العدد السابع والاربعون - شباط

"جســـــــــد"... مجلة أم "منيفستو"؟

نجيب نصير
السبت 20 شباط (فبراير) 2010.
 

ربما تكمن أهمية "جسد"، المجلة اللبنانية الفصلية، في العلاقة الثقافية معها، فمع ظهورها تواردت الآراء والمواقف وتناقضت حول ضرورة وجودها ومشروعيته ما يمكن أن يُطلق عليه حراك ثقافي خجول وسرّاني، حيث بدا تداولها بصفة عامة كتداول المراهقين لمجلات البورنوغرافيا من حيث الخفر والسرّانية ودفع التهمة، حيث يبادر أي حامل مجلة "جسد" بمبررات وجودها بين يديه ليمطرك بعدها برأيه فيها، وفي الحالين يبدي هذا القارئ عدم اهتمام أو أهمية مصطنعاً، وكأنه يبعد شبهة مضمرة.

لا تبدو مجلة "جسد" في أعدادها الأربعة الأول اجتراحاً إعجازي لتابو يبدو في مظهره الخارجي قد صمّم كي يكون مصمتاً أبد الدهور، فالدوران الحلزوني في حلقة المسكوت عنه والمسكوت فيه والمسكوت من أجله والمسكوت منه، يشكل خلفية وحاضناً للإعلان عن إطلاق الإيروتيكا العربية أثناء عمائها المتراوح بين الإبصار البورنوغرافي الوحيد البعد، والاحتشام المثقفاتي المتصالح مع النقلات التكتيكية المتمهلة، نحو الاعتراف بالجسد كمنبع لإنتاج ثقافي على أساس محوريته في هذا الإنتاج، حيث يبدو مجرد الاعتراف هذا، خروجاً أخلاقياً ووثنياً في آن معاً، عن ميزة العفة والطهارة المشهرتين خارج أسوار الجسد المقيد بجلده الحساس للمس أو داخل أسوار الخيال المحكوم بعقد الذنب السرانية، ليتحوّل هذا التكتيك الى استراتيجيا التمهّل حتى يجبر المجتمع أو يقتنع بوجود أو بحصول هذه (الأشياء) على الرغم من إمكانيات الترجيع التراثي الذي بدا كتمرين للترويض على السكوت، لتبدو "جسد" كنقطة علام إعلانية عن عصر عدم التمهل هذا، فالميديا بتطبيقاتها الشعبية أخذت تنذر بسرانية تتآكل جسد البنية الثقافية ليصبح خطر السرّانية أعظم من خطر العلم بالجسد وأهوائه ونوازعه ومتطلباته وصوره واستعراضاته.

تقدم "جسد" نفسها كمشروع ثقافي فكري أدبي وفني وعلمي وسوسيولوجي، لا سقف مرئياً بأم العين لتطلعاته، أي أن هناك في المنقلب الثقافي الآخر، الجسد والشهوة وأخلاقهما، علم وأدب وسوسيولوجيا وليس مساحة للبذاءة أو الخطيئة... فقط، وهنا تتمظهر العلاقة مع المجلة بصورة صدمات متعجلة أو متأجلة تحت وابل من التساؤلات، هل هي علاقة مع المهتمين بالعلم والأدب أم هي علاقة المهجوسين بالشهوة، أم علاقة مستمرة مع سرانية المعرفة المقموعة؟ وهل هي مجلة للمثقفاتية، أم للعامة الذين يلتقطون نفحات البورنوغرافيا تفعيلاً للتوق الى التعهّر السرّاني ومتعه، كل هذه العلاقات، بتشعباتها تقدّم تقييماً موارباً ورجراجاً، يذهب مباشرة للسؤال هل نحن حقاً بحاجة الى منبر كهذا في خضم الحاجات الثقافية المتراكمة؟ ليظهر ذاك الخيط أو الخط الأحمر الرقابوي الأخلاقوي الذي يفاضل بين أشرف العلمين والأدبين، لتختصر الأسئلة نفسها وتتراجع الى المتداول النظامي المتذاكي، لماذا جسد؟ ولماذا الآن؟ ومن الممول وكم؟ ومن المستفيد؟ وهل هناك مؤامرة على الأخلاق؟ وهل لم يتبق لدينا من الهموم إلا تلك الشهوة المحرمة؟ وهل أخلاق مجتمعاتنا تحتمل أو توافق على طروحات مجلة تستقي طروحاتها من الخارج أو من ضالِّي الداخل؟ في هذا الإطار من الأسئلة تكون "جسد" قد فشلت في إضافة جديد على الخطاب الثقافي العام، ولكن خلخلة هذا الخطاب وعلى الرغم من مظهر المجلة الارتجالي والبزنسي هي غاية مهمة في حد ذاته.

ربما تبدو "جسد" كدعوة لإطلاق محاولات جديدة على صعيد نشر ثقافة الجسد بصورة أكثر حرفية ومنهجية، حيث تبدو وعلى الرغم من جرأتها وشجاعتها بل وضرورتها وكأنها من كل واد عصا، وهي لا تتحمّل وزر ذلك بالطبع، فالشح الشديد في المنشورات التي تتناول هذه المسألة تنكب المجلة مسؤوليات متنوعة، فلقد فتحت الباب على عالم فكري يحوي الكثير من فروع المعرفة المقبورة في المجتمعات العربية.

لا يمكن إشباع "جسد" مناقشة، بأعدادها الأربعة الصادرة حتى الآن، برصدها على هذه الطريقة، فالمجلة أقدمت على إعلان فتح الباب لرصد ذاك الذي يرافقنا في كل حياتنا، ولا نملك غيره، ولا نملك الا أن ندللـه، نملكه لمرة واحدة وباتجاه واحد، فالموضوع بحاجة الى "فلش" يعمّم ويشرعن تداول ثقافة الجسد كثقافة لا تابوية وصريحة، تستحقّ الاحترام، وربما التبجيل.