العدد السابع والاربعون - شباط

نحو مقاومة شاملة تغيّر

زهير فياض
السبت 20 شباط (فبراير) 2010.
 

ثمة حاجة لمقاربة جدية لمسائل الصراع والمقاومة من زاوية مختلفة لما هو شائع، فالمقاومة بحد ذاتها هي حاصل اقتران الوعي بالارادة والفعل لجبه التحديات، ومقاومة الاحتلال بأشكاله المختلفة، والتصدي لمشاريع السيطرة الاستعمارية على أمتنا، بيد أن المقاومة مفهوم واسع يتجاوز البندقية والكفاح المسلح على أهمية الموقع الذي يحتله الكفاح المسلح في قلب حركة الصراع.

هذا المفهوم الواسع للمقاومة يتناول المسألة من زاوية البنية الاجتماعية والشعبية التي تحتضن المقاومة وتقدّم لها عناصر البقاء والاستمرار، فالمقاومة ليست - ولا يمكن - أن تكون فصيلاً معزولاً عن شعبها، بل جزء لا يتجزأ من الحاضنة الشعبية التي تؤمن لها سقف حمايتها الاستراتيجي.

أردت القول إن حماية المقاومة ورفدها بكل عناصر المنعة والصمود مهمة متكاملة لا بد أن تنخرط فيها أوسع شريحة شعبية ممكنة، التي تتوزع على الشأن الاقتصادي وعلى الشأن الاجتماعي وعلى الشأن السياسي، وكذلك على الشأن الثقافي وعلى المسألة الفكرية، وعلى الشأن المتعلق بمنظومة التربية في بلادنا بالإجمال.

لقد حققت المقاومة العسكرية والمسلحة انجازات هائلة منذ الثمانينيات في جنوب لبنان وفي فلسطين، وحققت المقاومة العراقية منذ احتلال العراق الى اليوم انتصارات كبيرة جديرة بالاحترام لأنها تعبر عن مخزون حضاري وإنساني يحمل مضامين رفض الظلم والعدوان، والتعلق بقيم العدل والمساواة والحرية، هذه المقاومة هي تعبير صادق عن خط استقلالي يرفض كل أشكال الإلحاق وإلغاء الخصوصية والذاتية القومية والانسانية.

بهذا المعنى، لقد أنارت المقاومة الشعبية طريق التحرير المعبّدة بدماء الشهداء والأحرار من آخر قرية في العراق الى آخر دسكرة في لبنان وفلسطين.

سؤالان لا بد من طرحهما في هذا الصدد: "كيف نطوّر هذه المقاومات المسلحة التي انطلقت شراراتها في أماكن مختلفة من بلادنا (فلسطين، لبنان، العراق) وفي أوقات متعددة، وانطلاقاً من أطر متنوعة (قومي - وطني - اسلامي)، لكي ترسو على مقاومة قومية شاملة كل الأبعاد، وتضم في ثناياها كل أطياف شعبنا؟ والسؤال الثاني: "كيف نربط المقاومة بالتغيير؟".

لا شك في أن العقل مدعوٌ للبحث في القواسم المشتركة لكل هذه المقاومات، وفي كيفية تصليبها على قاعدة وحدة المصير القومي المرتكز على وحدة الحياة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها؟ وبالتالي توحيد المقاومات في إطار جامع يشكل الحصانة والضمانة لنربح الرهان الأخير على "المقاومة" بمفهومها الشامل؟

ولعل الربط بين المقاومة والتغيير هو ربط في اتجاه حمايتها ونصرتها وتزخيمها!!! 

والتغيير المقصود هو المتعلق بمسائل توكيد الوحدة الشعبية والاجتماعية عن طريق إزالة الفوارق والعوائق بين أبناء الشعب الواحد، وعن طريق العمل النهضوي الهادف الى احداث التغيير في الوعي أولاً لمعنى المواطنة، ومعنى الانتماء الى الأمة باعتبارها الحاضنة الأساسية لكل أطياف المجتمع الواحد، ومفهوم الانتماء الى الوطن باعتباره البيئة الجغرافية التي تحتضن كل هذا المد الانساني والتاريخي والحضاري.

باختصار، اذا كان المشروع الصهيوني يهدف الى اقامة نموذج عنصري - ديني (بالمعنى المنغلق)، وثيوقراطي على أرضنا القومية، فالمنطق يقود الى أن المشروع المقاوم والبديل يفترض السعي الى اقامة النموذج النقيض والبديل أي "النموذج القومي والانساني والحضاري" الذي من أبسط شروطه تعميق مفهوم "المواطنة" كبديل عن الانتماءات الجزئية على أشكالها!

هذا الكلام ليس تنظيراً بسيطاً، بل رؤية وايمان وقناعة وارادة باتجاه التغيير الحقيقي لنحمي "المقاومة"، ولكي نصلبها أكثر، ولنرسي قواعدها على بنية شعبية متماسكة تشمل كل الأمة.

ان مقاومة حزب الله، ومقاومة حماس، ومقاومة أي فصيل، في أي بقعة من أرضنا المحتلة والمغتصبة مهما كانت دوافعها (اسلامية أو غير اسلامية) هي مقاومة قومية انسانية ذات بعد عالمي في التناغم مع كل قوى التحرر والرفض للاحتلال والعدوان على مدى الكوكب بأسره، ولكن، يبقى عنوان الصراع عنواناً قومياً بامتياز (والقومي هنا هو بالمفهوم الواسع والمنفتح لكلمة "قومية"، فالصراع من أجل التحرير ليس صراعاً دينياً ولا طائفياً ولا طبقياً بل هو صراع يخص كل الناس التي تتحرك في الاطار الجغرافي الذي نسميه "الوطن"، ان الدوافع والحوافز على أهميتها لا يمكن لها أن تطمس حقيقة الصراع الجوهرية والأساسية أي "الصراع على الوجود" القومي والحضاري والانساني الذي يشمل كل الروافد الدينية وغير الدينية.

مؤدى هذا الكلام، أن حفظ المقاومة في كل مكان من بلادنا يكون عبر ربط مشروعها بمشروع التغيير والعصرنة والتحديث لكل البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأمة بأسرها.