العدد السادس والاربعون - كانون الاول

"لا أؤمن بالمحرمات وأرفض الرقابة كليا"

خالدة سعيد ل "تحولات" : أدين الأحزاب اليسارية لعدم تسييسها قضية المرأة
الاحد 3 كانون الثاني (يناير) 2010.
 

أسماء وهبة

"خالدة سعيد" كاتبة وناقدة لبنانية من أصل سوري، بدأت بكتابة النقد عام 1957، ونشرت أولى مقالاتها في مجلة "شعر". واكبَتِ الحداثة العربيّة، ودرست السّيّاب وأدونيس والماغوط وأنسي الحاج، ثم أرّخت للمسرح اللبناني. وها هي تقرأ تجارب أديبات مثل لور مغيزل، فاطمة المرنيسي، سنية صالح، منى السعودي، نادية تويني، مي غصوب، فدوى طوقان، وسلوى روضة شقير في كتابها الجديد الصادر عن دار الساقي بعنوان في البدء كان المثنّى.

"تحولات" التقتها في حديث حول عملها الأخير الذي يعتبر رؤية نقدية لمسيرة المرأة النضالية التحررية.

لماذا اخترت عنوان "في البدء كان المثنى" لكتابك؟ وماذا قصدت به؟

هذا العنوان يدل على الواقع، لأن كل الأفكار والرموز والصور في الحياة تجعل نشوء الحياة هرميا، وتضع الرجل في رأس الهرم من دون مسوغ واضح. إلا أنها تستند إلى نصوص دينية في التوراة بأن الله خلق الرجل ثم انتزع ضلعا منه فكانت المرأة. وهذا غير صحيح، لأن التوارة ذكرت بما معناه أن آدم قال لحواء: "أنت جزء مني". وهذا يحمل الكثير من معاني الحنان، بينما التراكمات التاريخية والإقتباسات الإٍسلامية غير الصحيحة أعطت المرأة قيمة دونية! وحولت علاقة الحنان والحميمية إلى ضلع أعوج بالرغم من أن القرآن يخلو من ذكر كلمة ضلع! كما أن الإنسان كمرحلة متطورة في سلم الكائنات، لا يمكن أن يوجد كرجل أولا ثم امرأة. لذلك سميت الكتاب "في البدء كان المثنى" لألغي هذه التراتبية. فأنا لا أقول كما تقول د. نوال السعداوي أن الأنثى هي الأصل، كما أني لا أقول أن الذكر هو الأصل.

 

لماذا تبنى العالم الإسلامي قصة خلق حواء من ضلع آدم؟

السبب عائد إلى اقتطاع الأحاديث النبوية التي تناولت المرأة. فالبخاري تجاهل أكثر من 500 ألف حديث في "صحيحه"، لذ، من الوارد أنه شطب أحاديث أخرى كذلك. كنت سأضع آية "إنا خلقناكم أزواجاً" في مستهل الكتاب، لكني لم أُرِد دمغه بطابع ديني.

كان قاسم أمين أول من نادى بتحرير المرأة وتغيير القوانين المتعلقة بوضعها داخل المجتمع. إلى أي حد حققنا ذلك؟

بداية، لم يكن قاسم أمين أول من نادى بإعطاء المرأة بعضا من حقوقها، بل سبقه بطرس البستاني مثلا الذي طالب بتعليم النساء. إلا أن قاسم أمين كان أول من خاض معركة حقيقة لتحقيق ذلك، وقد تسبب له ذلك بأذى شخصي مباشر. وعلى الرغم من ذلك، لا أؤمن بوجود أشخاص مثل قاسم أمين أو نوال السعداوي أو خالدة سعيد أو فاطمة المرنيسي قادرين بمفردهم على حل قضايا النساء، بل أؤمن بحركة فكرية ينضوي تحتها كل هؤلاء من دون التعصب ضد الرجال لدعم مسيرة المرأة النضالية. من هنا، أشرت في كتابي "في البدء كان المثنى" إلى أن قاسم أمين كان صاحب الفضل في إعطاء دفعة حقيقة للنساء. كما أهديت كتابي إلى أبي لأثبت أن الرجل يمكن أن يكون ذكيا وواعيا وفي الوقت نفسه يحترم المرأة. وأتذكر أن أبي كان يسألني: "لماذا ضربك هذا الولد؟ أو لماذا تفوق عليك ذلك الصبي في الدراسة؟" وإذا تأخرت في الإجابة كان يقول: "ألأنك بنت؟! يجب أن تعرفي أن البنت مثل الصبي. والصبي ليس أكثر جدارة من البنت إلا بالعمل". أما الوعي السائد في المجتمع فهو على درجات مختلفة، ولا يمكن أن نقدم وصفا واحدا له. فهناك رجال متألقون وأذكياء في جميع المجالات إلا فيما يتعلق بالنساء! وهناك رجال يشيدون بالإنفتاح على المرأة، ويكنون لها أقصى الإحترام والفهم والتقدير، ولا يؤمنون بالتراتبية، ولا ينظرون إليها نظرة متعالية. وللأسف يوجد نساء أشد تعصبا من بعض الرجال وبخاصة العاملات في الجمعيات النسائية اللواتي ينظرن إلى جسد المرأة على أنه شيء سحري خرافي!

 

كيف ساهم التعبير النسوي الإبداعي في تحرير المرأة؟

لا أؤمن أن كتابي "في البدء كان المثنى" أو حتى أعمال غيري من الأديبات، ستصلح أحوال النساء بعد عقود عاشتها الأنثى سجينة وخرساء ومكبوتة، وتحملت ظلم ابنها وزوجها وكل مجتمع الرجال الذي كان له القول والسيادة والكلام والتشريع والحكم عليها. لذلك، كتابات النساء ليست إلا بداية بسيطة للتعبير خارج أسوار الحريم، ورفع الصوت في المجال العام بعد أن طمست المرأة أحلامها وآمالها وعبقريتها وفنها لسنوات طويلة. نحن نحاول من خلال أعمالنا تقديم وجهة نظر مختلفة عن النظرة الذكورية في مختلف شؤون الحياة. والجدير بالذكر أن الرجل يعاني مكبوتات معينة ربما أكثر من المرأة، لا سيما التي تتعلق بمفاهيم الشرق كالرجولة والكرامة والشرف. وهي بالطبع أفكار خاطئة لا يقبلها جميع الرجال، وقد كتب بعضهم عنها في أعمالهم الروائية التي شكلت مجالا لإطلاق هذه المكبوتات حيال الرأي الفردي الواحد الذي مثله الحاكم أو الشيخ. لذلك، أهمية الكتابة الأدبية أنها مناسَبة لإطلاق أصوات الناس.

 

هل توافقين على مصطلحي "أدب نسائي" و"أدب ذكوري"؟

أرفض هذه التصنيفات، مع العلم أن الفوارق موجودة حتى بين الرجال، وليس بين الرجال والنساء.

 

هل بدأت الكتابة النسائية تتجاوز علاقة المرأة بالرجل لتأخذ طابعا شاملا وعاما؟

الكتابة الفنية مسألة معقدة جدا، يتداخل فيها الخاص بالعام، والتاريخي بالزمني، واللحظة الحاضرة بأخرى تاريخية. لذلك لا يمكن الوقوف على الحدود والتحديات.

 

هل تكتب المرأة بالخط السردي ذاته للرجل أم لديها خصوصية معينة؟

المرأة تكتب بحسب تجربتها وثقافتها. ولكن على النساء أن يعبِّرنّ بكثافة عن عالمهنّ. بإمكان التعبير أن يجرف كل القهر والمكبوتات. الكتابة تُخرج هذه المكبوتات إلى العلن لأنها فعل تحرير. الإبداع نضال من نوع مختلف، لعله أبطأ وأقل جلبةً من النضالات النسائية الدارجة، لكنه أكثر حفراً في الوعي. وللأسف المرأة العربية كائن بغيره لا بذاته، وليس لها وجود مستقل بالنسبة إلى الرجل. وحين تدخل مؤسسة الزواج تفقد شخصيتها، وتعيش في حالة دنيا. لذلك أدين الأحزاب اليسارية العربية لعدم تسييسها قضية المرأة. من هنا، أراهن على الإبداع كبديل يفلت من فعل الزمن والموت وينتقم من استحالة الخلود!

 

وماذا عن المحرمات التي تواجهها المرأة؟

أنا لا أؤمن بالمحرمات، لكن أؤمن بإستغلال بعض الأمور للدعاية وجذب القراء. ويمكن للكاتب أن يتطرق لأي موضوع بمستوى فني راق، وليس بأسلوب رخيص مباشر يجذب شريحة معينة من القراء. وعلى كل حال، لا يمكن أن نمنع الناس من قراءة تلك الكتب، إلا أن الحد الفاصل بين القارىء وتلك الأعمال هو عين الناقد وليس الرقابة التي أرفضها كليا.

 

 

إلى أي حد تتأثر الكاتبة بالثقافة الذكورية التي نشأت فيها؟

من الطبيعي أن تتأثر الكاتبة بالثقافة التي تشبعت بها، إلا أن هذا الصراع هو الذي ينتج الأدب. ونحن في بداية انفجار التعبير النسوي. ولا بد أن نكشف كل هذه المكبوتات ونسلط الضوء عليها لتصبح أكثر واقعية وحياتية، لأن ما يقال في السر مخيف!

 

الى أي حد يعاني الأديب العربي ليتمسك بهويته الثقافية في وجه العولمة التي بدأت تجتاح الأدب؟

العولمة موجودة في الإعلام والإقتصاد ولكنها غير موجودة في التعبير الفني، لأن الهوية ليست ثوبا يمكن أن نخلعه لنرتدي ثوبا آخر. والأديب العربي عندما يكتب، ينطلق من أعماقه وليس من مؤثرات "معولمة" محطية به.

 

هل "الأدب مرآة المجتمع" كما يقال؟

لا أؤمن بهذه العناوين القديمة. الأدب هو الضوء الوحيد الذي ينير المجتمع! وهو لا يتأثر أوتوماتيكيا بالأوضاع السياسية والإجتماعية للبلد. من الصحيح أنه يمكن إعاقة النشر أو قد يتأخر مستوى التفكير، لكن إذا ما وصل الحكم إلى الجماعات الدينية مثلما حدث في الجزائر، عندها يغيب الأدب نتيجة التزام تلك الفئات بفهم جامد للدين!