الحب في المناخات الباردة ـ مشكلات الهوىوالثقافة البروتستانتية ـ مرتفعات وذرينغ نموذجاً

صخر الحاج حسين-العدد السابع-كانون الثاني 2006
السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 

كان لفتاة في الخامسة والعشرين من العمر ابنة رجل دين بروتستانتي

أن تكتب واحدة من أعظم قصص الحب في الوجود، إن لم تكن أعظمها.

فمرتفعات وذرينغ كما يصفها البعض قصة مستحيلة كان يجب ألا تكتب،

فهي رواية جعلتنا نعتقد أن العالم يمكن أن يتصدع مثل لحاء بيضة

عندما يتم الضغط عليه بفعل رغبة بشرية لا تقاوم.

لا تشبه مرتفعات وذرينغ آنا كارنينا، ذلك أن الأولى احتفاء شديد

بتلك الخصائص المهيبة للرغبة التي تندب آنا كارنينا حظها عليها.

مرتفعات وذرينغ قصة حب اتخذت الفرح المجنون سبيلاً إلى الرغبة، وشقت

طريقها إلى نسيج المجتمع كما طالبت بالتضحية بالأوضاع الثابتة

والعائلة والشرف، وبالتالي بالحياة برمتها، لقد أقُحم إيفان

كارامازوف في رواية الأخوة كارامازوف، التي يمكن مقارنتها بمرتفعات

وذرينغ، في رعب وجودي انبثق من فكرة مفادها إذا ما مات الله، فإن

كل شيء ممكن. وفي مرتفعات وذرينغ تبدو إيميلي برونتي من خلال حكاية

هيثكليف وكاثرين إيرينشو وكأنها تقول بموت الله. قصة الحب

الرومانسية العنيفة والخارقة هذه تتحدث عن الرغبة التي هي أقوى

من الموت، وهي لا تعترف بالموت على أنه يشكل عائقاً للعاطفة. وإذا

كان ثمن رغبة العاشقين هو اللعنة، ذلك أن الله مات، عندها من

الممكن أن يبقى إبليس هو المسؤول عن دفة قيادة سفينة الكون وهنا

يكون العاشقان ابتهجا بتلك اللعنة الأبدية.

من الخطأ الجلل أن نفكر في أن مرتفعات وذرينغ تحكي حكاية هيثكليف،

أو حكاية كاريزما ذلك العاشق الشيطاني الذي صب عليه القدر جام

غضبه. ليس هناك من شك في أن هيثكليف باع روحه للشيطان في بداية

الحكاية، لكن كاثرين أيضاً هي من كانت بقامة تضاهي قامة إبليس،

فقد حلمت ذات يوم بأنها صعدت إلى السماء:

«لا تبدو السماء موطني، لقد انفطر قلبي حزناً وبكاء من أجل العودة

إلى الأرض، وغضبت مني الملائكة وقذفوا بي في مروج مرتفعات وذرينغ،

حيث أنتحب من أجل الفرح».

تمثل كاثرين الصوت الحقيقي لملاك متمرد وكذلك، فإن هيثكليف يمثل

عاشقاً شيطانياً صُبّ في نفس القالب الذي أبرزه شعراء رومانسيون

أثناء إعادة كتاباتهم الرؤيوية لشخصية إبليس، لكن ربما كانت

كاثرين تمثل أكثر من ذلك فهي السيدة إبليس، إنها شأن هيثكليف،

تدمر وبعفوية بالغة، السكينة والإلفة، والعواطف.

عندما تسقط طريحه الحمى، تأخذها معها السيدة لينتون والدة الرجل

سيئ الحظ الذي تزوجته كاثي إلى النقاهة «لكن تلك العجوز المسكينة

كان لها ما يبرر أسفها على رعايتها لكاثرين، فقد التقطت هي

وزوجها الحمى وماتا في غضون أيام» وهنا تبرز كاثرين بوصفها أمرأة

مغوية «femme fatale».

تطرح الرواية سؤالاً يتعلق بإنسانية هيثكليف مفاده: «هل هيثكليف

إنسان؟ وإذا كان كذلك هل هو مجنون؟ وإذا لم يكن كذلك، هل هو

شيطان؟ أو غول؟ أو مصاص دماء؟ تتشابه صورة كاثي معه في هذا

السياق. فما يمكن أن نصفه به يمكن أن نصفها به أيضاً. تقول كاثي:

«ليس مهماً ما هي طبيعة روحينا، ما هو هام أنهما روح واحدة»،

باختصار إنها الجنية، لم تكن نيللي دين ربة المنزل تؤمن أن السماء

يمكن أن ترحب بكاثي، لكن وفي الوقت ذاته لم يفكر أحد حتى نيلي بأن

كاثي شبيهة بمصاص دماء أو غول، رغم أننا نلتقي بها في بداية

الرواية كشبح. لقد كانت نيللي دين تتحدث دائماً عن «نوبات من

العاطفة» عند كاثي أي عن «مزاجها السيئ» بلغة ذلك العصر

الفيكتوري، فقد كانت العاطفة تعتبر نزقاً آنذاك.

كتبت برونتي هذه الرواية عندما كانت في ريعان الصبا، أي في عمر

آرثر رامبو ذلك الملاك المتمرد الآخر عندما كتب Les Illuminations

(إشراقات)، وقضت في الثلاثين من العمر، لكن ليس بسبب حادث مأسويّ

أو بسبب مرض، بل بسبب ممارسة إرادتها هي بعد أن حرمت نفسها من

الطعام وماتت بعد شهور من موت أخيها برانويل بمرض السل. قبل أن

تموت بفترة قصيرة، أتلفت أوراقها الشخصية كلها التي ربما احتوت على

رواية أخرى. لقد كان موتها الأغرب وربما كان بطريقة ما الموت الأمل

مأسوية الذي يمكن أن يتخيله المرء. طباعها، وكما سجلتها

شقيقتاها، لم تقل غرابة عن موتها. فقد كانت إيميلي تربي صقراً في

بيتها وكان هذا من غير المألوف. ومرة عضها كلب مسعور وما كان

منها إلا أن كوت الجرح بنفسها بالحديد الملتهب. مرتفعات وذرينغ

كتبتها امرأة قادرة على أن تفعل كل هذه الأشياء. لربما دفعها

موت هيثكليف إلى انتحار متعمد. لكن موته لم يكن صادراً عن إرادة،

بقدر ما كان نتيجة لغياب العقل نهائياً. لقد نسي هيثكليف أن

يأكل في خضم توقه للوصال مع حبيبته الميتة.

نسي، إذا جاز لنا التعبير، أن يعيش، ورغم ذلك فإن كاثرين ميتة

وليست بميتة، إنها شبح مؤرق سكن موطن الأرواح، معلقة بين الأرض

والسماء بإرادة مشبوبة، ومثلها لم يمت هيثكليف بقدر ما تخلى عن

جسده.

دعونا نستشهد بهذا المقطع لجوزيف غلانفيل الذي استخدمه إدغار آلان

بو كترنيمة له في حكايته «ليجيا» عن الهوى الذي يتجاوز الموت.

وعلينا أن نتذكر أن كلتا البطلتين، كاثرين وليجيا،

بروتستانتية.

«هناك ترقد الارادة، لا تموت. من ذا الذي يعرف أسرارها، بكل

زخمها؟ ليس الله سوى إرادة هائلة تسود كل شيء. لا يسلم الإنسان

قدره إلى الملائكة، ولا للموت، خلا عبر ضعف إرادته الواهنة». لكن

برونتي تموت من خلال قوة إرادتها هي.

لقد قال أوكتافيو باث:

«النساء سجينات الخيال الذي فرضه المجتمع الذكوري عليهن، لذا إذا

ما سعين إلى خيار حر فسيكون ذلك نوعاً من كسر السجن». لكن الأمر

ليس كذلك بالنسبة لإيميلي برونتي التي بدت غير مكترثة بالصورة التي

فرضها عليها المجتمع الذكوري. رغم ذلك فالخيار الوحيد الذي بدا

بأنها تبنته كان البقاء في حالة بين الحياة والموت وربما كان موتها

نوعاً من الفرار من سجن الحياة.

تبقى كاثرين إيرين شو حبيسة صورة الأنوثة، فقد تمت جمعنتها

كامرأة من قبل عائلة لوكوود. لقد أخذوها من المروج طفلة ضارية

عنيفة متهورة شأن أخيها في التبني، وحولوها. عندما عادت ثانية

إلى مرتفعات وذرينغ كانت قد تغيرت تماماً. «بدل الوحش الصغير حاسر

الرأس الذي يقفز في البيت ويندفع ليخنقنا، ترجلت من على ظهر

فرس

أسود جميل فتاة جليلة بخصل شعر تناثرت من غطاء قبعة من الفرو

ذات ريش. كانت برداء طويل أجبرها على أن تحمله بكلتا يديها،

رداء كان يمكنها من أن تبحر به».

بثيابها وأنوثتها الجديدة، تلفعت بالقمع. لم يعد بإمكانها أن تمرح

مع الكلاب خشية أن تلوث ثيابها. ولم يعد بإمكانها أن تعانق نيللي

دين ذلك أن الأخيرة يكسوها الطحين الذي كانت تعد منه الحلويات.

باتت كاثي الآن عاجزة عن أن تتأقلم مع الصورة التي رسمها المجتمع

لأنوثة الطبقات الدنيا من المجتمع. لم تكتف بالتحول إلى أنثى وإنما

تحولت إلى أنثى بورجوازية أيضاً، لقد تحولت إلى شيء يمكن أن تنظر

إليه، لكن لا يمكنك أن تلمسه. وحتى بالنسبة لهيثكليف فقد بات

بالنسبة لها مجرد قذارة يجب الابتعاد عنها. لقد أجرت خيارها سلفاً.

لقد اختارت النظافة ونأت بنفسها عن القذارة، إذ كان عليها أن

تختار بحكمه وعقل. في نهاية المطاف تبنت خياراً لا جنسياً، خياراً

نظيفاً يخلو من الهوى والعواطف، سوف تتزوج كاثي في السماوات من

ملاك خيّر نظيف أشقر غني. سترتقي السلم الاجتماعي لتصل إلى فردوس

الطبقات الأعلى شأناً.

كل الفن الإنكليزي ما بعد القرن السادس عشر يتضمن مواضيع

إضافية تحكي عن الطبقة الاجتماعية، ومرتفعات وذرينغ ليست

استثناء.

«لم تخذلين قلبك يا كاثي؟» يسألها هيثكليف في مشهد حب خارق يصل إلى

أوجه بموتها. مشهد أتخم بعنف جسدي وعاطفي. مشهد مهول منح بعداً

جديداً من الرعب، حين كانت كاثي حاملاً في شهرها السابع. لقد خذلت

قلبها لأنها فعلت ماهو متوقع منها. لقد أنكرت الخيار الحر، وأخفقت

في كسر سجنها في الحياة. كلماتها الأخيرة كانت «هيثكليف سأموت» كان

ذلك وعداً منها أكثر منه تهديداً.

كانت مرتفعات وذرينغ مع أليس في بلاد العجائب، من الروايات

الأثيرة عند السورياليين. فقد هيأ لويس بونييل نصاً في الثلاثينيات

لكنه عجز عن أن يجعل منه فيلماً سينمائياً، إلى أن استقر في المكسيك

في العام 1953. ثم وجد نفسه هناك وقد أحبط بمنتجين وطاقم ممثلين

وموسيقيين، بمن فيهم راقصة الرومبا ليليا براود التي لعبت دور

إيزابيلا لينتون، ورغم الجانب السوريالي في هذا كله، فإن هذا

التجاور العشوائي السوريالي بين الأغنية والرقصة المكسيكية وبين

هذا النص الملتهب لم ينتج ذلك الأثر المعجزة الذي كان يعشقه زعيم

السورياليين أندريه بريتون.

لقد لامست الرواية موضوعات أعمق من تلك التي تتعلق بالليبيدو

الأنثوي، رغم أن الرواية تعلن أن كاثي بوصفها كائنا هالكاً،

وبالطبع ليس الجانب الروحي المتقد منها، قد تم تدميرها بخذلانها

لرغباتها.

فالعلاقة بين كاثي وبين هيثكليف مليئة بالزخم ولا يمكن أن تكون

علاقة طبيعية، كما أنها لا يمكن أن تكون آثمة.

في معرض تعليقها على الرواية قالت فرجينيا وولف: «هناك عشق

لكنه ليس عشق رجال ونساء» وعبرت الناقدة الأميركية كاميل باغليا

عن ذلك على نحو تحليلي بقولها: «لقد سعت كاثي وهيثكليف إلى إبادة

سادو مازوخية لهويتيهما المنفصلتين». والأمر كذلك لابد لنا من أن

نقف وقفة قصيرة في مشهد الحب الأخير الذي أتخم بالرعب والعنف. لقد

انتزعت كاثي من هيثكليف خصلة من شعره، وترك هو بروزات زرقاء

على ذراعيها. لقد كان اتحادهما الأخير شأن قطرتي زئبق. لقد تحررت

كاثي من سجنها وهي حية، واحترق كلاهما بنار الحب والمشاعر التي هشمت

الجسد. تخطيا وتجاوزا فردانية جسديهما، وتقطرا من الجسد روحاً

طاهرة. طمحاً للوصول إلى لغة صوفية في علاقتهما، رغم أن إيميلي

برونتي لم تسمح لنفسها أن تستخدم لغة الصوفية. ولكن ماذا أرادا

من بعضهما بعضاً؟ لقد أرادا ما أراده أوكتافيو باث: «لحظة من

حياة مليئة، حيث تغيب الأضداد، وتتحد الحياة والموت، والزمن

والخلود». إنها النظرة الرومانسية الأكثر رفعة للعاطفة. وفي

النهاية ما أراداه كلاهما حصلا عليه. لقد جعلت برونتي العاطفة

تنتصر على الموت رغم أن جلّ الروايات الإنكليزية الأخرى لم تكن

تسمح بذلك.

حلمت كاثرين إيرنشو بملائكة ترمي بها من السماء. كانت تنتحب فرحاً

لتجد نفسها في المروج ثانية.

لربما تحقق حلمها. فلنسمع أصوات دموع الملائكة المتمردة التي تبكي

فرحاً. إنه صوت العاطفة الحقيقي الذي لم نعد نسمعه في أيامنا هذه.

ولكن يبقى السؤال هل استطاعت نار كاثي وهيثكليف أن تذيب صقيع

الشمال؟.