العدد السادس والاربعون - كانون الاول

نادر هدى في " مشارب الرهبة "

كتابة السيرة المجبولة بالأسئلة
الاحد 3 كانون الثاني (يناير) 2010.
 

أصدرت دار البيروتي للنشر والتوزيع في الأردن كتاب " مشارب الرهبة " للشاعر الأردني نادر هدى وفيه فصول ثلاث : " منازل الوجد ، حرائق الروح و جمرة الذاكرة".

الكتاب عبارة عن سيرة ابداعية للشاعر حملت اضاءات وتفاصيل ذكريات ، ومنابع وجد أثّرت في بحر نادر هدى الهائم بين حبيبة غائبة وأخرى منتظرة ، الى عاشق التراب بين النحلة والخلة ، والمسافة التي يقطعها العاشق في سبيل المعنى للوصول الى جمال الصورة ، واشراق الحركة، الى ذكرياته بدءا من كفريوبا قرية الشاعر، الى بيروت حيث نهل العلم والأدب والعلاقات ، ثم عودته الى بلدته اربد في الأردن ، حيث مقره ونجواه وعشيرته ، جاعلا من الايمان  فضاءه العاصف ليمتد الى مشارب روحه ، حرائق عشق لا تنتهي.

الكتاب الذي يقع في 600 صفحة ، من القطع الوسط ، نختار منه مقطعا من ذكريات نادر هدى مع الشاعر اللبناني نعيم تلحوق منذ العام 1984.

 

من مقدمة الكتاب

وبعد ،

فهذه كتابات أودعتها طرفاً من سيرتي ، وبعضاً من رؤاي ، بهالة من الأسئلة هي الى الأدب أقرب منها الى الفكر . كانت في البدء رسالة الى أخي وأستاذي حفناوي بعلي ، وقد أخذني اهداء كتابه "الحداثة الشعرية ، وفاعلية الكتابة " المؤلف عن تجربتي الشعرية أيما مأخذ ، اضافة لمكنوزه الثري في مادته العلمية العميقة. فاذا بالهيامات تأخذني كما هي عليه الأن ، مسلماً باني لا أملك من رؤى السرد نصيباً - وأن كان شعوري النامي عن عمق الوجد ما بيني وصديقي يجعلني أدعي أن هذه هي قصيدتي ، ( سمفونيتي ) - بيد أني وقد أطلعت بعض الأصدقاء عليها ، أشاروا علي بنشرها كتابا ، فأخذ اقتراحهم يمثل هاجسا يكتويني ، مشفوعا بحب من كانت اليه ، حتى اذا ما راجعت " هدى " طالبا منها الرأي ، أشارت بذلك . ثم تشعَّب بي الكلام وامتدَّت أطرافه على غير ما كنت أقدر وأحسب الى أن انتظم في مشارب خمس هي : " منازل الوجد ، حدائق الروح ، جمرة الذاكرة ، حوار الذات والأخر و أشجار الكلام"، ولكل منها موضوعه . وبين دفتي هذا الكتاب أقدم ثلاثتها الأولى . فعليه أخي القارئ أضعها بين يديك طازجة، فتقبلها حرة طيعة ، ولا ضير أن تدَّعيها ، أو تظن أنك أنت المعني بها ، فهي لك ملك ، وأنت عليها قيم . 

 

 

مع نعيم تلحوق

أما المشعل السامي الذي لم يزل يرافقني من عالم لبنان حتى الآن فهو صديقي الشاعر والمفكر اللبناني نعيم تلحوق. هذا الصديق الصدوق الذي يقف القلم عاجزاً عن تبيان حقه ، لما له علي من أيادٍ بيضاء، أراني استحضره بحق الهيبة أمامها ، وقد كان إهداء ديوان " حبر العتمة " اليه " ذاكرة في فضاء الصمت " وكذا قصيدتي " أرق الحروف " من ديوان " أروى".

 

أنعيم ترب الأرض نستفُّ  ا

 ل

   م

  د

 ى

   ونؤنث الألق الخصيب

 

وكان قد أهداني قصيدة من ديوانه " وطن الرماد " الصادر سنة 1994 ، اخذ نعيم بيدي ، فكتب تقريضا عن ديواني،" مملكة للجنون والسفر " و " مسرات حجرية " ، وحاورني ، وبقيت أبعث اليه بقصائدي بعد مغادرتي بيروت في 5/11/1985 وينشرها محافظاً على حضوري الابداعي فيها ، حيث لم أحظ في بلدي الأردن بأي حضور نظرا لاقترافي " قصيدة النثر " التي كان ينظر اليها " نظرة العاقل الى السفيه " حسب أستاذي يوسف بكار، أو كأنها " نبت شيطاني " حسب صديقي الشاعر حسين جلعاد. فكنت وحدي من يراهن عليها في غياب الحوار الذي ينطلق من وئد الآخر في حق التعبير ، وكذا بقي الأمر الى ان نشرت ديواني الثالث " حبر العتمة " في الأردن سنة 1992 من غير اجازة دائرة المطبوعات والنشر ، فكانت الانطلاقة الحقيقية لقصيدة النثر في الأردن ، حيث أدرجت بعض الأسماء المعنية بها في مهرجان جرش لسنة 1993 وأخذت تجد مكانا لها في الصحافة الثقافية ولو على استحياء ، حتى اصبحت واقعاً مفروضاً. ولعل في " حوارات نادر هدى- الرؤية والابداع " الذي أعدته وقدمته أروى القاضي ، الاضاءة الكافية على مسيرة قصيدة النثر في الأردن حيث جسد كتاب الحوارات مسيرتها.

بقي نعيم يرعى تجربتي الإبداعية في حضور تام ، ولم يزل ، ذلك أنه سيد المنابر وفارسها في بيروت حيث رأس تحرير غير مجلة ثقافية وفكرية ، عدا أنه ركن ركين في وزارة الثقافة اللبنانية في حين لم أستطع تقديم شيء له في الأردن ذلك اني لست من ذلك في شيء ، ليهاب جانبي أو تشدّ الرحال إلي ، وذا واقع المشهد الإبداعي في الأردن ، مشهد يحكمه الشكل ، لا مكان فيه للموضوع والموضوعية ، انه تربة غير خصبة للابداع.

نعيم تلحوق أول من كتب عن " هدى " في تقريضه على ديواني الأول "مملكة للجنون والسفر ". أن صدوره في وصف وتوصيف كان الإضاءة الكاشفة لمن كتب عن تجربتي بعده ، حيث أصبح الاسم مثار اسئلة وتأويل لم يخمد أوراها ولم يفتر حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها ، حتى لكأن الأسم أصبح في حد ذاته أسطورة ، لم أعد أنا معها قادر على إدراك كنهها.

وعندما صدر ديواني الثاني " مسرات حجرية " في بيروت استقبل في الوسط الإبداعي اللبناني بحفاوة من خلال نشر أخبار صدوره ، لتأتي مرحلة القراءة والدراسة ، التي فترت حتى كأني خشيت على نفسي. وفي ظني أن غير واحد سيكتب عنه ، ومنهم من أعلمني في ذلك صراحة ، الى ان كتب نعيم ، جاعلاً من قراءته مؤداها انني أسقطت " هدى" من عليائها بعد أن كانت في "المملكة " " ملكة " فاذا بها في المسرات محض امرأة في الأرض ، وأي امرأة. فكانت هذه القراءة كالنار في الهشيم لتتخذ القراءات منها بؤرة ما بين مؤيد ومعارض ، فطغى موضوع " هدى " على الديوان ، ووجدتني مستاءا من هذه المناكفات التي لا تجدي ، حتى أني لم أحتفظ بأي منها. ولكم يشعرني ذلك بالمرارة والندم ، اذ لم أقدر قيمة حفظها ، ففاتني بذلك الكثير، هي " صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ".