العدد السادس والاربعون - كانون الاول

السوبر تخلف العقلي والسوبر دعارة الأدبية

حسن عجمي
الاحد 3 كانون الثاني (يناير) 2010.
 

نشهد حالياً نمو السوبر تخلف وازدهاره. لكن السوبر تخلف يصطحب معه السوبر ارهاب والسوبر دعارة. نرتحل هنا الى عوامل تخلفنا في محاولة ان نفهم من نحن اليوم.

 

السوبر تخلف

 

نحن سوبر متخلفون لأننا نرفض العلم والمنطق ونستغل العلوم من اجل نشر الجهل. يختلف السوبر تخلف عن التخلف اختلافاً جذرياً. فبينما الشعب المتخلف هو الشعب الذي لا ينتج ما هو مفيد للعلم والبشرية، الشعب السوبر متخلف هو الشعب الذي يطوّر التخلف من خلال استخدام العلم من اجل التجهيل. وهذا ما نجيد القيام به.

مثل ذلك هو ان الوظيفة الأساسية لمعظم مدارسنا وجامعاتنا ووسائل اعلامنا كامنة في نشر العداوة والتعصب بين القبائل الطائفية والمذهبية المختلفة. فلكل قبيلة طائفية أو مذهبية وسائل اعلامها ومدارسها وجامعاتها الهادفة الى تحقير سلوك ومعتقدات القبائل الطائفية والمذهبية الأخرى وتدعيم العداوة معها. هكذا نستغل العلم ووسائله من اجل التجهيل. فبدلاً من ان تخرج جامعاتنا علماء ومثقفين، تخرج ارهابيين صغاراً ينتمون الى هذه القبيلة او تلك. من هذا المنطلق ايضاً، تزدهر على شاشات الانترنت دعاوى التكفير والتخوين ضد بعضنا البعض. من هنا نستخدم التكنولوجيا من اجل نشر الجهل وتطويره. وهذا ما يصدق ايضاً على التلفزيون وفضائياته. فكل عصابة لها وسائل اعلامها كي تساهم بقوة في بناء سوبر تخلفنا. فبدلاً من ان نرى البرامج الثقافية على شاشاتنا، نراقب صراع القبائل الطائفية والمذهبية بخطابات خالية من اية موضوعية ومنطق. هكذا نعلم اطفالنا ان يكونوا مثلنا ارهابييين وطائفيين وعنصريين وغير منطقيين. ونفرح بانجازاتنا الكلامية الفارغة التي تترجم الى حروب اهلية دائمة في شوارع مدننا العربية.

 

تتنوع تجسدات السوبر تخلف منها اننا نعتمد على اقوال ونظريات العلماء في الغرب كي نشرّع انظمتنا الدكتاتورية ونبرر اقتتالنا الاهلي المستمر. فكل انظمتنا العربية دكتاتورية ومنها النظام اللبناني الدكتاتوري في طائفيته. بالاضافة الى ذلك، تفتقر معظم كتبنا ونصوصنا المعاصرة الى اي اسس عملية وتعارض كل مبدأ من مبادئ المنطق. فلا نجد أصلاً كتباً علمية في مكتباتنا، وما نتعلمه من علوم يغدو سلاحاً موظفاً في يد هذا الطاغية الكبير أو الصغير من اجل قتل منافسيه. وتحتشد اليوم آليات رفض المنطق في نصوصنا وكتبنا، وبذلك أمست الكتابة اداة هدفها تطوير التخلف والجهل. فمعظم ما نكتب يتضمن تناقضات قاتلة ويحتوي على المصادرة على المطلوب والدور وهو تعريف الشيء بالشيء نفسه كتعريف الماء بالماء الخ. من هنا، ليس من المستغرب ان نكون طائفيين وعنصريين. فبمجرد ان نرفض العلم والمنطق، من الطبيعي حينها ان نحيا في بناء احقادنا وكراهيتنا للآخر. فالعلم يتضمن الموضوعية والتفكير السليم وبهما لا ينمو حقد ولا كراهية. فلا توجد طبقة علماء بيننا، بل ثمة فقط طبقات من أحقاد تعلو فوق احقاد لا متناهية.

 

كما نفشل في مراعاة المنطق ومبادئه وفي قبول العلم والمشاركة في صياغته، نفشل ايضاً في بناء عبارات ذات معانٍ ما جعلنا نكتسب صفة السوبر تخلف عن جدارة. فلا نعرف ما الذي يجعل العبارة ذات معنى ما ادى الى تخبطنا في عبارات ونصوص وخطابات خالية من أية معانٍ. من هنا، أمسى معظم ادبنا لعباً على الكلمات مفتقراً الى اي معنى ومضمون وهدف. فلا يعلم معظم مدعي الثقافة والمبادئ التي لا بد من الالتزام بها من اجل صياغة عبارات ذات معنى. فمثلاً، عبارة "العدد سبعة متزوج" عبارة بلا معنى كما يتفق كل العقلاء في العالم. لكن معظم نصوصنا شبيهة بها وتبنى على ضوئها. وسبب ذلك اننا لم نتعلم من محيطنا وفي مدارسنا وجامعاتنا سوى استخدام العلم من اجل التجهيل.

 

لا بد ان نطرح السؤال التالي: لماذا نرفض العلم والمنطق ونستغل العلوم من اجل نشر الجهل وتطويره؟ يكمن الجواب في اننا نؤمن باليقينيات. فالعلم عملية تصحيح مستمرة بحيث تستبدل النظريات العلمية بنظريات عملية أخرى عبر التاريخ. وبما ان العلم عملية تصحيح مستمرة، اذن لا يقينيات في العلم. من هنا، بما انه لا توجد يقينيات في العلم، وبما أننا نؤمن باليقينيات، اذن من غير المستغرب ان نرفض العلم وما يتضمن من معارف وموضوعية ومنطق وأن نكتسب بذلك صفة السوبر تخلف الفائق. والعلم أساس المجتمع والديمقراطية. من هنا، بما أننا نرفض العلم، اذن من المتوقع ان نخسر المجتمع وان لا تنشأ الديمقراطيات لدينا. هكذا تفسّر فرضية السوبر تخلف لماذا فقدنا المجتمع وانقسمنا الى قبائل طائفية ومذهبية ولماذا لا توجد الديموقراطية في أوطاننا الافتراضية. فمن تجليات السوبر تخلف اننا قبائل متصارعة واننا لا نشكل مجتمعاً اصلاً. والسبب الاساسي في ذلك اننا نرفض العلم ونستغله من اجل التجهيل.

 

الآن لا بد ان نبرهن ان العلم الاساس المجتمع والديمقراطية. بما ان العلم عملية تصحيح مستمرة، وبذلك لا يقينيات في العلم، اذن اذا قبلنا العلم وشاركنا في انتاجه سوف نتحرر من يقينياتنا نغدو غير متعصبين لما نعتقد، وبذلك نقبل الآخر المختلف في معتقده وسلوكه. وقبول الآخر اساس بناء المجتمع والديمقراطية؛ فالمجتمع يتكوّن من اختلاف افراده أما الديمقراطية فآلية لحفظ حقوق الأفراد في الاختلاف. من هنا، العلم مصدر المجتمع والديمقراطية وأساسهما. على ضوء هذه الاعتبارات، السبيل الوحيد نحو الخروج من سوبر تخلفنا يكمن في قبول العلوم والمشاركة في صياغتها. فبالعلم وحده نغدو بشراً ونكوّن مجتمعاً ونبني ديمقراطية الحقوق الانسانية.

 

السوبر ارهاب

 

لسنا سوبر متخلفين فقط، بل نحن ايضاً سوبر ارهابيون. يختلف السوبر ارهاب عن الارهاب. فبينما الإرهاب هو قتل اجساد الأبرياء، السوبر ارهاب قتل انسانية الانسان. وهذا ما نجيد فعله بامتياز. ثمة آليات مختلفة للسوبر ارهاب منها خصخصة الثقافة والانسان. لقد تخصخصت الثقافة بالفعل فانتشرت العصابات الثقافية. فكل عصابة ثقافية تدافع عن اعضائها وتروج لمشروعها المتخلف وتقاتل العصابات الثقافية الأخرى. ومن لا ينتمي الى عصابة ما يبقى خارج لعبة ثقافتنا الكاذبة. فلكل وسيلة اعلامية عصابتها التي تكتفي بالدعاية لأفرادها واصدقائهم وتعادي الوسائل الاعلامية الاخرى. هكذا تحول الاعلام لدينا الى وسيلة قتالية ما يتضمن ان الثقافة ذاتها تحوّلت الى سلاح في يد الطغاة الصغار والكبار. في زمن السوبر ارهاب يغدو الفرد خاصة هذه المؤسسة الثقافية او الاقتصادية، وبذلك يفقد انسانيته. فمتى تحوّل المثقف مثلاً الى خاصة هذا الطاغية او تلك المؤسسة، يخسر حريته ويسجن في قيود طغاته ما يضمن فقدانه لإنسانيته. مع خصخصة الإنسان لا مفر من ان تتخصخص الثقافة أيضاً والعكس صحيح لأن الانسان هو هذه الثقافة او تلك.

 

نحن نجيد قتل انسانية بعضنا البعض من خلال وسائل عدة منها القمع الجسدي ولانفسي والعقلي الذي نمارسه ضد الآخر منا. وما خصخصة الانسان وثقافته سوى وجه من وجوه السوبر قمع يسيطر على وجودنا  الافتراضي. فمع خصخصة الانسان والثقافة يمسي الانسان اداة في يد المشاريع التي خصخصته، وبذلك يقع تحت سطوة السوبر قمع الذي يحوّلنا الى مجرد أدوات. بالفعل، لا يوجد انسان في عالمنا العربي. فالانسان مجموعة حقوق. لكن الحقوق غائبة. بذلك لا انسان لدينا. لم نخسر المجتمع فقط، بل خسرنا الانسان ايضاً واصبحنا خارج الحضارة. هذا متوقع لانه لا يوجد انسان خارج المجتمع والحقوق المدنية.

 

بالاضافة الى ذلك، السوبر ارهاب اصل السوبر تخلف ومصدره. السوبر ارهاب هو قتل انسانية الانسان بينما السوبر تخلف هو استخدام العلم من اجل التجهيل.

وبما انه فقط الفاقد لإنسانيته يستخدم العلم من اجل التجهيل، اذن السوبر ارهاب اساس السوبر تخلف، من الطبيعي ان تغزونا حروبنا الاهلية وان نحيا بل ان نموت باستمرار في قبور تجدادنا. لقد دخلنا حقبة جديدة في حقبة السوبر تخلف والسوبر ارهاب، لذا من غير المستغرب ايضاً ان تجتاحنا السوبر دعارة.

 

السوبر دعارة

 

بينما الدعارة هي بيع الجسد من اجل المال، السوبر دعارة هي بيع الفكر والكلمة مقابل المال. لقد انتقلنا من شعوب داعرة الى شعوب سوبر داعرة الى شعوب سوبر داعرة. فمعظم مدعي الثفافةهبيد لدى الوسائل الاعلامية والثقافية والاقتصادية لكونهم يبيعون اقلامهم ومواقفهم من اجل تحسين اوضاعهم الاقتصادية.والدليل على ذلك تحوّل العديد من اتباع اليسار السياسي الى مخيم الاصولية. فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع تدفق امواله علينا غيّرنا مواقفنا وكتاباتنا من اجل مصلحة الأصولية التي تدفع اليوم اكثر من غيرهاز اما معظم المتآمرة منا فلم تجد مصدراً لمعيشتها سوى في منابر ومؤسسات الغرب او التابعة للغرب. هكذا نبيع انفسنا كل يوم من اجل دولار اضافي. في زمن السوبر دعارة يستحيل علينا معرفة من ينتمي الى اية ايديولوجيا. فامسى نقل البندقية الفارغة من حزب او موقع الى آخر سمة اساسية لنا.

بما ان السوبر دعارة هي بيع الفكر والقلم الذي يدفع أكثر، اذن تشير السوبر دعارة ايضاً الى حقيقة اننا نكتب ونروج لهذه "الثقافة" او تلك على ضوء ما يطلبه السوق. فإذا كانت الكتب الاباحية هي المطلوبة اكثر من غيرها، نجد حينها اننا اصبحنا نكتب روايات ومقالات اباحية كي نكسب مالاً اكثر وشهرة اكبر. وهذا ما يحدث اليوم في عالمنا العربي. لقد تحوّلت الثقافة الى سلعة رخيصة في سوق الخضار. والآن نرى ان مكتباتنا تزدهر بحشد كبير من الكتب الاباحية كالروايات الجنسية لانها مرغوبة وسوقها التجاري مربح جداً. كما نشهد اليوم نشوء العيد من المجلات المتخصصة في نشر الاباحية الجنسية، وهذا غير مستغرب بما اننا عبيد السوق الثقافي الكاذب. هذه الكتب والروايات والمجلات الجنسية تتخذ صفة الكتب والمجلات الثقافية. وهنا تكمن خطورتها. فالعديد مما يصوّرهم الاعلام المخادع على انهم ادباء وشعراء ومثقفون كبار باتوا يكتبون في تلك المجالات والمجلات الجنسية ويدعمونها. هذا يدل على السوبر دعارة لاننا نحوّل الثقافة الى دعارة واباحية فنستخدم معارفنا من اجل خدمة اسواق العاهرات والعاهرين. لقد امسينا دعاة للاباحية اي اصبحنا قوادين. فمن دعارة السياسة الى دعارة الاقتصاد ومن ثم الى دعارة الثقافة تنمو اليوم ثقافة الدعارة لأنها المطلوبة في سوق التبادل التجاري. لقد فشلنا في ان نكون تجاراً ناجحين، لكننا نجحنا في ان لا نكون. لا تكمن المشكلة في الادب الجنسي والعلاقات الجنسية خارج الزواج، بل المشكلة قائمة في اننا نروّج للإباحية والدعارة على أنهما ثقافة. وهذا جوهر السوبر دعارة.

 

لكن لماذا تحوّلت الثقافة الى سوبر دعارة؟ بمعنى آخر، لماذا لا نكتب كتباً علمية ونصدر مجلات علمية بدلاً من أن نكتب كتباً جنسية ونصدر مجلات اباحية؟ هكذا تتضح الاجابة على النحو التالي: نحن نرفض العلم، وكل الميادين الابداعية الاخرى كالفلسفة والادب الحقيقي تعتمد على العلوم بشكل مباشر او غير مباشر. من هنا، من المتوقع ان نتخلى عن الكتابة في العلم والفلسفة والأدب وان نكرّس افكارنا البالية واقلامنا المأجورة لخدمة الثقافة الجنسية الفاشلة دوماً في شرقنا. هذا يعني اننا حولنا الثقافة الى سوبر دعارة لاننا نرفض العلم وما يتضمن من منطق ومبادئ.

 

بالاضافة الى ذلك، نجح حالياً الأدب الجنسي اعلامياً وتجارياً، لكنه فاشل ثقافياً لاننا ما زلنا في زمن السوبر تخلف. في عصر السوبر تخلف نستخدم العلم من اجل التجهيل، لذا من الطبيعي ان نستغل الأدب ايضاً من اجل نشر الجهل ودعم التخلف العقلي والجسدي. فلم يقدّم "ادبنا الجنسي" سوى ما قد نراه اوضح واجمل في الافلام الاباحية الغربية. هكذا نسرق ما ينتجه الغرب ونشوهه من اجل خدمة مصالح الجهل والتخلف. فالحرية الجنسية جزء من الحريات الموجودة في الغرب التي نرفضها نحن اليوم من خلال انقسامنا الى قبائل طائفية ومذهبية مقاتلة.

وبذلك يستحيل على "أدبنا الجنسي" ان يدعونا الى الحريات ولذا فشلت هذه الآداب اي قلة ادبنا في تتحقيق اي بُعد انساني لنا. فالانسان مرفوض لدينا اصلاً.

حسن عجمي