحضاري السابق للمسيحية. ما أتاح لهذا التراث المسيحي أن يقاوم، بدوره، روح الإمبراطوريتين الرومانية والبيزنطية على امتداد مئات السنين وأن يُسهم في المحافظة على وجه المسيحية الأصيل، المقاوم للروح الإمبراطورية في المراحل المُظلمة التي سيطرت فيها هذه الروح على المؤسسة الكنسية نفسها. في هذا الضوء يمكننا أن نفهم خلفيات البدَع الدينية عند الآراميين-السريان التي كانت تعبيراً عن مقاومتهم الدينية-القومية، في المرحلة البيزنطية بخاصة.

 

العصر العربي الإسلامي.

ينتهي هنا عرضنا السريع لشريط المقاومة التي قام بها شعبنا، ممثَّلاً بالآراميين-السريان، على امتداد 1700 سنة، من مطلع الألف الأوّل ق.م. حتى مجيء الإسلام في القرن السابع ب.م.

1700 سنة شهدت بلادنا في خلالها أعنف الصراعات الداخلية المدمِّرة في مرحلة أولى، ثم تعاقب على إجتياحها واحتلالها أسيادُ العالم، من فرس ويونانيين ورومان وبيزنطيين، فحوّلوها إلى ساحة قتال، وإلى جبهة أمامية لجيوشهم، وإلى خط فاصل لإمبراطورياتهم ما أدّى إلى فصلها عن العالم القديم، ثم استنزفوا خيراتها، واستخدموا أبناءها وقوداً لجيوشهم.

كانت هذه العوامل كافية لإخراج أي شعب من التاريخ.

هل خرجت سوريه من التاريخ بفعل هذه العوامل، أم أنها عادت إلى دخول التاريخ من بابه الواسع بفضل المقاومة؟

التاريخ أجاب على هذا السؤال بشكل قاطع. كانت سوريه، في القرن السابع ب.م. عند مجيء الإسلام، مؤهلة ومستعدة لتكون مركز العالم الجديد الذي استعاد العالم القديم من شواطىء الأطلسي إلى الشرق الأقصى. وكانت دمشق، وريثة آرام دمشق، مؤهلة ومستعدة لتكون عاصمة لهذا العالم الجديد، كما كانت أرض الرافدين مؤهلة ومستعدة للقيام بدور العاصمة إياها. وكان هذا نتيجة المقاومة الطويلة والفريدة التي قام بها الآراميون-السريان التي حافظت على مستوى سوريه الحضاري، من جهة أولى، وأمّنت لها عودتها إلى موقعها المركزي في العالم، من جهة ثانية.

 

وجدت سوريه في الإسلام وفي العصر العربي الجديد، كما وجدت في المسيحية من قبل، التعبير الأقوى عن روح مقاومتها المزدوجة: مقاومة ما كانت تعانيه على يد البيزنطيين، دينياً ومادياً، ومقاومتها لإنفصالها القسري عن عالمها القديم. هذا فضلاً عن استشعارها الخطر البربري الجرماني الذي عمّ أوروبا وأدخلها في قرونها الوسطى، ثم غطّى كامل الشمال الإفريقي، وبات يهدّد بقرون وسطى متوسطية.

دخل الآراميون السريان العصر العربي الإسلامي الجديد وقد شعروا معه أنهم في بيتهم. وساعدهم على هذا الشعور عدة عوامل أهمها ثلاثة:

القربى الرسولية العالمية بين المسيحية والإسلام؛

القربى التاريخية بين الهلال الخصيب وشبه الجزيرة العربية؛

القربى العضوية بين اللغة الآرامية-السريانية واللغة العربية.

 

هل انتهت المقاومة الآرامية-السريانية فصولاً في العصر العربي الجديد؟

الجواب هو أنّ هذه المقاومة لم تتوقف، ولكن تغيّر موقعها ومضمونها. صار الآراميون-السريان طرفاً مسؤولاً عن تزويد العصر الجديد بما يضمن نجاحه، أي تزويده بالعدة البشرية والفكرية والعلمية. لم تكن المهمة سهلة وكانت تستلزم مقاومة العقليات المتخلفة التي كانت ترى في تلك العدة الحضارية شيئاً مذموماً هو من "علوم الأوائل" التي تهدّد الدين. وقد خاض الآراميون-السريان صراعاً مع هذه العقليات وخرجوا منتصرين، فأسهموا الإسهام الأكبر في العصر الذهبي العربي-الإسلامي الذي صار منارة في الفكر والعلوم، وعاملاً أساساً في تمكين أوروبا من الخروج من قرونها الوسطى.

 

موسى مخول يخصّ نضال الآراميين-السريان وإنتاجهم في العصر العربي الجديد بعشرة فصول من كتابه، يروي فيها، بأسلوبه الشيّق ومنهجيته الدقيقة، هذه المسيرة بكل وجوهها وتفاصيلها، من عوامل سياسية وإجتماعية وثقافية، ومن فكر وعلوم، ومن أعلام، ومن أديار ومدارس، ومن بيوت المعرفة والحكمة.

بهذه الفصول العشرة يختم موسى مخول كتابه الذي أثبت فيه عالمية حضارتنا ومزاياها معاً: عالميتها وخلود رسالتها.

 

في ختام حديثي أريد أن أقول إنّ قراءتي كتاب موسى مخول بعثت في نفسي السؤال التالي: هل ملحمة المقاومة الآرامية-السريانية هي ذكرى علينا الإحتفاظ بها، أم هي مسار علينا أن نستكمله؟

القضية ما تزال إياها. هي قضية مصيرنا نحن بخاصّة، ومصير الإنسان والحضارة بعامّة. الآراميون-السريان قاوموا الحديد والنار، وثقافة الإنغلاق والتصادم، والصور النمطية، واستعانوا عليها بالمسيحية والإسلام. وفي مطلع القرن الحادي والعشرين تطلّ علينا هذه الثقافة عينها بأخطار مضاعفة، وهي مسلحة بعقيدة تدميرية جديدة، عقيدة صدام الحضارات، التي هي بمثابة دين جديد يستدعي شرّ ما في الإنسان لا خير ما فيه، ويدفع في طريق العودة إلى البربرية. وقد قطع الدين الجديد شوطاً بعيداً في خلال عقد واحد من السنين، ما كان يستلزم في الماضي قروناً طويلة.

حسبنا الآن، في أرض المقاومة، أن نعي هذا الخطر على وجودنا وعلى مصير الحضارة الإنسانية بدءاً من عندنا، وأن نستكمل هذا الوعي بعامل الإرادة الذي هو العامل الحاسم في انتصار القضايا الكبرى.