العدد السادس والاربعون - كانون الاول

فصام الذّات وطبيعة المواجهة.

قراءة في رواية "فصام" لهنيبعل كرم.
الاحد 3 كانون الثاني (يناير) 2010.
 

يلاحظ المتتبّع للعمل القصصيّ أنّ عمليّة المواجهة تحضر على الدّوام فيه، لأنّه يمثّل صراعاً يدور بين أبطاله وبين ذواتهم من جهة، وبين ما يحيط بهم في المجتمع من ناحيةٍ ثانية... وهذا ما يتطلّب من الشّخصيّة، محوريّةً كانت أم ثانويّة، مواجهةً حادّةً على الصّعيدين النّفسيّ والخارجيّ تستدعي حشد كيان الانسان ومحاولة تحقيق حضورٍ مستقرّ وحيويّ. وهذا بطبيعة الحال ليس عاملاً محدوداً في القصّة أو الرّواية، بل نجده حتّى في حياتنا اليوميّة وتفاصيلها المملّة، غير أنّ الاسلوب الفنّيّ يكثّف تلك المواجهات لتبدو أوضح للقارئ، ولتتوضّح معه الرّؤية التي ينطلق منها ذاك النّتاج. وفي هذا السّياق يمكننا أن نقرأ رواية "فصام" للكاتب هنيبعل كرم، التي تبرز فيها عمليّة المواجهة أوّلاً من خلال العنوان الملفت الذي يوجّه انتباهنا إلى تقابلٍ تامٍّ وجذريٍّ بين شخصيّتين داخل الذّات الواحدة.. الأمر الذي يعني أنّها عمل مبنيٌّ على مبدأ المواجهة التي تقوم بها هذه الذّات والتي أدّت إلى انقسامها عموديّاً، فتبدو كأنّها اثنتين لا غير.

1-  الذّات في مواجهة المكان:

تُظهر الرّواية تناقضاً حادّاً بين ذات الشّخصيّة الرّئيسيّة وبين المكان، فلا يمكن أن تكون مسالمةً مع رمز المدينة، لأنّ هذا الأخير يحاول أن يفرض تفاصيله والسّيطرة عليها، ولذلك على تلك الذّات أن تتّخذ موقعها الرّياديّ لتتمكّن من الحضور في هذا المكان. وهو ما يعلنه محور الرّواية منير:

"...في مدينتي تسحقك التّفاصيل إن لم تثبت أنّك جزء مهمّ منها. يجب أن تحافظ علىموقعك الرّئاسيّ لتتمتّع بالسّلطة.. وبالأهمّيّة..

"...في مدينتي.. كلّ شخصٍ يقيم وراء سوره الخاصّ؛ إنّ الفراغ سيدميكَ، سيقتلكَ.. إن لم تُختَرَق..، أو تخترق سور أحدهم فتنفذ إلى اهتماماته! أرى أنّك ارتحتَ من هذه المشقّة، فالقضايا الكبرى اخترقتكَ وتركتكَ.. مدمَّراً!!"[1].

انطلاقاً من ذلك، يبدأ منير خوضه في الصّراع ضدّ ما تمثّله المدينة من قسوةٍ وهيمنةٍ وقيمٍ جافّة، وبالتّالي من قحطٍ وموت.. لذا يقرّر أن تكون ذاته عبارة عن مكانٍ آخر مليءٍ بالحيويّة والحراك الدّائم، ما يدفعه إلى القول:

"أبحث عن بابٍ لا مكان وراءه، ولا مكان أمامه..، لا حدود له إلاّ أنا! باب يشكّل الحدود كلّها، الحدود ما بين.. وما سيكون..، لأصبح أنا حدّاً حقيقيّاً وحيّاً بين ما يمتدّ ورائي.. وما يمتدّ بيني وبين الباب.. أمامي! وفي هذا الامتداد الفارغ والبائس.. وحدي أكوّن المكان الحيّ المتحرّك!!..."[2].

لكنّ هذه المدينة لم تترك تلك الذّات تبني مكانها الخاصّ، بل أصرّت على ممارسة حصارها العنيف نحوها، وهذا ما بدا جليّاً عندما فرّ من رجال الأمن أثناء مداهمتهم لمركز المجموعة السّرّيّ. وهذا ما كشف عن هوّةٍ سحيقةٍ مع المكان الواقعيّ، أدّى إلى التّصريح:

"عرفتُ أن لا مفرّ.. فالشّارع أصبح مطوَّقاً الآن! لم أفكّر إلاّ بكيفيّة إيجاد مخرج..، وتخيّلتُ للحظةٍ أنّ جناحَين سيجهزان لي فأفرّ بهما..."[3].

والجانحان اللّذان يتخيّلهما يظهران البعد عن المكان فهما رمز الخلاص منه. ويتعزّز ذلك إذا ما اعتبرنا القرية نقيضاً للمدينة بوصفها نافذة إلى كشف الحقيقة، لا سيّما من خلال دورها في إبراز حقيقة المؤامرة التي اتّفق عليها كلٌّ من وجدي وحسّان، وفي تبيان مشاعر الشّخصيّة ومخاوفها بوساطة حلمه "الهذيانيّ".

وبنتيجة ذلك، يبدو المكان لدى منير قيداً لأنّه يمنع الذّات من امتلاك خياراتها في الحياة، وعليه فإنّ ما يصبو إليه ليس مكاناً بالمعنى التّقليديّ الضّيّق، بل فضاءً بما تعنيه هذه اللّفظة من امتدادٍ في اللاحدود واللاقيود، ويغدو صراعه مع المكان سعي إلى الخروج من هذا الأخير نحو الأفق المتملّص من القيد. وفي هذا السّياق يفتح لنا نهاية الرّواية على شوقٍ لا ينتهي:

"الآن أشتاق إلى ريشة ترسم في فضائي لوناً حرّاً أنتمي إليه...دفعنا إلى الزّوايا الوحيدة.. نخبّئ فيها أسرار الفرح..، ننسحب فيها إلى أرصفة نفوسنا.. إلى ما نملك نحن حقّاً! نولد فيها.. نموت فيها..، نختار فيها على هوانا.. ونقرّر مشروعاً للحبّ.. أو للبناء.. كما نريد نحن أن يكون.. هكذا على مشيئتنا!... نصمّم فيها وطناً سرقوه منّا..، ننتمي إليه لنحبّه، ونعلن الثّورة عليه.. ليحبّنا! فنستمرّ بلا مللٍ ولا فراغ..، ويصبح الزّمن ساعة أخيرةلا تنتهي أبداً."[4]

وهكذا نرى أنّ المكان الحقيقيّ هو ما يسعى إلى تشكيله دائماً كما يريد لا كما يُفرض عليه، ويتّخذ إطاراً مصيريّاً ليكون الوطن لكن دون أن يعرف حدّاً يتوقّف عنده، من هنا اقترن بذات جماعةٍ وليس ذاتاً فرديّةً، بحضور ضمير المتكلّم الجمع لا المفرد. لكنّ دخوله في مواجهة المكان أدخله في مواجهةٍ ترتبط بالحب، فما الذي تميّزت به؟

2-  الذّات والحبّ:

تأخذ مسألة الحبّ حيّزاً أساسيّاً في الرّواية، على اعتبار أنّ انتقاله في المكان أدّى به إلى الوقوع في الحبّ، وإلى إبراز أهمّيته لديه، وهذا ما يجعلها يصرّح:

"مَن يخاف من الحب مجنون يا صديقي! ففيه يكمن سرّ الانتصار بالحياة على المادّة المبتذلة! ومَن لا يقيم له وزناً.. أبله اختار أنثاه للتّفقيس..، فيأتي الوريث! أو اختارت ’’ذكرها للمحافظة على النّوع الحيوانيّ من الانقراض."[5]

لكنّ مفهوم منير كان غريباً بعض الشّيء، فهو غير مقترنٍ بالتّحقّق، وهذا ما نقرأه في القول:

"... يسألني الجميع إن كنت أحبّ مارغو، فأجيب بنعم! لكنّهم يقولون لي: إذاً، ماذا ستفعل؟ إذاً وإذاً...؟! ماذا أفعل إن كنت أحبّها؟! أنا أحبّها تعني: إذن أنا أحبّها!! أليس هذا كافياً؟! ماذا يجري؟ أهناك أحد غيري يفكّر بها، أو يحبّها، ويريد أن يتودّد إليها؟!"[6].

إذاً فكلّ ما يراه هو أنّه يحبّ مارغو، ويتوقّف عند هذا الحدّ، من هنا كان الصّراع الذي لا ينتهي في الرّواية، فالمفهوم العام لا يتوافق مع مفهومه منير. وأبرز مقاربة لذلك كانت بملاحظته لوضع صديقه وجدي بعد أن عاد له الأمل بحبيبته السّابقة سمر، فأخذ يقيم المعادلات التي لم يجدها أحد ليه من قبل:

"غريب وجدي! يوماً لم تقلقه أيّة ’’قضيّة كبرى! ها هو الآن يزن بكفّه قممه الشّاهقة.. وبالأخرى امرأة فاجأته بعد سنين!"[7].

فقد قوّض صديقه اهتماماته الكبرى في سبيل الوصول إلى حبيبته وتحقيق حبّه لها، وهذا ما جعل منير يتحفّظ لأنّ قيمة الحبّ في نظره ليست في تحقّقه بل في الشّوق إليه، لأنّ بلوغه يعني موته في الوقت عينه... فـ"الحبّ الكبير؟! موجود..، نعم؛ لكنّه يموت من الضّجر لأنّه يحيا لوحده![...] نعم، هذا هو الأمر..!

"السّفح نشيط.. تملأه التّفاصيل! الطّريق مضطرب وحيويّ..، أمّا القمّة.. إن وُجِدت.. فبلهاء!! قمّتي هي السّفح.. وفي الطّريق إلى..."[8].

لذلك لا يمكن أن تؤثّر في حبّه أيّة مسألة أخرى، كما أن ليس همّه أن يؤثّر في الأمور الأخرى، فهو وجود مستقلّ يكمن في السّعي الدّائم والحركة المتواصلة في سبيل الوصول إلى قمّة الحبّ دون بلوغها، حتّى لا يفقد الشّعور به. وهنا نجد مسألة الالتزام حاضنةً لمواجهةٍ أخرى مع ذاته، مكمّلةً للمواجهتين الأوليين.

3-  مواجهة الالتزام:

ما معنى الالتزام لدى الشّخصيّة الرّئيسيّة في الرّواية؟ الإجابة عن هذا السّؤال تبقى مسعى القارئ على مدى متابعته للسّياق، وذلك يعود إلى تشوّش المفهوم داخل ذهن منير نفسه... فها هو يعلن بشيءٍ من الحيرة:

"...بل كنت أفكّر بمعنى الالتزام بشيء.. بعمل.. بنمط حياة.. بمدينة...! وهل الالتزام نهائيّ؟ مدى الحياة! ما هي حدوده؟ هل يمكن ألاّ ألتزم بشيء؟ ألاّ ألتزم حتّى بموقف لا يؤمن حتّ بأيّ التزام؟!"[9].

إذاً فالالتزام له وجه خاصّ يتميّز بعدم الثّبات، فهو دائم التّغيّر بالنّسبة إليه، حتّى لدى الشّخصيّة التي من المفروض أن تكون أكثر "التزاماً"، وأعني وجدي... إذ يتحوّل إلى شكلٍ قزمٍ منه يجعل منير يشعر بالشّفقة عليه:

"آلمتني فكرة كيف أنّه، في يوم من الأيام، أتى إليّ وجدي لأساعده على إيجاد مخرجٍ لتلك المفاضلة التي أقامها بين "سمر" وبين "الحزب"، وكيف أنّه يأتيني اليوم ليستجوبني في قضيّة سخيفة لمعرض رسوم أسخف، معتبراً أنّه يحمل همّ البلاد فوق كتفيه، تساعده في ذلك "سمر"، صاحبة التّسويات النّاجحة!! أشفقت عليه.. وعلى آلافٍ مثله- ربّما جاء يمثّلهم- ممّن تهتزّ "قضيّتهم الكبرى" أمام فخذي امرأة.. أو حبّ مراهق للأرض..، وللمرأة...!"[10].

كان يشفق على سطحيّي الالتزام، لأنّهم يندفعون حتّى في تسوياتهم ظنّاً منهم أنّهم يعملون لأجل القضيّة، مع أنّ مثل هذا النّموذج بدا لنا مستعدّاً لخيانة حتّى مَن يدورون في فلك الالتزام نفسه ويعتبرونه قدوتهم، وهذا ما حصل مع حسّان ووجدي معاً[11].

وحينما نحاول أن نرصد مآل الالتزام في وجهة نظره، نجد أنّها تتمثّل في الحرّيّة، فهو بقول معترفاً: "أنتمي إلى الحرّيّة ولا أطالب بها..."[12]. فهو ليس من أولئك الذي يطالبون بالحرّيّة كلّما وجّههم هاتف نحوه دون تفكيرٍ حقيقيٍّ في طبيعتها. وما الحرّيّة عند منير إلاّ "في قدرتك على التّمييز والاختيار بين ما تحبّه، ما ترغب به، وبين ما يجب عليك فعله!"[13]. أمّا المفهوم السّائد عنها فهو المرتبط بالمتوارَث، وبالملقَّن.. وبالتّالي لا يعود حرّيّةً لكونه مقيّد بشيءٍ ما.

على هذا الأساس يبدو صراعه ضد فكرة الالتزام والحرّيّة التّقليديّة، ليبدو في تصرّفاته وطرق تفكيره الخارجة عن المألوف رافضاً ومنتمياً في الوقت نفسه، فهو يحضر بالتزامٍ إلى حرّيّةٍ أخرى تصدر منها جميع أفعاله وليس العكس.

4-  خاتمة:

نلاحظ ممّا تقدّم أنّ رواية فصام يدور مسرحها السّرديّ في إطار مجموعةٍ من المواجهات الحادّة بين الذّات الرّافضة وما يحيط بها من مسائل، بدءاً بالمكان.. مروراً بالحبّ.. وصولاً إلى الالتزام. ونرى بوضوحٍ أنّ الشّخصيّة الرّئيسيّة نجحت من خلاله في قلب المفاهيم وبعثرة الواقع، فكانت أشبه بالحلم الغامض الذي يصنع هوّته مع الحياة الحقيقيّة فيكون "حلماً مستمرّاً يمنحك بهجة الحياة التي لا توصَف!!"[14].

وبالتّالي نتوصّل ممّا تقدّم أنّ الكاتب سعى أن يقدّم لنا الواقع على طريقته من خلال رفضه له والعمل على مواجهة مفاهيمه البديهيّة لأنّ في ذلك محاولة لخلخلة أساسات البناء التي يقوم عليها البناء المشَوَّه لمجتمعنا. فالمكان هو القبضة التي تريد ترويض الذّات، ما يؤدّي إلى تشويهٍ في فكرة الحبّ وإماتةٍ للمشاعر المرافقة لها، وهذا الأمر يجعل من الالتزام عمليّة خيانةٍ وتسويات تُفقد القيم ثقلها المعنويّ.. وبناءً عليه يكون للذّات خياران إمّا الرّضوخ أو تمثّل ذات منير في رفض التّسويات والإماتة والتّرويض.


 

[1] هنيبعل فايز كرم: فصام. بيروت، دار فكر للأبحاث والنّشر، الطّبعة الأولى، 2009، ص61.

[2] المرجع نفسه. ص181.

[3] المرجع نفسه. ص313.

[4]  هنيبعل فايز كرم: فصام. ص321.

[5] هنيبعل فايز كرم: فصام. ص57.

[6] المرجع نفسه. ص177.

[7] المرجع نفسه. ص133.

[8] هنيبعل فايز كرم: فصام. ص94.

[9] المرجع نفسه. ص49.

[10] هنيبعل فايز كرم: فصام. ص301.

[11] المرجع نفسه. ص313.

[12] المرجع نفسه. ص219.

[13] هنيبعل فايز كرم: فصام. ص77.

[14] المرجع نفسه. ص191.