العدد السادس والاربعون - كانون الاول

هوية فلسطينية ثلاثية الأبعاد!

جنى بشير
الاحد 3 كانون الثاني (يناير) 2010.
 

يعود لعالم النفس إريك إريكسون الدور المركزي في انتشار استخدام كلمة "هوية" واتساع شعبيتها في العلوم الإنسانية ، اذ اعتبرها الكيان الذي يجمع بين انتماءات متكاملة. فهوية المجتمع تمنح افراده مشاعر الامن والاستقرار في الوقت الذي يكون فيه المجتمع متعدداً بانتماءات وفئات وجماعات عرقية أو دينية أو سياسية أو اجتماعية.

وجاء في كتب التربية المدنية الدراسية التعريف التالي : الهوية الوطنية هي مجموع السمات والخصائص المشتركة التي تميز أمة أو مجتمع أو وطن معين عن غيره، يعتز بها وتشكل جوهر وجوده وشخصيته المتميزة .

 

حتى عام 1948 اجتمع الشعب الفلسطيني في ظلال تعريف واحد للهوية ، اما اليوم فنتحدث عن ثلاثة صفات : فلسطيني لاجىء ، فلسطيني سلطة وفلسطيني عرب 48.

ان العدد الاكبر من اللاجئين يتوزع على الدول الثلاث المجاورة جغرافيا" لفلسطين بحكم عمليات التهجير و التطهير العرقي خلال العقود الست الماضية. في الجمهورية اللبنانية نسبة قليلة منهم تحمل الجنسية اللبنانية ( الاقلية المسيحية من خلال مراسيم 1958 وفي مطلع التسعينات ، بالاضافة الى قلة من رجال الاعمال والراْسمالين) والنسبة الاكبر تعتمد على" بطاقة خاصة باللاجئين الفلسطينيين" صادرة عن وزارة الداخلية والبلديات ، مصلحة ادارة شؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان . وكذلك الامر بالنسبة لجوازات السفر التي لا تخولهم الدخول الا الى الدول العربية التالية : سوريا(بدون تاشيرة دخول مسبقة) ، الامارات العربية المتحدة ، ليبيا ، السودان ، الجزائر واليمن . فيما ترفض الدول الاخرى استقبالهم الا في ظروف جد استثنائية.

أما في الجمهورية العربية السورية، فيكمن الاختلاف الاساسي في حصول اللاجئين على جميع الحقوق المدنية اضافة الى الزامية الخضوع للخدمة العسكرية تحت لواء جيش التحرير الخاضع لامرة وتوجيهات الجيش العربي السوري. اما بالنسبة للاجئين في المملكة الاردنية الهاشمية، فمعظهم يحملون الجنسية الاردنية ويتقاسمون الحقوق والواجبات ذاتها مع الشعب الاردن. وما تبقى يحملون جوازات سفر اردنية خاصة باللاجئين تتفاوت درجات امتيازاتها ولكنها تخولهم الدخول الى جميع الدول العربية، وهم يعيشون بشكل طبيعي بين السكان وفي المدن . اما المخيمات فهي لا تتشابه بشيء مع المخيمات اللبنانية ، اذ لا وجود حتى للعلم الفلسطيني، انما علم المملكة و صور للملك الأردني موزعة على المداخل .

 

امُا داخل الوطن الام ، في الضفة وفي قطاع غزة، فيحمل الفلسطينيون هويتهم الطبيعية وجوازات سفر صادرة مباشرة عن وزارة الداخلية بناء" على اتفاقية الحكومة الذاتية الفلسطينية وفقا" لاتفاقية اوسلو الموقعة في واشنطن في 13 سبتمبر من العام 1993. وهذا الجواز يسمح لهم بالدخول الى جميع الدول العربية بشرط الاستحصال على اذن بالعودة الى فلسطين صادر عن وزارة الداخلية.

و من داخل اراضي ال48 ، يقول هيثم ابراهيم - ناشط في حركة ابناء البلد- بان" العقدة تكمن في المقيمين داخل فلسطين المحتلة (عرب 48) . فالهوية الاسرائيلية الزامية على مضض لانها الحجة و السبيل الوحيد لبقائنا في ارضنا و بيوتنا ".

ويتابع ابراهيم: "... الفلسطينيون الذين يحملون هذه الهوية هم المقيمون في المناطق التي احتلت عام ال 48 اي الذين لم يتركوا ارضهم ولذلك فرضت عليهم مع ان الداخل لا يعترف بها الا كمجرد ورقة ... اما عن الحقوق فيمكن القول بانها ظلم بكل ما للكلمة من معنى... نحن حاصلون على المستوى السفلي من ادنى حقوق الانسان باعتبارنا اقلية قومية اضافة الى اعتبارنا اعداء الصهاينة . "

ومع الاتهام العربي لفلسطيني ال48 بالخيانة والاتهام الاسرائيلي لهم بالعمالة، وبرغم وجود عدد كبير من الناشطين في المعتقل، يبقى هذا الجواز مسهلا" للسفر الى الدول العربية الصديقة لاسرائيل : مصر ، الاردن ، تونس ، المغرب ، قطر و غيرها . كما يتم التواصل مع الضفة بانتظام بعد التعرض لتفتيش مذل على المعابر ، امُا التواصل مع قطاع غزة، فهو شبه مستحيل منذ عزل القطاع حتى اليوم.

 

وقد طالبت ثلاثة احزاب اساسية لفترة طويلة بالغاء التميز العنصري المتزايد من خلال تحركات سياسية ضد الاحتلال. فانتهى الامر باثنين منها أي " حزب التجمع الوطني الديمقراطي " و " الجبهة الديمقراطية للسلام و المساواة " بالانخراط في الكنيست الصهيوني تسهيلا" للمطالبة بحقوقهم المهدورة .

اما حركة " ابناء البلد " (منذ 1972) - حسب ابراهيم - فقد بقيت خارج هذه المنظومة ، مستمرة بمقاطعة الكنيست الاسرائيلي و عدم الاعتراف بشرعية قيام الكيان الصهيوني انما الايمان بفلسطين التاريخية . وقد دفع امينها العام " محمد كناعنة - ابو اسعد " خمس سنوات من الاسر كما العديد من الشباب الملتزمين ، ثمنا لمبدئها الاساسي : " اقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية على كامل التراب الوطني الفلسطيني التاريخي . "

كما انُ اختلاف الايديولوجية والعقيدة الفكرية لم يمنع الحركة ذات الميول اليسارية من دعم المقاومة الاسلامية - حماس - في القطاع باعتبار المقاومة حقا" مشروعا" لكل مواطن ارضه محتلة. فذكرى ايلول الاسود و تفجيرات ميونيخ اندثرت من التاريخ الفلسطيني مع تغير المنهاج المعتمد من قبل السلطة اليوم . 

 

 

وبين انقسام العالم العربي الى شطرين - دولا ممانعة و اخرى داعمة للتسوية - مؤديا" الى توسع الشرخ بين حركة حماس و السلطة الفلسطينية الممثلة بفتح، وبين المعزولين خلف المعابر ، والمرميين كلاجئين خارج ارضهم بلا ادنى الحقوق ، يبقى المفهوم الحقيقي للهوية الفلسطينية غامضا".

وامام الانقسامات العربية و الداخلية المساهمة بشكل مباشر في تعددية هوية الشعب الفلسطيني بين لاجىء و مقيم، اصبح هذا المرصد مشتتا" للفلسطينين ، واهبا" خدمة" لاهداف المشروع الاسرائيلي، ثمنها مزيدا" من التشرد و الدماء و البؤس لشعب ناهز عمر مأساته أكثر من ستين عاما.